|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 045 > قراءات ومراجعات

بين أزمة العقل وأزمة الوجدان، قراءة في كتابي الدكتور عبد الحميد أبو سليمان: أزمة العقل المسلم وأزمة الإرادة والوجدان.

دعاء محمود فينو

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 1223   عدد الاصوات: 96 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
   
تتضمن هذه المقالة مراجعة وقراءة في كتابين للدكتور عبد الحميد أبو سليمان، وبين تاريخ نشرهما حوالي خمسة عشر عاماً. الأول يتحدث عن أزمة العقل المسلم، والثاني يتحدث عن أزمة الوجدان المسلم. ومع ما بين تاريخ نشر الكتابين من فترة زمنية حدث فيها من الأحداث الجسام، ما غير الكثير من واقع الأمة الإسلامية وواقع العالم من حولها، فإن المثقف المسلم يتساءل عن دورهما الإصلاحي في سياق المرحلة التاريخية التي تعيشها الأمة. لذلك فانه من المتأمل أن تقدم هذه المراجعة تصوراً موضوعيا دقيقا عن هذين الكتابين يستعين فيه المثقف المسلم في تكوين رؤية نقدية للمشروع الإصلاحي الذي يشترك الكتابان في تقديمه للأمة.

أزمة العقل المسلم
ينطلق الأستاذ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان في تصديره من أزمة الأمة والتي هي نقطة الاتفاق التي لا يتمارى فيها اثنان. تخلف حضاري، وهوان سياسي، ومعاناة إنسانية، لا يدفع عن الأمة ما تتمتع به من طاقات بشرية وإمكانات مادية، ورغم ما تمتلكه من قيم ومبادئ سامية. وهذا يعني أن قيادة الأمة لم تقف بعد على المنطلق الصحيح في عملية التغيير نحو الغايات الإصلاحية المرجوة. أبو سليمان في مراجعاته الذاتية، وتأملاته وتقليبه لوجوه النظر ومراجعة التجارب السابقة التي بذلتها الأمة للخروج من أزمتها، وتقويم هذه التجارب تقويما دقيقا أمينا وموضوعيا يجد مع أبي سليمان أن النقطة الصحيحة في عملية التغيير في رؤيته يجب أن تبدأ بالفكر لأن "الفكر الصحيح هو الذي يوجد النهضة الصحيحة، وهو الذي يأخذ بيد الأمة للخروج من أزمتها الخانقة."
وحيث أن الكاتب ندب نفسه لإيجاد العون والمخرج للأمة لتتحرر من عجزها فهو يعلن أن تحريرها يتأتى بتحرير العقل المسلم، ولا يجد لذلك حلا إلا في الأصالة الإسلامية المعاصرة. وهو إذ يقرر ذلك لا يغفل منطلقات الحل الأخرى التي انطلقت منها الحركات الإصلاحية التاريخية، لذا فانه يتفحص نجاعتها مع قارئه واضعا يده على مواضع الضعف فيها. غير أنه ينبه القارئ إلى ضرورة منهجية في المعالجة ألا وهي إدراك مواضع القصور والخلل في أمة تمتلك كل مقومات الحضارة القيادية للأمم. وهذا لا يتأتى إلا من استحضار "نظرة شمولية تحليلية عميقة في كيان الأمة وخطوط مسارها الذي بلغ بها دركا ما زالت تتهاوى في أعماقه حتى اليوم... والأشد من ذلك ألما ومرارة أن أمة الإسلام ما زالت تحت اليوم تمثل مناطق نفوذ وأسواقا للإنتاج الصناعي الأجنبي ومصدرا رخيصا للمواد الأولية والأيدي العاملة غير الفنية ، وأمست كلها ميدان صراع بين القوى العالمية عاجزة عن إطعام نفسها، مفتقرة إلى القاعدة العلمية و(التكنولوجية) والى الصناعات والخبرات والمؤسسات الفنية المتطورة وكل مقومات القوة الذاتية". فالأمة تعاني من شيوع المذهبيات الشعوبية والعنصرية القومية والإلحادية والفوضوية والإباحية المعاصرة التي تنخر في جسدها فتزيدها وهناً على وهنٍ. ومع اتفاق عقلاء الأمة على وضوح المرض والضعف والعجز في أمة الإسلام، إلا أن منطلقات الحل ما زالت موضع خلاف. لذلك فهو يقدم الأصالة الإسلامية المعاصرة منطلقا وترياقا لما أفسد مزاج الأمة وكان سما زعافا يحرمها شهودها الاستخلافي بين الأمم.
يأخذ أبو سليمان بأيدينا في أروقة تاريخ الحركات الإصلاحية باحثا عن تأكيد صحة منطلقه في مقابل المنطلقات الأخرى التي انطلقت منها تلك الحركات والتي لا يقلل أبو سليمان من شأنها أو يغمطها رصيدها في ضمير الأمة المسلمة، إلا أنه يتساءل وكذلك نتساءل نحن معه فأين ذهبت آثارها، ولماذا لم تتململ الأمة من سباتها إلى اليوم؟ ...وما هو المنطلق الصحيح الفاعل إذن؟
في ظن الكاتب أن الأسلوب الأكثر فاعلية والأولى بالاتباع هو الأسلوب الذي يتعرض للحلول والبدائل الأخرى وبيان الأسباب الجوهرية لخطئها واستبعادها، كما يعرض للحل الصحيح والأسباب الداعية للأخذ به والقناعة بمقتضياته. وهو يقدم أن الحلول التي حملتها الحركات الإصلاحية السابقة أخذت بمنطلقين رئيسيين:
أولا: منطلق تقليد الأجنبي أو ما يسميه "الحل الأجنبي" : وهو يمثل مجموعة الحلول المستوردة جوهريا من التجربة الغربية المادية الحديثة بكل أشكالها الفردية والشمولية والعلمانية والإلحادية (الرأسمالية والماركسية).
ثانيا: منطلق التقليد التاريخي أو "الحل التقليدي التاريخي الإسلامي": وهو يمثل مجموعة الحلول المنقولة جوهريا من بطون التاريخ، مع إلغاء الأبعاد الزمانية والمكانية وآثارها.
الحل الأجنبي حل وافد لا ينسجم مع الحالة النفسية العامة للأمة ولا ينسجم كذلك مع تكوينها. "إن الضمير المسلم إنما يبحث عن سعي وإعمار وحسنة في هذه الدنيا وأجر وفلاح ونعيم في الدار الآخرة، ولا مجال لتقبل الازدواجية والتعارض في بين ما هو خير وصواب وإعمار في هذه الدنيا وما هو خير وصواب وإعمار في الدار الآخرة".
"لكل أمة تكوينها في قيمها وعقائدها ومفاهيمها ولها دوافعها ونفسيتها وتاريخها، شأنها في ذلك شأن مكوناتها من بني الإنسان، فإذا لم يتم التعامل معها بفهم تلك الجوانب ومن خلال تلك المكونات والدوافع فإنه من الصعب تحريكها أو تحريك مكامن القوة والكفاح والبناء فيها... فما يحرك كائنا إنسانيا قد لا يحرك كائنا إنسانيا آخر" ، وتجربة الدولة العثمانية قد تقدم مثالاً بارزاً على فساده وخروجه عن منطق الأمة وطبيعتها.
الحل التقليدي التاريخي بدوره "يلغي بعشوائية ملفتة للنظر، الأبعاد الزمانية والمكانية لكيان الأمة ومسيرتها التاريخية، وهو يمثل في عصوره المتأخرة تراجعاً مستمراً أمام تحديات الحياة المعاصرة وقوى العدوان الغاشم على عقل الأمة الإسلامية وفكرها،، ومن الواضح أن هذا الحل لم يسفر عن النتيجة المطلوبة في استنقاذ الأمة وإلا لما تدهورت أوضاعها ولما تمكن الأعداء من أزمتها ولا ألم بالأمة ما ألم بها من نكبات". "وحل التقليد التاريخي إنما يبسط الأمور حين يتصدى لها ابتداء بالتأكيد على سلامة منطلقه وخطئه جميع الأطراف والظروف التي لا تستجيب أو لا ترغب في أن تستجيب أو لا ترغب أن تستجيب أو لا تستطيع أن تستجيب لمعطياته وأطروحاته... مثال ذلك، جمال الدين الأفغاني، "المستبد العادل" .
أبو سليمان يجد أن هذا الحل كان مسؤولاً عن "الوقوف بالفكر الإسلامي عند عصر الصدر الأول والعودة إلى الصور التاريخية والغرق الانتقائي في المتاهات وذكريات التاريخ ومبالغات تقديساته" . ومن ثم جفاف "الجذور الفكرية للقيادات الاجتماعية والسياسية" واستسلمت للعجز والسلبية. "كل هذا كان لا بد أن ينتهي بالأمة إلى الوقوع في قبضة التقليد وجمود فكر القيادة الفكرية (العلماء) الذين لم يعد لهم منابع عملية اجتماعية وسياسية يستقون منها من جانب، والى الوقوع في قبضة الاستبداد والقهر والتدهور السياسي والاجتماعي من جانب آخر حيث أن القيادة السياسية والاجتماعية لم يعد لها أيضا قاعدة فكرية تستند إليها و تستقي فكر الحلول والتطور والبدائل منها"... وأصيبت الأمة بظاهرة يطلق عليها الدارسون ظاهرة اتساع الهوة الحضارية -الاقتصادية و(التكنولوجية)-، بين الشمال والجنوب أو بين الدول الصناعية المتقدمة ودول العالم الثالث المتخلفة والتي تمثل دول العالم الإسلامي جل رقعته وأبرز معالمه" .
إن أهم الدروس التي يجب أن تستقيها الفئة المقبلة على التغيير "هو فشل المدرسة التقليدية التاريخية. وان العودة إلى العيش في أحلام الصور التاريخية هو أمر ضد طبائع الأشياء وحركة الحياة في الزمان والمكان والفكر والإمكانات" .
"إن فهم الداء ومعرفة نشأته وآثاره وتتابع مضاعفاته في الجسد الإسلامي والتاريخ الإسلامي، كل هذه الأمور ضرورية لفهم مواصفات العلاج ونوعية الجهد المطلوب للإصلاح في أولياته وخطة انجازه". وهو ينص على أن الأمة وقياداتها إذا أرادت استعادة طاقتها وصحتها أن تأخذ نفسها بأربعة أمور:
الأول: تحديد المنطلق الصحيح للحل.
الثاني: القناعة الكاملة به.
الثالث: السير بخطى ثابتة باتجاهه وعلى هدى منه.
الرابع: توفير الوسائل العملية الفعالة لتحقيقه وتربية الأمة عليه.
إنّ منطلق الأصالة الإسلامية أو ما يسميه أبو سليمان "الحل الإسلامي المعاصر": يمثل في رؤيته الحل لمواجهة تحديات العصر من منطلق إسلامي. وهو "مبني على أساس الإسلام في الغاية والعقيدة والتصورات، لأن الأمة المعنية بالنمو والحركة والبناء هي أمة إسلامية في عقائدها وفي قيمها وفي تكوينها النفسي والفكري، ولا سبيل إلى تحريكها ولا إلى دفع عجلتها بتجاوز هذه الحقيقة الأساسية في فهم شخصيتها ومكامن طاقتها ودوافعها مهما اعتورتها الأمراض والتشوهات والمحن" .
"الأصالة المعاصرة" في خطاب أبي سليمان "تقتضي القدرة والخبرة الفنية وسلامة المنهج، كما تعني أيضا منطلق الدراسة والتحليل من قاعدة العلم الفطرات والطبائع ومن قاعدة الخبرة والممارسة، وهذه الممارسة تنطلق من الواقع وقضاياه وإشكالاته وإمكاناته باتجاه الإسلام وكلياته ومقاصده وقيمه وتوجيهاته، وبمنهج الشمولية العلمية العملية يمكن إحداث النقلة الفكرية والحضارية المطلوبة". إعادة الثنائية الروحي/ المادي إلى حيز التعليم وإعادة ترتيب الأولويات بما يضمن معه إعادة إعمار أنظمة المؤسسات والسياسات يحقق الحالة التكاملية للمجتمع الإسلامي، مجتمع العدل والشورى والأمان. كذلك فان ما يعبر عنه أبو سليمان بـ"دفع الرؤية العقيدية البناءة والتفوق الفكري الفعال" مطلب أساسي آخر في تحقق المنطلق السديد للإصلاح، لإن إعادة تشكيل العلاقة الايجابية بين الوحي والعقل في ضمير المسلم المعاصر. هي "في النهاية عملية فكرية في المنهج والأسلوب أي أن الأزمة التي تواجهها الأمة في صميمها هي أزمة فكرية" .
الجذور التاريخية للازمة كما يعرضها أبو سليمان تتلخص في نقطتين جوهريتين الأولى في تغير القاعدة السياسية لدولة الإسلام بعد ما كان من الفتنة وسقوط للخلافة الراشدة، والذي تولد عنه الفصام بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية فيها. "أخذت طاقة دفع الإسلام تخبو تدريجيا وتتضاءل ولم يبق لحضارة الإسلام وعطاء الأمة في العصور المتأخرة إلا بقايا طاقة معالم الإسلام ونور هدايته في النفوس". هذا السياق التاريخي فرض على أفراد الأمة حصارا نفسيا من الخوف والرهبة وانعدام الثقة بالنفس هو "فحوى الأزمة"، فغدا الخلط هو نظام الرؤية اللامتوازن، لماضينا وحاضرنا وللآخر، فتوزع العقل المسلم مضطربا بين الأخذ والترك على الجملة خبط عشواء وبلا تمييز لتراثه المقدس واللامقدس، أو تميز في حاضره لأداء مهمته الشهودية في عالم الشهادة الذي هو مسؤول عنه.
منهجية الفكر الإسلامي لها قواعد وأسس... لأن مسؤولية الأمة الحضارية هي مسؤولية أمام الذات والتاريخ، وأمام مسئولياتها المقدسة في الخلافة والإصلاح التي تنبع من رسالتها ومنطلقاتها الإسلامية السامية التي أهلتها لكي تصنع أسس الحضارة الإنسانية المعاصرة..."إن الحضارة الغربية إنما بنيت على منطلقات رسالة الإسلام وتراث الحضارة الإسلامية التي أعطت الكثير" . إطار هذه المنهجية هو تكامل الغيب والشهادة، ومصادرها: الوحي والعقل والكون. ومنطلقاتها الأساسية تتمحور حول الوحدانية، الخلافة والمسؤولية الأخلاقية. وهي تحمل مفاهيم أساسية للإنسانية جمعاء غائية الخلق والوجود، موضوعية الحقيقة ونسبية الموقع منها، حرية القرار والإرادة: وهي في أبعاد ثلاث: حرية العقيدة،، حرية الفكر، حرية الأداء الاجتماعي الحرية في هذا كله "موقف وحق لا بد من أهلية ممارستها".
في فصليه الخامس والسادس لا يدعنا أبو سليمان متعلقين عالقين بين حبال أزمتنا الخانقة، بل هو يفتح لنا كوة أمل دائب. لذا فهو يبدأ بسد ثغرة العلوم الاجتماعية التي أهملت في سياقات الإصلاح الماضية. وهو يتحدث عن "إسلامية هذه العلوم" بمعنى أن "تقرر في هذه المجالات أولا المفاهيم والفرضيات الإسلامية ومقومات المنظور الإسلامي". إلا أن هذا لا ينجز بالتمني فلا بد من "إقامة البرامج والمراكز والأقسام للدراسة والبحث في هذه المجالات حتى يبلور العلماء والمفكرون المسلمون الرؤية الصحيحة فيها" . ثم هو يبدأ فعلا هذه الأسلم في علم التربية – والذي هو لا شك مطلب مركزي في كتابه التالي في حديثه عن أزمة الإرادة والوجدان المسلم-بأن يسلط الأضواء -التي هي باهتة جدا في الفعل الإسلامي- على المنهج النبوي في رعاية الطفولة ومخاطبتها. ثم ينتقل إلى السياسة والعلوم التقنية لتكون الرسالة المؤداة الإسلام منهج متكامل لا يقف في وجه المدنية التي تنهض بالإنسان بل هو يحفزها. إلا انه لا بد من استدعاء"هداية الكليات الربانية ورؤية شمولية" وموضوعية للإسلام.

أزمة الإرادة والوجدان المسلم
"هذا الكتاب محاولة لفهم غياب الجانب النفسي الوجداني في الخطاب التربوي الإسلامي للطفل، ليكون هذا الفهم أساسا لإرساء طاقات الإرادة والقدرة والمبادرة والإبداع في البناء النفسي والوجداني. وهو أيضا محاولة لمعرفة البعاد الثقافية والفكرية التي تسببت في هذا التشوه والغياب. ولمعرفة المفاهيم والمنطلقات التي تمكن الأمة من استكمال هذا النقص."
بهذا التقديم صدر أبو سليمان سلسلة الأهداف التي يطمح إلى تحقيقها لأنها تشكل في رؤيته عوامل التغيير الاجتماعي والحضاري معا. فمن خلالها نتمكن من استعادة الوحدة بين المعرفي والنفسي والوجداني في بناء نفسية الطفل، وتمكين طاقات الإرادة والقدرة والمبادرة والروح العلمية والإبداع في أصل طبع طفولة الإنسان المسلم وتكوينه النفسي والوجداني، لأن التمكين في أصل الطبع هو أساس الإرادة والفعل وتفعيل الأداء. إلا أن تحقيق الهدف لا يكون إلا بتحقق وسائله وأدواته الثقافية والمنهجية اللازمة والذي لا بد يجعل منطلقه الأسرة لدورها الفطري المحوري في رؤية أبي سليمان.
في فصله الأول يبسط أبو سليمان قضية الكتاب "الإرادة" التي تتمركز حول التأكيد على معرفة أسباب تدهور أحوال الأمة وقصور أدائها، وبالتالي معرفة السبل الموصلة إلى استنهاض همتها، واستعادة قدرتها والبحث- انطلاقا من محورية الطفولة في بناء الإرادة والوجدان- في نجاح مشروع الإصلاح. وان إسقاط دور الطفولة وعدم فهمها وفهم دورها يعد من أهم أسباب أزمة الأمة. هذا الإسقاط يرجع إلى أمرين: الخلل العام الذي يعاني منه منهج الفكر الإسلامي، "حيث غيب فيه البعد المعرفي الشمولي التحليلي الذي يتعلق بمعرفة السنن الإلهية في الطبائع النفسية والكونية وتفاعلها على العموم في الزمان والمكان. ثم يقف ثانيا غياب الخطاب النفسي العلمي التربوي السليم لبناء نفس الطفولة في المجتمعات الإسلامية. وكأن المسلم البالغ لم يمر بمرحلة الطفولة ليكتسب البعد الوجداني الذي يبلغه الأداء الايجابي الذي هو الإرادة.
تغييب الخطاب النفسي العلمي التربوي السليم هو المسؤول عن الانحرافات الموجودة في الذات، وفي المجتمع، إنه خلل في منهج الفكر. ولأجل هذا الخلل لم يؤت مشروع الإصلاح الحضاري الإسلامي على الرغم من سلامة الغايات والنوايا.
التشوه المنهجي للفكر الإسلامي على العموم نشأ عن "عزل رجال مدرسة الرسالة وقادة الفكر في الأمة واعتزالهم ممارسة الحياة السياسية والاجتماعية العامة والتمرس بها...والبحث العلمي في قضاياها.فكان ذلك سببا في تشوه الرؤية الكلية الإسلامية مما أدى إلى ضمور دور المصدر الثاني للمعرفة الإسلامية وغيابه، ألا وهو المعرفة الإنسانية في إدراك السنن والطبائع الكونية والإنسانية والوقائع الزمنية والمكانية...وأن ذلك كله قد جعل غياب مصدر المعرفة الإنسانية في السنن والطبائع مؤديا في النهاية إلى عقلية المتابعة الآبائية".
الفكر الإسلامي والحركات الإصلاحية التي يجد أبو سليمان أنها ترجع في أساس منطلقاتها إلى الشيخ عبد الرحمن الكواكبي وفكره في كتابيه (أم القرى) و(طبائع الاستبداد) وجملة مبادئ الإسلام وقيمه الكبرى من توحيد وعدل وحرية وتضامن وشورى لم تحقق أهدافها لأنها فشلت في دراسة واقعها وحاجاته وتجاوزت الطفل ولم تشخص مواضع الخلل، إلا "إن فشل التشخيص لا يعني بالضرورة خطأ المنطلقات، لكنه يعني بالضرورة عدم اكتمال التشخيص والفحص والتدقيق وبالتالي فان البحث العلمي المنضبط (systematic) سوف يؤدي بإذن الله إلى تكامل الحلول ودعم الجهود المبذولة لمواجهة الأزمة وتخطي العقبات."
في بحثه عن العوامل التي مازالت مجهولة ويتوقف عليها تفعيل بقية الجهود الفكرية وإدراك البعد الغائب في الطفولة في منطلقاته الفكرية والوجدانية يقف أبوسليمان معلنا الحالة النقدية التي ينطلق منها للجهود الإصلاحية الماضية، وهو بذلك لا يغفل تثمينها، بل هو يبحث عن مواضع الخلل فيها التي فرغتها على مستوى النتائج من تحقيق غاياتها المأمولة. وهو إذ يلجأ إلى النقد الذاتي فذلك لأنه ابن الأمة الإسلامية وابن لهذه الحركات الإصلاحية الدائبة التي فقدت فيها كوامن الطاقة فاعليتها.
في أهمية إدراك خصائص منظومة الذات العقدية والفكرية: إن أول ما يلحظه أبو سليمان في "منطلقات النهضة ومشاريع الإصلاح المتأخرة في الأمة أنها انطلقت منذ البداية باتجاه التقليد والمحاكاة، إما باتجاه التاريخ "مع خطاب مشحون بالرموز العاطفية، أو باتجاه تقليد الأجنبي الغالب ومحاكاته من خلال خطاب مشحون بالوعود والآمال."
الانسجام والتناغم بين ضمير الأمة ووجدانها من ناحية، وطبيعة فكرها وغايات حركتها ودليل نظامها من ناحية أخرى أمر ضروري لتفجير طاقاتها الإيمانية والعمرانية وإثارة الحماسة وقوة الإرادة في نفوس أبنائها.
ثم يتساءل أبو سليمان عن الكيفية التي بدأ فيها ضعف الطاقة الإيمانية الأخلاقية في أمة الإسلام، "الإجابة تأتي تاريخية تفصيلية بدءا بالانحرافات التي تبعت عصر الرسالة في العصور اللاحقة، وهنا يبرز للقارئ من أزمة العقل المسلم سطور مألوفة في السياق التاريخي الإسلامي فيما بعد الفتنة وأفول العصر الذهبي الأول ثم ما تفتق عنه تدريجيا الانفصال بين الديني والسياسي والفكري والسياسي بعزلة العلماء. ثم مرة أخرى عن التشوهات التي أصابت التراث الإسلامي بما اختلط به من موروثات الأمم الوافدة إلى الساحة الإسلامية بالفتوح الإسلامية. ثم يمضي بنا أبو سليمان خطوة أخرى في تحليله لواقع "السياسة والأخلاق والدين" والذي هو "انقسام القيادة ونشأة المدرسية النظرية".
ومع ذلك فالجهود الإصلاحية الفردية كان لها حضور في تاريخ الأمة كالغزالي وابن خلدون وابن تيمية –على المثال لا الحصر- إلا أن هذا الحضور لا ينفي "آثار الانقسام وانهيار المؤسسات، وتغييب البعد الجمعي" الذي أصاب الأمة.
في الفصل الثاني من كتابه في أزمة الإرادة يشخص أبو سليمان الداء النفسي الذي بدا وكأن الأمة تعاقره طوعاً. وهي سلسلة ستة من التشوهات والانحرافات الفكرية التي "شوهت وضعضعت بناء الأمة النفسي، وحالت دون استرداد الأمة عافيتها، ومنعت مشروع الأمة الحضاري من أن يحقق أهدافه ويبلغ مقصده وغايته". وهي:
1- تشوّه الرؤية الكلية، والتي تتمثل بالرؤية الكونية التوحيدية الشمولية الايجابية التي تقد "الدليل والهداية الكلية لفكر المسلم وضميره وعلاقاته ونظمه". هذا التشوه في رؤية أبي سليمان كان نتيجة طبيعية –ولن يغيرها حسن النية- "على أيدي جمهرة المفكرين المدرسيين المعزولين المنعزلين...المركزين على حالة أفراد المجتمع وحاجاتهم". فالرؤية التي تقدمها كتب الفقه والكلام يغيب عنها البعد النفسي الجمعي ولا تخرج عن هذه النتيجة.
2- التشوّه المنهجي، الذي أبرزه للواقع التاريخي عزلة العلماء وتحول الفكر الإسلامي إلى فكر نظري لا يخرج عن الاستظهار والتقليد والمحاكاة. فالمعرفة غدت أحادية ضامرة تفتقد في مجملها "النظرة السننية" وغياب العلوم الاجتماعية من البعد المعرفي الإسلامي. هذا التشوه ينقل إلى ممارسة تعليمية في التعامل المدرسي الديني مع الأطفال، الحشو الأصم للمعارف الدينية الذي يهمل البناء النفسي الوجداني للطفل.
3- تشوّه المفاهيم، فالعلماء غائبون مغيبون عاجزون عن المحاكمة والنقد. هذا بدوره أسهم في تمرير مفاهيم جديدة، أو التلاعب بمفاهيم أصيلة في العقل المسلم. وهذا لا غرو لما تعانيه البيئة العلمية من جمود تغيب عن أفقه المحاكمة والنقد. فمفهوم العبودية مثلاً تحول ليكون أساساً للقهر النفسي وإلغاء للفاعلية النقدية في ذهن المسلم الاجتماعية على مستوى البناء النفسي والنمائي أيضاً. للتدليل على هذا التشوه يقف أبو سليمان مع مفهوم التوحيد ويأخذ بأيدينا لنتلمس دلالاته الحياتية في تعامل الفرد مع الإله الأحد، ثم مع ذاته الإنسانية، ثم مع الكون من حوله.
4- تشوّه الخطاب: الذي أفرزه الفصام بين النخبتين، الفكرية والسياسية. فالفكر الفاعل الدؤوب الذي يقدم للأمة التجديد والإبداع في الاجتهاد، تحول إلى مدرسية تتعاطى بجفاء استظهاري لنص مغلق. فتداول النص الديني غدا بين نار التأويل المغرض للشاكين المشككين وبين الإرهاب الفكري وسوء استخدام "رموز القداسة". "الإشكال أن الفكر والمنهج ما زال يسمح... باستخدام النصوص وتوظيفها وتوظيف قدسيتها بشكل عشوائي دون تحقيق علمي ومنهجية شمولية تتكامل فيها المصادر." إلا أن هذا وحده لا يكفي، فلا بد من "إيجاد آلية شورية منتخبة مؤهلة علميا لكي تميز الآراء والاجتهادات". والأساس في خياراتها "العلم بثوابت الشريعة ومقاصدها واحوال الناس وصلاح الأمة".
5- عقلية الشعوذة والخرافة، فأمة الفكر والتدبر وتتبع السننية يفشو بها فكر الخرافة! فالإرهاب "والاستبداد والتخلف تربة الخرافة والشعوذة" فيها. ولعلنا نستشعر العار الذي جلبته الأمة على نفسها بمطالعة نفوس الأفراد مما كان يتأمل لهم أن يكونوا منارات الأمة بما حملوه في صدورهم من آي القرآن وهدي السنّة. فآي القرآن التي أغلقت أبواب الخرافة حوّلت نصوصاً مستدعية للخرافة في العقل الإسلامي لكن -وللحسرة- باسم الدين! منهجية التعامل مع عوالم الغيب كان يجب أن لا تخرج بحال سياقها القرآني ومقاصدها التشريعية. لذلك تقف "المعوذتان نهاية حاجز لا مدخلاً لفكر الخرافة والشعوذة". ويكون بهذا "الدعاء والرقية علاقة وجدانية، لا مهنة وتاليا على الله" سبحانه، هو كذلك ينبغي أن لا يكون من الغير "أداة لإعفاء الذات من التوبة والعزم على الصلاح والتقرب إلى الله حتى يكون المرء أهلا للاستجابة". فترويج الخرافة والشعوذة "جريمة دينية" في حق الفرد والأمة على السواء، وعقبة كؤود في وجه التغيير وتبصر الرؤية. لا بد من مواصلة الجهود لتحرير النصوص وفهم الآباء لها "لأن وعي الآباء أساس البناء".
6- العرقية "دعوها فإنها منتنة": يتجول أبو سليمان في أركان الذاكرة، ذاكرة الطفولة التي تتعامل بشفافية مع واقعها. الانفتاح على الآخر القريب له ما يبرره لأنه ثمرة التوحيد، لكن الإساءة مع القرب النفسي والاجتماعي وفوق هذا كله الدين الجامع لا يبرره شيء لأنه يمزق الجسد الواحد، وهو "تلوث عقدي ثقافي اجتماعي خطير."
آثار الانحرافات الفكرية في بناء الأمة النفسي مرة إلا أنه قد بدا في رؤية أبي سليمان أن "غيبة البعد التربوي الصحيح وأدواته الثقافية والمنهجية النظرية والعملية، وتخلف مؤسساته التربوية التعليمية" الثمرة الأكثر مرارة للصراع بين الصفوة الفكرية ومقابلها السياسي. هذا بدوره أدى إلى "ممارسات معرفية وتربوية كان لها نصيب كبير في تحطيم القواعد والأسس النفسية التي يقوم عليها البناء الاجتماعي والعمراني والحضاري للأمة.
في فصله الثالث يتناول أبو سليمان البعد الغائب في مشروع إصلاح الأمة "الطفل والطفولة" وهو يحاول أن يقدم خطاب وجداني تربوي لإصلاح الرؤية. فالطفل المسلم لا ريب ابن الحضارة الإسلامية الشامخة ذات الخطاب الإسلامي الشامل، الذي يخاطب الإنسان بكل جوانبه وثنائياته. إلا أن هذا الخطاب مسه الضر وأصابه تشوه متعدد الآثار -كما قدم لذلك أبو سليمان مفصلا- وعليه فينبغي النظر في حركات الإصلاح التاريخية وتقييمها. إلا أن الحركات الإصلاحية على العموم لم تضع يدها على الداء، وبقي الطفل الذي فيه تربية جوانب "كوامن طاقة الأمة" جنديا مجهولا في الركب. فالأمة لم تول للطفل والتربية والتعليم إلا النزر القليل المتشعب بين أبناء العامة وأبناء الخاصة. أبناء العامة يعانون من المستوى السيئ المقدم لهم ومن أساليب أدائه، والخاصة يسيطر على عقولهم الصغيرة المناهج الغربية في التعليم مما يجعلهم في قطيعة وتباين عن ثقافة الأمة الإسلامية.
لإصلاح الحالة التربوية لوجدان الأمة يبرز أبو سليمان الدرس الموسوي للتغيير لمرحلة هو يطلق عليها "سيناء العصر". إلا أنه يومئ محذرا إلى الفرق بين "توجيه الوجدان والطاقة النفسية، وطبيعة بنيان الوجدان والطاقة النفسية". وهو يتساءل عن موقع الفكر من مشكلات الأمة الكبرى على ما أوتيه العالم الإسلامي على امتداده من خيرات وحاق به من ويلات وصراعات ربما أعضل العقلاء إدراك أسبابها. إلا أننا نؤمن مع أبي سليمان والحال كذلك أن الإسلام مصدر ما بقي في الأمة من الخير، وأن الاستعمار يسهم في مضاعفة أمراض الأمة، ورغم ذلك فنحن أولى بالوحدة والتوحد من أمم معاصرة كثيرة كأوروبة والصين والهند، لأن الدين والعقل والمصلحة تأمرنا بذلك.
"الخلل الجمعي في ثقافة الأمة" إصابة لأن "فاقد الشيء لا يعطيه" فأبو سليمان مأخوذ بأزمة العقل المسلم والحضارة الإسلامية إلا أنه يستيقظ على أنات الطفل متسائلاً عن مصيره. فلا يكفي الحشو المعرفي وإهمال الوجداني النفسي في التعليم المدرسي. الجانب الجمعي الذي سيحمل مسؤولية الطفل في الأمة كما سيعضد أفراده بعضهم بعضاً كان "يتوافق طرداً وعكساً مع ايجابية المجتمع وسلبيته، وسلامة أدائه الإنساني الحضاري". غياب البعد الجمعي هو المسؤول الأول عن إساءة المجتمع للطفولة وحاجاتها. لذلك لا بد من بنائه في الثقافة والتربية لتباشر الأمة مسؤوليتها في الاستخلاف، ولا بد كذلك أن نبدأ من البداية من النشء المسلم.
يعود بنا أبو سليمان في فصليه الرابع والخامس إلى ضرورة الإجابة على السؤال التأسيسي: "كيف نفهم الخطاب الإسلامي التربوي"؟ الإجابة هنا ليست حاضرة لن الرؤية تعاني من "ضعف الدراسات الإنسانية" الذي أدى بالضرورة إلى "خلط الأبعاد والمجالات" في الدراسات الفقهية في التراث الإسلامي. وإلا فانه كان من الممكن إدراك أن خطاب الوحي يتعدد بتعدد المخاطبين، وأن الخطاب لا يمكن الإفادة منه إذا تم تسطيحه، كذلك لا يمكن الإفادة منه إذا غيب بعداه الزماني والمكاني. وهو كذلك مدمر إذا أسيء توظيف قدسية إلى إخضاع النفوس عنوة بتعطيل عقولها. لهذا كله لم يفد المسلمون من الخطاب النبوي للطفولة في زمرة ما ضيعوه من إفادات. بل إنه لمن المستغرب أن يسيطر خطاب الإرهاب والعقوبات للطفل على التربية الإسلامية، بدل خطاب الحب والتسامح والحرية المنضبطة.
"لا بد من بناء الطفولة" دعوة يقدمها أبو سليمان حلاًّ لما أصاب الأمة من تراجع عن ركب الحضارة، إلا انه ليس هناك وصفة عامة للتغيير أو الإصلاح في الخطاب العام فالمواقف المختلفة لا بد تفرض حلولا مختلفة. إلا أن "منهجية التفكيك والتحليل العكسي؛ بهدف معرفة جوهر التحديات، ووجوه قصور الأداء" قد تكون المنهجية التي يتبين بها المصلحون وجوه التغيير والإصلاح. ومن خلاله قد يتمكن من "فض المعارك الوهمية وتصحيح المفاهيم" لأن "الإسلام دين العقل والاقتناع والعلم". ولا بد لأجل هذا كله من حوار داخلي بين أفراد الأمة يتفق فيه على الثوابت والأهداف والغايات. لا بد أن تتفق الجهود على مراجعة النصوص التي لم تعد حكراً على أصحاب الرواية والاختصاص، بل يشاركهم فيها عموم الأمة وأصحاب الاختصاص العلمي. ولا بد من مراجعة أولويات أصول الفقه ...ولا بد ، ولا بد...فالجهد المتظافر لا بدّ كبير ومهم لأن الخطب جلل، وتلوث الثقافة الدينية للأمة عظيم.
"أسرار الشريعة في بناء الأسرة" التوافق والتكامل بين الجنسين في مودة ورحمة لا بد يشكل حجر الزاوية فيها، ولكل من أفراد الأسرة دور ينبغي فهمه وإدراك تكامله مع الأفراد الآخرين، لأن تجاوزه أو تجاهله سيؤدي إلى حالة اللاتوازن التي سيعاني تبعتها مجموعهم. الأمومة مغبونة لا بد من تمكين الأم العاملة منها وإعانة المجتمع لها لضمان فعالية المرأة في كافة مراحلها الحياتية بما يتوافق مع طبيعة تكوينها ومهماتها. وهذا يعني أنها يجب أن لا تعزل لن عزلتها فقدان، كذلك يجب أن لا تهمل أمومتها لأنها التشكيل الأساسي لتربية الطفل الوجدانية ومنبع معارفه التأسيسية.
في "معالم سيناء العصر" في عصر العولمة التي يقدمها أبو سليمان تبرز الأسرة والطفولة مرتكزا أساسيا للإصلاح، يتبعه الأنظمة والمؤسسات، ويقف فيه دافع الفطرة الأبوي مفتاح تشغيل التغير الاجتماعي. "إن دافع الآباء الفطري لما فيه مصلحة الأبناء هو المفتاح الوحيد المتبقي في هذا العصر منطلقاً فعالاً للإصلاح الثقافي والتربوي والإسلامي". ثم المدرسة -إن شاءت- وكذلك التعليم العالي. الأسرة "تمتلك القوة والتأثير و المشروعية التي تحدد نوع التأثير الذي يمكن أن تمارسه المؤسسات وبقية قوى المجتمع على الطفل، وعلى بنائه النفسي والوجداني وقدراته المعرفية".
في فصله السادس في معالجة أزمة الإرادة يقدم أبو سليمان خطة العمل لإصلاح الخلل والقصور في الخطاب التربوي الإسلامي، وهو مشروع متعدد الأبعاد، يتطلب عملا دائباً متكاتفاً في جبهات مختلفة يجعل هدفه ومتطلباته ووسائله المنهجية تدور في فلك واحد ولأجل نجم واحد: الطفل. توعية المثقفين والمفكرين هي الخطوة الأولى "لتوجيه قدر مناسب من اهتمام المفكرين والتربويين والإصلاحيين إلى أهمية الطفل والأسرة تربويا وبذل الجهد اللازم للتنقية الثقافية وتطوير المفاهيم والوسائل التربوية". وهذا ممكن ضمن الرؤية المتوقعة لأبي سليمان الواثقة بإمكانات الأمة الفكرية وقدرتها على العطاء. وتنمية الفكر الإسلامي الاجتماعي الناقد لازم لتنقية وتفعيل العقل المسلم معا، وهو يهدف "إلى استرداد الرؤية الكلية الشمولية الإسلامية". الإصلاح الثقافي مطلب لنجاح خطة العمل التي يقدمها أبو سليمان، وهو "يتطلب استمرار جهود إسلامية المعرفة المبنية على مقاصد المنظومة الإسلامية ومفاهيمها وقيمها وتأصيلها وتنقيتها."
قصور التربية والتعليم -لا شك- يرفع من دور الوالدين التربوي والوجداني، ويزيد من حاجة النشء إلى أدبيات الأبوة وأدبيات بناء الحياة الأسرية والأبحاث العلمية. إلا أننا نشعر بحاجة ملحة مع أبي سليمان إلى مشروع تربوي تكرس فيه جهود العلماء والمفكرين والتربويين والإصلاحيين الإسلاميين. لا بد كذلك من إذاعة أسباب التشوّه الثقافي من خلال خطاب علمي إسلامي مقنع. لا بدّ من الكفاية والجاهزية ومن خطة عمل لتغطية الجبهات المختلفة جميعا.

الفكر الإسلامي بين الأزمتين
"الأمّة في أزمة" المنطلق التصويبي الذي انطلق منه أبو سليمان هو الاعتراف بالواقع بدل تجاوزه. والأزمة التي تعانيها الأمة هي أزمة فكرية. في أزمة العقل المسلم أجمل أبو سليمان العرض والنقد. وهو ابتداء كان لا يرضى في -محاكمته النقدية الأولية- للفكر الإصلاحي الإسلامي العذر المعلق على مشجب العقبات التاريخية أو الاجتماعية أو حتى السياسية. الإشكال في رؤية أبي سليمان ليس خارجا عن المنهجية والتخطيط الذي أغفل هذه العقبات "لأنها في ذاتها جزء لا ينفصم عن المشكلة المطلوب حلها."
"الأمّة في أزمة" شكلت قاعدة الانطلاق في حديث أبي سليمان عن العلاقة بين المعرفي والوجداني. فهو يجد "أنّ من أهم الآثار التي ترتبت على الأزمة المنهجية التي انتهى إليها الفكر الإسلامي وعلماء الأمة ومفكروها بسبب العزل والعزلة؛ هو ما نجم عنهما من إهمال جانب المعرفة الإنسانية، وإهمال البحث العلمي الاجتماعي والوقوع في أسر المنهج الجزئي النصي اللغوي، وكان من نتائج ذلك إهمال دور المرأة والطفل في الإصلاح والتغير الاجتماعي."
في كتابيه الأزمتين يتساءل أبو سليمان عن الكيفية التي بدأ فيها ضعف الطاقة الإيمانية الأخلاقية في أمة الإسلام، الإجابة تأتي تاريخية تفصيلية بدءًا بالانحرافات التي تبعت عصر الرسالة في العصور اللاحقة. وهنا يبرز للقارئ من أزمة العقل المسلم سطور مألوفة في السياق التاريخي الإسلامي فيما بعد الفتنة وأفول العصر الذهبي الأول، ثم ما تفتق عنه تدريجيا من انفصال بين الديني والسياسي، والفكري والسياسي بعزلة العلماء.
"الخلل الجمعي في ثقافة الأمة" إصابة لأن "فاقد الشيء لا يعطيه". فأبو سليمان مأخوذ بأزمة العقل المسلم والحضارة الإسلامية وهو يعالج أزمة الفكر، إلا أنه يستيقظ على أنّات الطفل متسائلاً عن مصيره في أزمة الإرادة. فلا يكفي الحشو المعرفي وإهمال الوجداني النفسي في التعليم المدرسي. الجانب الجمعي يحمل مسؤولية قصور العقل المسلم عن إدراك أخطائه المنهجية فيما يدع وفيما سيأخذ من ماضيه ليقدمه إلى العقول البريئة للنشء الجديد الذي تتشكل فيه قوة الدفع والإرادة. وهو الذي سيحمل كذلك مسؤولية الطفل، لأن الأمة الإسلامية يعضد أفرادها بعضهم بعضاً لأن هذا التعاضد "يتوافق طرداً وعكساً مع ايجابية المجتمع وسلبيته، وسلامة أدائه الإنساني الحضاري".
في "أزمة الإرادة" يتحدث أبو سليمان عن "أخطاء التلاقح الفكري بين الأمس واليوم" وهو يعطي تفصيلاً تاريخياً أكبر – لما عرضه في أزمة العقل- عما حاق بالأمة في العصر اللاحق لعصر الرسالة في إجابته على عن افتقاد الأمة القدرة المنهجية السديدة في الاستفادة من الآخر. فالأمة في باكورة نشأتها اضطرت لتوفير الجهد "لإتمام الصهر الثقافي والتربوي للشعوب الوافدة" وهو في خضم الأحداث المتوالية اختلطت الأولويات في "التعامل مع موروثات شعوب الأمة في القبليات والشعوبيات، وفي الأساطير وفلسفات الإلهيات"، ففقدت الأمة بذلك "الدليل العقلي والإطار المنهجي الفكري، الذي منحها التميّز والتفرد والقدرة على التجدد وتصحيح مسار حركة المجتمع وتطوير مؤسساته". "ومع مضيّ الوقت وبسبب ما حملته الشعوب التي دخلت الإسلام من آثار تراثها وتقاليدها وفلسفاتها ودياناتها السالفة كان من الطبيعي أيضاً أن تضعف الروح الإسلامي.
هذا التحليل الذي قدمه أبو سليمان قد يطرأ عليه تساؤل اعتراضي حول السلبية التي يجدها أبو سليمان للامتداد التاريخي لرقعة الإسلام الجغرافية، بمعنى أن القارئ قد يفترض تبعاً لتحليل أبي سليمان أن انغلاقية الإسلام في حدوده الأولية كان مصدر قوة وهو الذي أسهم في حفظه وأن الانفتاح على الآخر هو الذي أضعفه! إلا أن هذا التساؤل لا ينف حقيقة الإصابة التاريخية للأمة في منهجية التعامل مع الآخر في الماضي والحاضر. لأننا وجدنا مع أبي سليمان أن الأمة في حاضرها أخذت بالآخر الغربي وأنها لا "تدرك بشكل بشكل علمي موضوعي طبيعة منظومة فكرها وخصوصيات كيانها". وهي لا تدرك كذلك "طبيعة منظومة فكر هذا الأجنبي وخصوصيات كينونته" التي تناقض "منظومة كيانها الوجداني".
في أزمة الإرادة، الإشكالية المنهجية التي تتمثل في "أحادية المعرفة وجزئيتها" تشوّه الفكر والثقافة. وهي جوهر أزمة العقل المسلم في رؤية أبي سليمان. كذلك فإن الجهل بالطفولة وإهمالها، هو جوهر أزمة الإرادة والوجدان المسلم. والتي يرى أبو سليمان أنها تمثل "أهم كوابح طاقة العطاء والأداء والإبداع في أصل بناء النشأة المسلمة والمجتمع المسلم".
فحوى الأزمة في التحليل الذي قدمه أبو سليمان أزمة الأمة لا تخرج عن كونها أزمة فكر لا أزمة عقيدة. العوائق النفسية "الخوف، الرهبة وانعدام الثقة بالنفس" في طريق الإصلاح "تشل قدرتنا على النظر في أحداث الماضي وملابساته ونقائصه، ولذلك ظل العقل المسلم حتى اليوم أسير مفاهيم ومنطلقات أساسية تجعله حبيس أخطاء الماضي".
بهذا الغبش وبهذه القيود المكبلة لرؤية العقل المسلم في استدعاء الماضي في تجريبه الحل التقليدي جعله "يقبل كل تاريخه وماضيه بعقده وانحرافاته وما تركته من بصمات على منهجه وفكره ومجتمعه ومؤسساته". وهو في الحل المستورد من الغرب "يرفض كل تراثه و تاريخه وكل مقومات شخصيته وكيانه، لأن مسيرتها على مر الأجيال والقرون أصابها خلل، ولأن معالم شخصيته أصابتها أمراض وتشوهات وعلل، فكانت محصلة رؤيته المغبشة المعتمة خلط بين الفكر والعقائد وبين الغايات والوسائل وبين الدين والتاريخ وبين المبادئ والرجال والقيم والأحداث وبين المفاهيم والتقاليد".
"لذلك فإن المطلوب هو التعامل الجاد مع الأزمات الثلاث: أزمة العقل والمنهج، وأزمة الفكر والثقافة، وأزمة الوجدان والتربية...وعلى أساس من التوازن بين السياسي والفكري والتربوي في جهود حركات الإصلاح، بهدف تحقيق القدرة، وتحرير نفسية المسلم وتفعيل وجدانه."
التعامل المنهجي المقترح هو إسلامية المعرفة وهو من مشروع مجمل في "أزمة العقل المسلم" إلى تفصيل وخطة عمل في "أزمة الإرادة" وهو الطريق الأمثل لخروج الأمة من أزمتها وهو "طريق جديد ولا بد لقادتها ومفكريها من محاولة جديدة جادة تتفادى المسالك المسدودة والمناهج العقيمة". وهي محاولة إنقاذية إصلاحية إسلامية الهدف، إسلامية العلوم. في سبيل منهج إسلامي أصولي ومعاصر يفصل في الثغرات ولا يتجاوزها ضمن رؤية واقعية ناقدة حاضرة بمنهج علمي تبنى فيه العلوم الاجتماعية.
غاية أبو سليمان في كتابه "الإرادة" أن يحمل الفكر الإسلامي "قضية الطفولة ودور الفكر التربوي بشأنها" منطلقاً أساسياً في تحقيق التغيير الاجتماعي دراسة وفكراً. "وتنقية الثقافة الإسلامية وتنقية مدخلاتها التربوية"، استكمالاً تفصيلياًّ تصويب الفكر الإسلامي وأدواته المنهجية في دراسة السنن والطبائع والواقع في الزمان والمكان في فهم النص والتاريخ الذي قدم له في "أزمة العقل" "لتسهم هذه الدراسات بشكل إيجابي فعال في تكوين عقلية الطفل المسلم، وفي بناء كيانه النفسي والوجداني؛ فيصبح خالصاً من التشوهات والانحرافات والشعوذات التي تفسد الرؤية الكونية للمسلم، وتضعف الروح العلمية والطاقات الإبداعية لديه".
البرنامج العملي التفصيلي الذي يُخرج خطاب أبي سليمان من النظرية إلى حيز العمل والتطبيق يبرز تفصيله في "أزمة الإرادة". فمن توعية، إلى تنمية، إلى إصلاح ثقافي وتربوي ومنهجي فكري، يمضي بنا أبو سليمان إلى منحى عملي. يبرز هذا المنحى في خطته التي بدأ السعي لإنشائها وبلورتها في عام 1963 "مدرسة إسلامية المعرفة وتأصيل الفكر الإسلامي". الذي تفتق عنها ما يعرف اليوم "المعهد العالمي للفكر الإسلامي."
وما يسمى "تجربة إسلامية المعرفة في إعداد (الأجهزة) البديلة بماليزيا 1988- 1999، والتي قدمت خططا لإعداد الأجهزة الثقافية والعلمية والأكاديمية الإسلامية، وقدمت بجهود متخصصة مناهج تعليمية تربوية لمدرسة إسلامية عالمية تابعة للجامعة نفسها.
ونحن نردد مع أبي سليمان أخيراً "إن استنقاذ العالم الإسلامي، واستنقاذ الأمة الإسلامية، ليس استنقاذاً لخمس مهم من كيان البشرية وتاريخها فحسب، بل هو استنقاذ لمستقبل الإنسان أيضاً، وهو ليس قضية مشاعر ورغبات فحسب، بل هو أيضا قضية عمل وجهد علمي منهجي منضبط منظم، يؤدي إلى تنقية الإسلام مما شاب فهمه وثقافته -على مدى تاريخ شعوب المسلمين- من موروثات ثقافتهم الغابرة، وتقاليدهم البالية، وانحراف ممارساتهم، وظلامة تعدياتهم، وما ألحقوا به من خرافات آبائهم، وشعوذات سالف كهانهم، وأكاذيب أصحاب الأغراض منهم. ولتنقية الإسلام والثقافة الإسلامية ومفاهيمها الأساسية لا بدّ من استعادة فهم القرآن الكريم كما أُنزل. وإدراك مسيرته في تاريخ الأمة، ومعرفة العوامل والمنعطفات التي شكلت مسيرة الأمة ومسيرة الفكر والثقافة الإسلامية فيها.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 1223   عدد الاصوات: 96 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: