نعود في هذا المقام إلى ما سمّاه شيخنا العلواني بالقيم العليا الحاكمة الثلاث: التوحيد والتزكية والعُمران، لنتناول قيمة العُمران، بوصفه مفهوماً مركزياً من مفاهيم القرآن الكريم، ولنجتهد في تقديم رؤية معرفية لهذا المفهوم من مرجعية قرآنية. فإذا كان التوحيد يتعلق أساساً بالرؤية الإسلامية للإله الخالق المدبِّر، والتزكية تتعلق بالرؤية الإسلامية للإنسان المخلوق المستخلف، فإنَّ العُمران يتعلق بالرؤية الإسلامية لوظيفة الإنسان في الكون المستخلف فيه، فيكون العُمرانُ –وَفق هذه الرؤية- قيمةً معيارية تقاس بها "قيمة" الحياة في عُمُر الإنسان الفرد، أو عُمُر الجماعة أو الأمة، وقيمةً معيارية "تُقوَّم بها" الجهود والإنجازات الحضارية "العُمرانية" للفرد أو الجماعة أو الأمة.
يعيش الإنسان المعاصر، في ظل هيمنة النموذج المعرفي والحضاري الغربي، أزمة فكرية لم تعهدها الإنسانية من قبل، رغم ظاهر انتصار العقلانية ومبادئها، وما قادت إليه من غنى فكري، وتنوع معرفي، وتقدم علمي وتقني هائل. بل يمكن الجزم بأنَّ هذا الانتصار قد انحرف عن مساره، وأدَّى إلى نقيض مقصوده، ولا أدلّ على ذلك من أنَّ هذه العقلانية التي بشَّرت الإنسان بعالم تسوده الطمأنينة والسعادة هي التي أدت إلى تدميره، فتحولت هي وتطبيقات العلم التكنولوجية إلى عار على الحضارة الغربية،
قلما يحصل الانتباه عند قراءة النصوص الفلسفية إلى توظيفات آليتي التمثيل والاستعارة. وربما يكون في طرافة هذه التوظيفات وخروجها عن ما ألفناه في أذهاننا، أعني عن صورة عامة لنصوص فلسفية متسقة وجدية، ما يجعل الدراسات في هذا المجال قليلة؛ وكأن إنتاج نص فلسفي ساخر أمر مضاد للجدية وللحوار البنَّاء، مع أنّنا كثيراً ما نسمع أنّ الفلسفة قد بدأت مع سقراط تهكميةً ساخرة.
لا يخفى أن علاقتنا –بوصفنا مسلمين- بالقرآن المجيد، على مستوى الفهم والتصور؛ أي: الرؤية التي يزود بها حامله ومتبعه حول الذات والغير والكون المحيط، وعلى مستوى العمل والسلوك، أي: الالتزام والتنـزيل والفقه المؤطِّر لذلك، لا تزال دون المستوى المطلوب. فنحن لم نستطع الارتقاء إلى مقام الارتباط بالكتاب بمنهج الكتاب نفسه، وإدراك مكامن ومداخل التفعيل لما تم تيسيره وتسخيره من هداية وصلاح وعلوم ومعارف وسنن ونواميس، هي جزء من الوجود العلائقي الكوني للإنسان. ومن ثَمَّ ما يزال ارتباطنا به قاصراً جداً، ونظرتنا له تاريخية.
الحياة في عصر العولمة طقس ثابت للمحاكاة، يجب على كل شخص فيه الإذعان للأنظمة التي تقهره بوعي أو من دون وعي. غير أنَّ القهر لا يتَّخذ طابع القسر العنيف المعلن عادة؛ بل يتحقق عبر آليات مجتمعية كامنة تعمل على إعادة إنتاج أنماط اجتماعية بعينها بشكل متجدد، وتسعى إلى تعميمها، على الرغم من أنّ الوعي الجمعي قد يرفضها ظاهرياً.