|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 044 > قراءات ومراجعات

الإسلام في تصورات الاستشراق الإسباني

عرض وتحليل: أحمد بن علي تمراز

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 1294   عدد الاصوات: 116 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
   
الاستشراق من الموضوعات المهمة للباحثين وطلاب الدراسات العليا في الجامعات العربية والإسلامية المهتمين بهذا المجال؛ وذلك لما له من خصوصية العلاقته الجدلية بالفكر العربي والإسلامي، بل بالإسلام والمسلمين وعلاقتهما بالغرب، وعلاقة الغرب بهما، ودوره النشط في تأجيج الخصومة بينهما، واتهام الإسلام بالأباطيل الزائفة، وتجريده من الخصائص والمبادئ السامية التي حباه الله بها.
والدراسة التي نحن بصددها جاءت بعنوان: "الإسلام في تصورات الاستشراق الإسباني من ريموندس لولوس إلى آسين بلاثيوس"، تأليف محمد عبد الواحد العسيري، هي في الأصل رسالة دكتوراه حصل عليها المؤلف من جامعة السوربون الأولى بفرنسا. وللمؤلف اهتمامات مبكرة بالدراسات الغربية عن الإسلام، وبآراء الغربيين المهتمين بالدراسات الاستشراقية نحو الإسلام والمسلمين.
لقد جاءت حرب الخليج الثانية لتستثير كل المخاوف والتوجسات، وما ترتَّب عن هذه الحرب من خرائط جديدة للعالم، وتنامي اهتمام الفكر الغربي بالإسلام؛ حيث يتابع فوكوياما دراساته المشهورة حول "نهاية التاريخ"، ودراسة صمويل هنتنغتون عن "صدام الحضارات"، لقد أدرج أولهما الإسلام على أنه عالم من الصراعات القومية والأيدلوجية الممتنعة عن الثقافة الليبرالية والديمقراطية. كما رأى ثانيهما وهو (هنتنغتون) في الإسلام انطلاقاً من الأنثروبولوجيا التاريخية، ثقافةً مغلقةً، وحضارةً في صدام دائم مع الحضارات الأخرى، ولا سيما الغرب. وإذا نظرنا إلى فلسفتهما نجدهما قد نجحا في أن يصنعا من الإسلام عدوّاً للغرب، وأن يعيداً الذاكرة العدائية الغربية تجاه الإسلام بدلاً من الدعوة إلى التسامح والمحبة، ولعل هذا يفسر ما تلوكه الألسنة والأقلام، والصورُ المهينة للنبي محمد  في الإعلام الغربي، وكذلك الأحكام المسبقة عن هؤلاء وعن أولئك.
وإزاء هذه الوضعية فإنه يتبادر إلى الذهن السؤال عن أسباب هذا العداء ودواعيه؟ صحيح أن الغرب باصطناعه لهذا العداء يرغب في بسط هيمنته الاقتصادية والسياسية على العرب والمسلمين، مستغلاً في ذلكَ وضعيتهم الهشة، وضعفهم التقني، وعلى الرغم مما تعرفه الثقافة الغربية حاليّاً من مراجعاتٍ لمفاهيم الاختلاف والتعدد والتسامح، فإنها لم تستطع بعد أن تنظر إلى الدول الإسلامية في ضوء هذه المفاهيم.
ويتساءل مؤلف هذا الكتاب عن مختلف الأدوار التي لعبها الاستشراق في هذه الخصومة بين الغرب والإسلام، وهل عمل على تأجيجها أم اكتفى بالتعبير عنها؟ وهل أسهم في إدارتها أم اكتفى بالاستجابة إليها؟ ومهما يكن من أمرٍ فقد بدا للمؤلف أن الاستشراق لم يتخلف عن هذا الأمر، ولم يبتعد عنه.
وعلى الرغم من إدراك المؤلف بأن الاستشراق الذي يواكب حاليّاً الخصومة المذكورة، ويؤججها، ويعبر عنها خير تعبير، هو الاستشراق الأمريكي والأنجلوسكسوني؛ فإن إدوارد سعيد وغيره من المهتمين بالاستشراق قد تناولوا أول الاستشراقَيْن المذكورَيْن، بينما لم يحظ ثانيهما بعد بدراسات كافية، يضاف إلى ذلك العمق التاريخي للاستشراق الإسباني الذي يعدُّ استشراقاً رائداً من الناحية التاريخية والمعرفية. ويضاف إلى ذلك العامل الذاتي المتعلق باهتمام الباحثين المسلمين بالفكر الإسلامي الأندلسي؛ الذي لا يمكن دراسته دون أن نعرج على الاستشراق الإسباني، وبالنظر إلى العامل الأخير (الذاتي)، فقد رأى المؤلف أن يعالج تصورات الاستشراق الإسباني المعاصر للفكر الإسلامي الأندلسي؛ فشرع في البحث عن مادته وجمعها، وتمكن من ضبط بعض تصوراتها للفكر الإسلامي ولمنهجيته في ضوء رؤى مخصوصة للتاريخ والفكر والثقافة. وكانت هناك حاجة للبحث في تاريخ تكوِّن هذه التصورات وأصولها. فكان على الباحث أن يحفر في تاريخها الثقافي والمعرفي. وخوَّل هذا الماضي لتلك التصورات إمكانيات الانغلاق على ذاتها لتأبى بذلك مضامينها وأساليب تكونها عن أي تحوُّل نَوْعِي. فقد قام ميغيل آسين بلاثيوس في معرض بحثه عن أصول الأدب وعلم الكلام والتصوف عند النصارى في القرون الوسطى، وأرجعها إلى مؤثرات إسلامية خضعت لها هذه المعارف؛ إلا أنه لم يجد تفسيراً لاستقبال النصرانية لهذه المؤثرات، سوى أن يزعم بأن الإسلام في حد ذاته هو انحراف عن النصرانية. وهذا الزعم سبقه إليه عدد كبير من المستشرقين الإسبان مثل رامون يول في القرن الثالث عشر الميلادي، لذلك أجَّل المؤلف تناوله الاستشراق الإسباني المعاصر للفكر الإسلامي، وبدأ في معالجة الإشكالات المرتبطة بتأصيل الاستشراق الإسباني في ماضيه.
يتكون هذا الكتاب بعد المقدمة، من أربعة مداخل تاريخية ومنهجية، وثلاثة أبواب، ولائحة بالمراجع والمصادر المستخدمة. وقد تناول المؤلف بإسهاب في مداخله مختلف القضايا المتعلقة بتعريف الاستشراق بشكل عام، والاستشراق الإسباني بشكل خاص، وكذلك مختلف الإشكالات المتعلقة بالمنهجية الملائمة لمعالجة الاستشراق. وقد جاء المدخل الأول بعنوان كيف نقرأ الاستشراق والاستشراق الإسباني.
والمدخل الثاني بعنوان: الاستشراق الإسباني: استعراب أم استفراق؟ ناقش المؤلف فيه مختلف المستشرقين الإسبان في مسألة المصطلح الذي يجعلونه دالاًّ على ما يقومون به، ليصل المؤلف في النهاية إلى أن كلاًّ من الاستعراب والاستفراق هما قطاعان من قطاعات الاستشراق الإسباني. أما المدخل الثالث فعرضٌ ومناقشةٌ للفكر التاريخي الإسباني للماضي الإسلامي لإسبانيا، والحقيقة أن معظم مستشرقي إسبانيا تعاملوا مع هذا الماضي وفق تصورات مغلوطة عنه. ويناقش المدخل الرابع الغيرة الثقافية عن منظور كلود ليفي ستراوس* بهدف الاستدلال على انطلاق الثقافة الغربية من نفسها، وتمحورها على ذاتها عند تعاملها مع الثقافات الأخرى، وخاصة الإسلام وثقافته، وأشار المؤلف هنا إلى المنهجية التي اعتمد عليها في معالجته للاستشراق، والاستشراق الإسباني.
وجاء الباب الأول بعد المداخل الأربعة السابقة، حيث خصص المؤلف هذا الباب لدراسة تأسيس الاستشراق الإسـباني وتصوراتـه من خلال تنـاوله لبدايـاته وروافـده. وكان لهذه البـدايـات دور أساس في تكوين تصورات هذا الاستشراق للإسـلام والمسلمين واستمراريتها وديموميتها، حيث إنهـا جـاءت لتواكب العلاقات الجدلية بين الإسلام والنصرانية في القرون الوسطى.
ويشير المؤلف إلى أنه وجد في البدايات الأولى لترجمة القرآن الكريم، وأقسام أخرى من الثقافة العربية والإسلامية ما يدعم هذا الطرح، وقد خصَّ الفصل الأول من هذا الباب (الأول) بعنوانه البدايات الأولى للترجمة، فقد أدى استيلاء الملك الفونسو السادس Alfons VI على طليطلة عام 478 ﻫ/1085م إلى سعي النصارى إلى تحقيق هدفين: الأول تصحيح نصرانية المستعربين* بالأندلس من الفساد الذي امتزج بها من وراء التقائها بالإسلام. وثانيهما معرفة هذا الدين عن طريق ترجمة معاني مصدره الأساس وهو القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية.
أما الفصل الثاني فقد جاء بعنوان "المجادلة النصرانية للإسلام: رسالة عبد المسيح بن إسحاق الكندي".
وتناول المؤلف في هذا الفصل رسالة عبد المسيح بن إسحاق الكندي، وقسماً مما تركه رامون يول Ramon Llul، ورامون مارتي Ramon Marti من النصارى، إلى جانب كتاب فقيه شاطبة " خوان أندريس Juan Andris " الذي عرف بانقلابه عن الإسلام إلى النصرانية.
وجاء الفصل الثالث بعنوان "التنصير والدفاع عن النصرانية": مشاريع رامون يول، ورامون مارتي؛ حيث عرض المؤلف في هذا الفصل تصورات هذين المستشرقين للإسلام وناقشهما من خلال تأطير ٍلمشاريعهما ضمن الشروط التاريخية المتعلقة بعلاقة النصرانية بالإسلام في الأندلس خلال القرن الثالث عشر، وأراد المؤلف من عرض هذه الأحكام المؤسِّسَة لهذه التصورات هنا للتدليل بها نصيّاً على الأطروحة المركزية لبحثه، وإن لم تختلف كثيراً عن تصور عبد المسيح الكندي للإسلام.
والجدير بالإشارة هنا أن رامون يول، هذا الراهب الفرنسسكاني، قد اندرج في التحولات العميقة التي عرفتها العلاقات الإسلامية النصرانية، في غرب البحر المتوسط، في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي.
ويشير المؤلف بأن رامون يول قام بتحوير سيرة محمد  وتوجيهها لخدمة أطروحته، واختلاق جملة من الأكاذيب والأفعال نسبها إلى الرسول .
أما رامون مارتي فقد أسهمت بدايةَ تراجع سلطة الإسلام السياسية عن الأندلس، في شحذ همته لتقويض الإسلام في نظر المسلمين والنصارى، والسيطرة عليه. ومارتي لا يختلف كثيراً عن سابقه يول إلا في انتمائه الدومينيكاني، وهو من الأعمدة المتعددة للنصرانية.
وجاء الفصل الرابع بعنوان "الانقلاب الديني: أو كيف تتحول الهوية إلى غيرية؟ ". فقد أراد المؤلف من هذا الفصل الوقوف على رافدٍ من أهم روافد الاستشراق الإسباني في القرون الوسطى؛ وهو رافد التحول الديني، أو ما يعرف بالردَّة الدينية، وعالج المؤلف فيه كتاب خوان أندريس الذي وضع فيه تصوراته عن الإسلام والمسلمين، والتي لا تقل دلالةً عن دلالة نصِّ الكندي في مضماره، ولا شك أن خوان أندريس من المستشرقين الذين كان لهم دور حاسم في ترسيخ هذه التصورات في إسبانيا وأوروبا، وهو من أهل القرن الخامس عشر الميلادي، فقد قدم نفسه لقرائه النصارى على أنه عالِمٌ من علماء الإسلام الذين ارتدوا عنه إلى النصرانية.
أما الباب الثاني فقد تناول فيه المؤلف الاستشراق الإسباني فيما بين عصر النهضة ونهاية القرن السابع عشر، وجاء هذا الباب في فصلين:
الفصل الأول منهما بعنوان "انحسار الدراسات الإسلامية عن إسبانيا وانبعاثها من جديد"؛ فمن الواضح أن المؤلف قد خصص هذا الفصل لمعالجة مختلف العوامل التاريخية والثقافية التي أدت بالإسبان إلى التوقف عن الاهتمام بالإسلام، لمدةٍ من الزمن، ثم العودة إلى هذا الاهتمام من جديد.
لم يستهدف المؤلف هنا البعد التاريخي الصرف بقدر ما هدف إلى معرفة سبب هذا التوقف؛ فإذا كان الإسبان قد توقفوا عن إنتاج الاستشراق من خلال الاهتمام بالإسلام في دراساتهم وأبحاثهم، وفي جامعاتهم، فإن المؤلف يرى أن هذا التوقف يعد في حدِّ ذاته موقفاً استشراقيّاً؛ حيث إن هذا التوقف هو دلالة على فشل إسبانيا في الالتفاف حول الإسلام وتنصير رعاياه من المسلمين الموريسكيين.
أما الفصل الثاني من هذا الباب، فقد جاء بعنوان " تأسيس الاستشراق الإسباني خلال القرن التاسع عشر"، وتناول فيه المؤلف العوامل التي أدت بالإسبانيين إلى محاولة اللحاق بالأوروبيين في مجال الدراسات الاستشراقية في تلك المرحلة المهمة من تاريخ الاستشراق في العالم.
وفي هذا الخضم الهائل من الأحداث وجد المؤلف ضرورة أن يؤرِّخ لهذه المرحلة من تاريخ الاستشراق الإسباني بدراسة بعض أعلام المستشرقين الإسبان في تلك المرحلة، والتعريف بمجهوداتهم في تأسيس الاستشراق الإسباني، ومنهم:
1- "إيمليو لافونتي القنطرة Alcantara " الذي ترجم مخطوطة لمجهول عن تاريخ الأندلس من القرن الحادي عشر الميلادي، وعلَّق عليها، ونشرها، كما نشر كتاباً عن الكتابة العربية على جدران قصر الحمراء، وأعدَّ فهرسةً للمخطوطات العربية التي اقتنتها الحكومة الإسبانية من تطوان.
2- فرانسسكو جيلين روبليس F. Guillen Robles الذي فهرس المخطوطات العربية بالمكتبة الوطنية بمدريد، ونشر بعض الأساطير الموريسكية.
3- فلورنسيو خانير F. Janer الذي نشر كتاباً بعنوان " الوضعية الاجتماعية للموريسكيين بإسبانيا ".
4- خوسيه مورينو نينو Nino الذي حاضر في الأكاديمية الملكية للتاريخ عن المؤرخين العرب الإسبان، ونشر كتاباً في النحو العربي.
5- خوسيه أنطونيو كوندي Jose A. Condeالذي ترجع علاقته بالشرق إلى شغله منصب محافظ المكتبة الملكية لمدة عشرين سنة، وهو أول من اجتهد في إسبانيا والغرب في تناول تاريخ الإسلام في بلاده بالاعتماد على مصادره العربية الإسلامية في كتابه "تاريخ العرب في إسبانيا " الذي تُرجِم فيما بعد إلى عدة لغات أوروبية.
6- باسكوال دي غايانغوس Pascual de Gayangos، الذي يجمع مؤرخو الاستشراق الإسباني الحديث على أنه الرائد الفعلي للدراسات الاستشراقية الحديثة بإسبانيا؛ وذلك نظراً لتفوقه العلمي على سلفه أنطونيو كوندي من حيث بحثه في التاريخ الإسلامي والعربي لإسبانيا، ومنهجيته، ومن حيث غزارة إنتاجه في هذا المجال.
أما البـاب الثـالث والأخير فقد عالج المؤلف فيـه تصورات ميغيل آسين بلاثيوس M. Asin Palacios للإسلام والفكر الإسلامي، ونظراً لما يحتله هذا المستشرق من مكانة مرموقة في التاريخ المعاصر للاستشراق الإسباني والعالمي فقد قسَّم المؤلفُ هذا البابَ إلى ثلاثة فصولٍ لدراسة بلاثيوس ودوره العلمي البارز في الاستشراق.
وجاء الفصل الأول بعنوان: الدون ميغيل آسين بلاثيوس: رائد الاستشراق الإسباني المعاصر؛ إذ عرَّف المؤلف ببلاثيوس وبريادته في هذا المجال الذي لا ينازعه عليه أحد بسبب نشاطه الاستشراقي المتنوِّع؛ فقد اهتم بالتدريس الجامعي، وبانتقاء الطلبة ورعايتهم ليجعل منهم مستشرقين جدداً، كما قام بتأسيس العديد من المؤسسات العلمية والثقافية الاستشراقية في أسبانيا، من بينها تأسيس مدرستين للدراسات العربية، إحداهما في مدريد، والأخرى في غرناطة، حيث اكتسبتا أهمية عظيمة في الاستشراق الإسباني المعاصر بإصدارهما مجموعةً من الكتب العربية، إضافةً إلى مجلة الأندلس التي تُعَدُّ من أهم المجلات الاستشراقية الإسبانية، والتي خَلَفَتْها مجلةُ القنطرة التي تصدر عن المجمع العالي للأبحاث العلمية في مدريد، وقد بلغ عدد العناوين التي نشرت قبل وفاته (109) مائة وتسعة عناوين، إضافة إلى (24) أربعة وعشرين بحثاً نشرت بعد وفاته؛ لذلك اعتنى المؤلف بهذه المؤلفات وبمضامينها الاستشراقية المتنوعة.
أما الفصل الثاني من الباب الثالث فجاء بعنوان: " بدايات الفكر الفلسفي الأندلسي في تصورات آسين بلاثيوس؛ حيث تناول فيه الفكر الإسلامي الفلسفي الأندلسي، ولتعدد أبحاثه في هذا المجال فقد عالج المؤلف تصوراته حول هذا الفكر من خلال التركيز على دراسته لابن مسرَّة ولمدرسته الفكرية بالأندلس، وقد أوضح المؤلف كيف أسهم بلاثيوس في تأسس الفكر الْمَسَرّيّ مستنداً إلى تصور استشراقي حول تاريخ الأفكار والفكر الإسلامي الأندلسي.
وناقش المؤلف في هذا الفصل مصادرة بلاثيوس لحق الإسلام من حيث هو ثقافة في إنتاج الفلسفة والتصوف، وممارستهما، واستهلاكهما، وقدرته الذاتية على ذلك. وكانت هذه المصادرة خلف تأسيس بلاثيوس لزهد ابن مسرة وتصوفه وفلسفته على قرابةٍ نصرانيةٍ أسبانيةٍ من حيث الدم، وعلى انتسابٍ هِلِّـينيٍّ من حيث الفكر، وكأن الفلسفة والتصوف لا يمكن أن يمارسا في فضاءات الإسلام وداخله، إلا بوصفهما ثورةً عليه وتمرداً ضد سلطانه الديني والسياسي والثقافي.
أما الفصل الثالث من الباب الأخير فقد جاء بعنوان "العلاقات المتبادلة بين التصوف الإسلامي والتصوف النصراني في تصورات آسين بلاثيوس".
فقد أخذ التصوف الإسلامي قسطاً كبيراً من أبحاث بلاثيوس ودراساته العلمية، إذ سيطر عليه بشكل ملحوظ، ولم يتقاعس يوماً مّا عن البحث فيه والتعريف به، ونشر بعض مصادره ودراسته وتأويله، وللتدليل على ذلك نجد لديه تلك القوائم الطويلة من الكتب والمقالات التي وضعها في بحوثه عن أبي حامد الغزالي، وعن محي الدين ابن عربي، وغيرهما من مشاهير التصوف الإسلامي ومدارسه، وقد بدأ بلاثيوس حياته العلمية بأول بحث نشر له عن ابن عربي، وأتاح له دراسة التصوف الإسلامي، وتأويله لمضامينه وغاياته، إمكانية الدفاع عن أطروحته المتمحورة حول عنايته بالإسلام وتراثه الفكري والعقدي، والتي يذهب فيها إلى أن هذا الدين الإسلامي وتراثه إنما يرجعان في أساسهما إلى أصول نصرانية.
خاتمة:
إن المتتبع لهذه الدراسة، يجد أن الاستشراق الإسباني في كافة أطواره القديمة والحديثة والمعاصرة لم يكفَّ عن اجترار تصوراته نفسها عن الإسلام، وعن إخضاع هذا الموضوع إلى طرائق ومناهج البحث فيه نفسها، ويتساءل المؤلف في نهاية دراسته: هل هذا هو قدر الاستشراق؟ ألا يمكن أن يقوم الاستشراق بأدوار مختلفة لردم الهوَّة بين الغرب والشرق، وتلطيف حدَّة هذه الخصومة الأزلية بينهما؟ كيف يمكن لهذا الاستشراق أن يستثمر التراكمات الإنسانية من أفكار وفلسفات وممارسات حول حق الاختلاف والتعدد الثقافيين، وحول التسامح والحوار بصورة حضارية؟ الأمر هنا يتعلق بمدى اقتراب الاستشراق الأسباني اليوم من تصورات بلاثيوس وأطروحته ومنهجيته ومعالجته لهذا الموضوع، أو ابتعاده عنها.
وبعد، فإن هذه الدراسة هي إضافة ممتازة إلى المكتبة العربية عامة، وإلى مكتبة الدراسات الاستشراقية خاصة، فهي دراسة علمية موثقة، استخدمت المنهج العلمي المناسب، وقد وضع المؤلف الإطار الفكري لدراسته، وكان واضحاً ذلك في ذهنه بكل أبعاده العلمية والفنية؛ فجاء البحث كامل الأركان، قوي الأسلوب، دقيقاً في تحليلاته ونتائجه.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 1294   عدد الاصوات: 116 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: