|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 037 - 038 > بحوث ودراسات

منهجية التعامل مع البعدين الزماني والمكاني في السنة عند المحدثين

محمد أبو الليث الخير آبادي

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 523   عدد الاصوات: 90 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
   
تمهيـد:
لقد برز في العقود المتأخرة اتجاهٌ لدى الباحثين المسلمين في مجال فهم السنة، والتعامل معها تعاملاً سليماً، يدعو إلى مراجعةٍ انتقائيةٍ لما حوته دواوينُ السنة من الأحاديث والآثار، وقراءةٍ تحليليةٍ لتفاعلاتها مع العصر ومعطياته، والمجتمع ومقتضياته، والفرد وقدراته، ومن ثم محاولة وضع المنهجية للتعامل مع السنة في إطار أبعادها المختلفة، مستوحياً من تعامل النبي  معها، مما يتيح للسنة مناخاً طبيعياً تتوحد به الأمة، وتتقلَّص الخلافات، ومناخاً حركياً يضمن لها الخلود والبقاء واستمرارية العطاء، وحصناً منيعاً تتبدَّد عليه الشكوك والشبهات التي حيكت أو تحاك حولها.
وبحثاً عن الحق والحقيقة جاءت هذه الدراسة التي اختارت واحداً من تلك الأبعاد المختلفة للسنة، وهو "البعد الزماني والمكاني" الذي يعدّ أحد العوامل المساعدة على فهم السنة، والوصول إلى مرادها على وجه التقريب، والتعامل معها على نحوٍ معقولٍ ومقبولٍ، لا سيما أننا وجدنا في القرآن والسنة بعض المواقف الواضحة لتقدير الظروف والحالات، الأمر الذي أكَّد على أن للظروف سلطاناً وتحكماً في نـزول الوحي حسبها، وتأثيراً لا يسع أحداً إنكارُه، وكذلك لا تخلو مواقف الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين من التعامل مع السنة حسب الظروف والملابسات، حتى ولو أدى بهم ذلك إلى استحداث حكمٍ جديدٍ في القضية المَعنيَّة، مخالفٍ للنص في الظاهر، وليس بمخالفٍ في الحقيقة، وذلك لفتح المجال لعملية البحث عن منهجيتهم للتعامل مع السنة وفق الظروف، وتقريب الموضوع إلى الأذهان أكثر.
وهذه الدراسة هي محاولة لوضع ضوابطَ للتعامل مع البعد الزماني والمكاني في السنة، تم استنباطها من خلال الوقائع والحوادث التي تعامل فيها النبي  مع ذينك البعدين، فأصدر حكماً، أو غيَّرَ حكما، قدَّم حكماً أو أخَّر. والقَصد هو وضع النتائج التي توصلت إليها الدراسة بين يدي القراء، بغية بلورة الموضوع وتنقيحه أكثر، ثم إضافته إلى علوم دراية متن الحديث: علم مختلف الحديث ومشكله، وعلم غريب الحديث، وعلم أسباب ورود الحديث، وعلم ناسخ الحديث ومنسوخه، علماً خامساً "علم البعد الزماني والمكاني في السنة".

أولاً: مفهوم البعد الزماني والبعد المكاني ومجالاتهما
البُعْد في اللغة ضد القُرْب . وهو غير مراد هنا. ومن معانيه في اللغة: امتدادٌ موهومٌ للشيء غيرُ محسوسٍ كالبعد الثقافي، والبعد العلمي، والبعد الحضاري . ومنه: البعد الزماني، والبعد المكاني. والزماني في اللغة نسبة إلى الزمان. قال ابن منظور: والزمان والزمن اسم لقليل الوقت وكثيره، ونقل عن "المحكم": الزمن والزمان العصر. والجمع أزمن وأزمان وأزمنة. ونقل عن أبي الهيثم: والزمان يكون شهرين إلى ستة أشهر. والزمن يقع على الفصل من فصول السنة، وعلى مدة ولاية الرجل وما أشبهه. والزمان يقع على جميع الدهر وبعضه . أما المكاني في اللغة نسبة إلى المكان. والمكان الموضع. والجمع أمكنة. وجمع الجمع أماكن . وقال الراغب: هو الموضع الحاوي للشيء.
والمراد من البعد الزماني في السُّنَّة هو ظروف الناس وحالاتهم التي تعامل معها النبي  من خلال زمن النبوة الذي استغرق 23 سنة. والمراد من البعد المكاني في السنة هو ظروف الجزيرة العربية وحالاتها من بيئتها ومناخها وأعرافها وعاداتها وتقاليدها ومشاغلها واهتماماتها، والتي تعامل معها النبي  خلال ذلك الزمن.
والحقيقة أن البعدين الزماني والمكاني متصل بعضهما ببعض، لا ينفصل أحدهما عن الآخر؛ لأن الظروف والحالات التي تعامل معها النبي  خلال زمن نبوته هي للعرب الذين كانوا من سكان الجزيرة العربية. فاجتمع الزمان وهو 23 سنة للنبوة، مع المكان وهو الجزيرة العربية وما لها وعليها.
وقبل أن ندخل في موضوع منهجية التعامل مع البعدين، أود أن أعين أولاً المجالات التي لا دخل فيها للبعدين تأسيساً أو تغييراً، والمجالات التي لهما دخل فيها. فمن خلال الأحاديث والآثار التي تم جمعها للبحث عن تأثير البعد الزماني والمكاني، تحددت لنا تلك المجالات على النحو التالي:
ثمة مجالات لم يتناولها البعدان الزماني والمكاني في السنة: منها مجال العقائد فإنها ثابتة إلى الأبد، ولا تتغير أحكامها إلا في حالة واحدة، وهي حالة الاضطرار؛ ومنها العبادات: وبخاصة الأصول منها مثل الطهارة الواجبة، والفرائض من الصلاة والصوم والحج والزكاة، فهي لا يتغير حكمها وعددها وطريقة أدائها، إلا طريقة أداء بعضها فهي تتغير بالأعذار. ومنها أيضاً المبادئ العامة للأنظمة الإسلامية في المعاملات والحكم والقضاء وغيرها، مثل مبدأ الشورى، وحل البيع والشراء والشركة والإيجار والإعارة والعدل والمساواة في الحقوق وغيرها، وحرمة الربا والرشوة والسرقة والنهب والظلم، وحل النكاح والطلاق والعدة، وحرمة العلاقات الجنسية خارج النكاح مثل الزنا واللواط والسحاق. ومبدأ الحدود والقصاص، وغيرها كثير.
ومن هذه المجالات كذلك الأخلاق والقيم، مثل جمال الصدق والأمانة والعفة والشجاعة والحلم والكرم وغيرها من الأخلاق الممدوحة، ومثل قبح الكذب والخيانة والدناءة والجبن والبخل وغيرها من الأخلاق المذمومة؛ فهذه لا يتغير جمالها أو قبحها تأثراً بالزمان والمكان، إلا الحالات التي أبيح فيها الكذب للمصلحة، وهذه الحالات معروفة متعينة لا يقاس عليها. وأخيراً السنن الإلهية؛ فقد قال تعالى: وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (الأحزاب: 62 والفتح: 23). وقال: وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (الإسراء: 77). وقال: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (فاطر:43) فطلوع الشمس من المشرق وغروبها في المغرب، وخلق الإنسان والحيوان من تلقيح نطفة الذكر ببويضة الأنثى، ونـزول المطر، وتناوب المواسم الصيف والشتاء، والربيع والخريف، وغيرها من السنن الإلهية التي لا تأثير للزمان والمكان فيها. فلا تتغير، ولا تتبدل إلا إذا شاء الله بقدرته وإرادته.
فعدم تناول البعدين هذه المجالات للتأثير فيها يدل على أن قضايا تلك المجالات من الثوابت التي لا تتغير، ولا تأثير للبعد الزماني والمكاني فيها أيما تأثير، إلا في حالات الاضطرار، لأن في ثبات تلك الأمور حمايةً للمجتمع الإسلامي من الانهيار والذوبان، وعملاً على استقرار التشريع وبنائه على دعائم مكينة راسخة لا تعصف بها الأهواء وتقلبات المجتمع، وهذه الثوابت قد اعتبرتها الشريعة الإسلامية صالحة مصلحة لكل زمان ومكان، ولكل بيئة ومجتمع.
أما المجالات التي تناوَلَها البعدان الزماني والمكاني في السنة فإن منها ما كان من السنة تفريعاً على العبادات الأصول، أو تطبيقاً للمبادئ السابقة. كما سيأتي لها من الأمثلة في الآتي؛ ومنها ما كان من أحكام النبي  باعتباره حاكماً وإماماً، وما جاء منها مبنياً على السياسة الشرعية: مثل تعيين القضاة وأمراء الأمصار وقادة الجند، واختيار السفراء، وتنظيم الجيوش، ووضع الخطط الحربية، وتوزيع الإقطاعات في القرى والمدن، وتفريق أموال بيت المال على المصالح، وإبرام المعاهدات، والتعازير، وطرق تنفيذ الحدود والتعازير، وتحديد الوقت لإجرائها وغيرها.
ومن هذه المجالات أيضاً ما كان منها على سبيل التجارب البشرية أو الأعراف والعادات. مثل البعض من أحاديث الطب وغيرها من أمور الدنيا. وأخيراً فإن من تلك المجالات الأفعال الجبلية للنبي  والعادية والإرشادية، مثل الأكل والشرب والمشي والنوم وهيئتها ووسائلها، وغيرها.
هذه الأمور من المتغيرات التي تتمثل مرونة الشريعة الإسلامية فيها، والتي تركت أحكامها لاجتهادات الفقهاء واستنباطاتهم تبعاً للظروف والأحوال، وعوائد الناس وأعرافهم، مع مراعاة القواعد العامة للشريعة التي تنفي الحرج والمشقة، وتبني الأحكام على اليسر والسعة، وقد أوجبت الشريعة في هذا القسم مراعاة مصالح الناس واحتياجاتهم.
والأحكام التي تخلفت -مع مرور الزمن وتغير الأحوال والأعراف- عن تحقيق هذه المصلحة لم تَعُدْ صالحةً للتطبيق في ظل الظروف والأوضاع الجديدة، والحكم -كما هو معلوم- يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولهذا رأينا كثيراً من الفقهاء المتأخرين من المذاهب الفقهية يفتون بغير ما أفتى به أئمة مذاهبهم، وقد صرح هؤلاء المتأخرون بأن سبب اختلاف فتواهم عمن سبقهم هو "اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان."

ثانياً: ضوابط لتأثير البعدين الزماني والمكاني في السنة
لا شك في أن ضوابط الشيء هي الصمام الواقي عن إطغاء جانبٍ له على جانب، أو إهمال جانب منه دون آخر. والناس في التعامل مع السنة النبوية على جانبي التفريط والإفراط، فمنهم من يظن أن السنة ما هي إلا تنـزيل القرآن على أرض الواقع، أو تطبيقه في ضوء ظروف ذلك الوقت، وانتهى ذلك الواقع، وانقضت تلك الظروف، فانتهت فعالية السنة، ولم تعُدْ حجةً قائمةً الآن. ومنهم من يقول: السنة ليست تابعة للواقع، ولا هي خاضعة للظروف، وإنما هي بجميع جزئياتها ووقائعها دائمة أبدية خالدة.
والأمر ليس هذا، ولا ذاك، فإن هناك سنناً ثابتة خالدة أبدية، وسنناً تابعة للظروف والحالات، فتحاشياً هذا الإفراط وذلك التفريط في هذه القضية يجب أن يبحث لها عن صمام يقي الأمة من التلاعب الشهوي بها، أو التقديس الجامد لها، متمثلاً في قواعد وضوابط لمراعاة البعد الزماني والمكاني في السنة، وها نحن قد حاولنا ذلك، وأتينا بهذه الضوابط إيماناً منا "بأن التصرفات النبوية متنوعة، وأنها ليست على نسق واحد، ولا في مرتبة واحدة من حيث جهة صدورها عن النبي ، ومن حيث حكمها الشرعي" ، متوصلاً إليها من خلال الأمثلة الكثيرة من واقع السنة وتفاعلات المحدثين من الصحابة وغيرهم من علماء الأمة الإسلامية معها، وتنـزيلهم إياها على أرض الواقع.

1- الضرورات تبيح المحظورات:
الضرورة هي "أن تطرأ على الإنسان حالةٌ من الخطر أو المشقة الشديدة، بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس، أو بالعضو، أو بالعرض، أو بالمال، أو توابعها، ويتعين أو يباح حينئذ ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، أو تأخيره عن وقته، دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه، ضمن قيود الشرع."
ومبدأ الضرورة الشرعية ثابت من القرآن، قال الله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ (البقرة: 173). والقاعدة الفقهية تقول: "الضرورات تبيح المحظورات"، إلا أن "ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها."
وأما السنة فقد وجدنا أن الرسول  حكم بهذه القاعدة، فأباح ما كان حراماً، أو استثنى من القاعدة ما استثنى، أو خصص من العام ما خصص، أو قيد من المطلق ما قيد، ورخص ما رخص، وتلك الوقائع ليست كلها على مستوى واحد من الضرورة، فبعضها من قبيل الضرورات، وبعضها من قبيل الحاجيات، والبعض الآخر من قبيل التحسينيات، كما نرى في الأمثلة التالية:
1- منه جواز النطق بكلمات الكفر عند الإكراه عملاً بقوله تعالى: مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ (النحل: 106). وأكده النبي  فيما روى ابن جرير عن شيخه ابن عبد الأعلى، حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: "أخذ المشركون عمار بن ياسر، حتى قاربهم في بعض ما أرادوا، فشكا في ذلك إلى النبي ، فقال النبي : "كيف تجد قلبك"؟ قال: مطمئنا بالإيمان. قال النبي : "إن عادوا فعد."
ورواه الحاكم بأوضح من ذلك من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي، عن عبد الكريم، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه قال: "أخذ المشركون عمار بن ياسر، فلم يتركوه حتى سب النبي  وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله  قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله! ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: "إن عادوا فعد."
النطق بالكفر، أو سب النبي ، أو ذكر آلهة المشركين بخير، كلها من قضايا العقائد، لا يجوز في الحالات العادية، ولكن يجوز تحت ضغط الظروف القاسية مثل الإكراه بالقتل أو نحوه كما قال الله تعالى، وأكده النبي  بقوله: "فإن عادوا فعد"، وليس ذلك إلا لأن حياة الإنسان لها قيمة يجب الحفاظ عليها، فمن أراد أن ينقذ حياته به جاز له ذلك، ومن أراد العمل بالعزيمة فله أجره.
2- تطهير المساجد من النجاسة من العبادات الواجبة، ولكن جاء إعرابي، وبال في المسجد النبوي الشريف، وترك الرسول المربي  تأديبه. عن أنس بن مالك قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله إذ جاء أعرابي، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله : مه مه. قال: قال رسول الله : "لا تزرموه دعوه". فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله  دعاه فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله  . لم يكن ذلك إلا تقديراً لظروف بداوته وغلاظة طبعه، وجهله وحداثة عهده بالإسلام، ولهذا حين همّ أصحابه به نهاهم أن يقطعوا عليه بوله، وقال: "إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين."
3- إباحة الرسول  لبس الحرير لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوَّام رضي الله عنهما، لحَكَّةٍ كانت بهما، بعد تحريمه على الرجال كما هو معروف. يقول أنس بن مالك : "رخص رسول الله  للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف في لبس الحرير لحكة كانت بهما". وفي رواية لمسلم: "أن رسول الله  رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام في قمص الحرير في السفر من حكة كانت بهما أو وجع كان بهما". وفي روايةٍ أخرى للبخاري ومسلم: "أن عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام شكوا إلى رسول الله  القمل فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما" .
إذا قارنا بين شدة تحريم الحرير على الرجال وبين شدة العلة، عرفنا أن بينهما فرقاً كبيراً، فالحكة، أو الوجع، أو القمل ليس مما يموت به الإنسان، ومع ذلك أباح النبي لهما لبس الحرير الذي ليس علاجاً، وإنما هو يخفف العلة فقط كما قال الطبري. ومع ذلك أبيح لهما ذلك، مما يدل على أن الشارع لا ينظر إلى الكم، وإنما ينظر إلى الوجود، مهما كان قليلا أو صغيراً، تيسيراً للأمة.
وقد تعامل معه العلماء بأن أباحه الطبري في الغزو قياساً عليه، فقال: "دلت الرخصة في لبسه بسبب الحكة أن من قصد بلبسه ما هو أعظم من أذى الحكة كدفع سلاح العدو ونحو ذلك فإنه يجوز". وقال الشافعي وأبو يوسف بالجواز للضرورة. وقال ابن الماجشون: إنه يستحب في الحرب. وحتى قال المهلب: "لباسه في الحرب لإرهاب العدو، وهو مثل الرخصة في الاختيال في الحرب.
4- وترخيصه  في السَّلَم بعد نهيه عن بيع ما ليس عند الإنسان ، وذلك أنه لما قدم المدينة، ووجد أهاليها يسلفون في الثمار السنة والسنتين ، قال: "من أسلف في شيء فليُسلِف في كيلٍ معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم."
فعلى الرغم من أن بيع السلم صورة من صور "بيع ما ليس عند الإنسان" فقد أباحه لهم رسول الله ، لما رأى أنه مما عمت به البلوى، وفي ترك الناس ما اعتادوا عليه مشقة وحرج، فرفع عنهم هذا الحرج، وأباحه لهم، ولكن بقيد الكيل المعلوم إذا بيع كيلا، وبالوزن المعلوم إذا بيع وزناً، والمدة المعلومة، حسماً للنـزاع المتوقع عند التسليم. وقد تعامل معه أهل العلم بأن أباحوا السلم في غير المكيل والموزون. قال ابن عبد البر: "وقال أهل المدينة ومالك وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي وأصحابه: السلم في الحيوان جائز بالصفة، وكذلك كل ما يضبط بالصفة في الأغلب."
5- وكذلك ترخيصه  في العرايا بعد نهيه عن المزابنة. يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: إن رسول الله  نهى عن المزابنة. والمزابنة: بيع التمر بالثمر كيلاً، وبيع الزبيب بالكرم كيلا." وعلة النهي هو الربا لعدم التساوي. وقال زيد بن ثابت: إن النبي  رخص في العرايا بخرصها. والعرايا هي كما قال النووي: "أن يخرص الخارص نخلات، فيقول: هذا الرطب الذي عليها إذا يبس تجيء منه ثلاثة أوسق من التمر مثلاً، فيبيعه صاحبه لإنسان بثلاثة أوسق تمر، ويتقابضان في المجلس، فيُسلِّم المشتري التمر، ويُسلِّم بائع الرطب الرطب بالتخلية.
على الرغم من أن بيع العرايا من المزابنة، فقد أجازه النبي تحت ظروف، وهي أن مَنْ عنده تمر فقط، ولا يمكن له أن يشتري الرطب، فكيف يمكن له أكل الرطب إذا حرم عليه العرية، فأباح له أن يشتري الرطب بالتمر خرصاً حتى يمكن له ولأهله أكل هذه الفاكهة اللذيذة الرطبة. ذكر الإمام الشافعي معلقاً عن زيد بن ثابت أو غيره: أن رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي  أن الرطب يأني، ولا نقد بأيديهم، يتبايعون به رطبا يأكلونه مع الناس، وعندهم فضول من قوتهم من التمر؟ فرخص لهم أن يتبايعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونها رطبا."
وهذه الظروف - التي أباح بها الرسول  العرايا - ليست شديدة بأنه إذا لم يأكل الرطب يموت أو يمرض، أو ما إلى ذلك من الضرورات والحاجيات. أكثر ما فيه أنه لا يأكل الرطب في هذا الموسم، لا غير.
6- ومن ذلك أيضاً ما ورد في تحريم الحرم المكي: عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي  قال: "حرم الله مكة، فلم تحل لأحد قبلي، ولا لأحد بعدي، أحلت لي ساعة من نهار، لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمعرِّفٍ". فقال العباس : إلا الإذخر لصاغتنا وقبورنا. فقال: "إلا الإذخر."
وما ورد في شأن المدينة: عن جابر بن عبد الله أن النبي  لما حرم المدينة قالوا: يا رسول الله! إنا أصحاب عمل وأصحاب نضح، وإنا لا نستطيع أرضاً غير أرضنا، فرخِّصْ لنا. فقال: "القائمتان والوسادة والعارضة والمسند، فأما غير ذلك فلا يعضد، ولا يخبط منها شيء" . وعن علي، عن النبي  قال: "المدينة حرام ما بين عائر إلى ثور." وفي رواية أخرى له: "لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها... ولا يصلح أن يقطع منها شجرة، إلا أن يعلف رجل بعيره." وعن جابر أن رسول الله  قال: "لا يخبط، ولا يعضد حمى رسول الله ، ولكن يهش هشا رفيقا."
فقد استثنى رسول الله  مما حرم في شأن مكة والمدينة قدر الحاجة التي سألوها؛ وهذا تنبيه منه  على أن هذه الأشياء تتبع الحاجة إذا وجدت، وأن المنع منها خروج بالشريعة عن وضعها الذي أخرج الناس من الحرج وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج: 78). وقال ابن قدامة معللاً: "لأن المدينة يقرب منها شجر وزرع، فلو منعنا من أحشاشها مع الحاجة أفضى إلى الضرر بخلاف مكة."
7- وما رواه جابر قال: نهى رسول الله  عن الظروف، فقالت الأنصار: إنه لا بد لنا منها. قال: فلا إذاً" . وعبد الله بن عمرو قال: "لما نهى رسول الله  عن النبيذ في الأوعية قالوا: ليس كل الناس يجد، فأرخص لهم في الجر غير المزفت" . وبريدة قال: قال رسول الله: "كنت نهيتكم عن أشربة ظروف الأدم، فاشربوا في كل وعاء، غير أن لا تشربوا مسكراً."
جُعِل في حديث جابر وبريدة الرخصة عامة، وفي حديث عبد الله بن عمرو استثني المزفت. قال ابن بطال: "النهي عن الأوعية إنما كان قطعاً للذريعة، فلما قالوا: لا نجد بُدّاً من الانتباذ في الأوعية قال: "انتبذوا، وكل مسكر حرام"، وهكذا الحكم في كل شيء نهي عنه بمعنى النظر إلى غيره فإنه يسقط للضرورة كالنهي عن الجلوس في الطرقات، فلما قالوا: لا بد لنا منها قال: "فأعطوا الطريق حقها" . وقال الحازمي: "طريق الجمع أن يقال: لما وقع النهي عاما شكوا إليه الحاجة، فرخص لهم في ظروف الأدم، ثم شكوا إليه أن كلهم لا يجد ذلك، فرخص لهم في الظروف كلها" .
وهذه الحاجة التي لأجلها رخص لهم رسول الله  من قبيل توابع الحاجيات.
8- وما روي عن ابن عمر  قال: نهى النبي  عن عسب الفحل. وعن جابر : "نهى رسول الله  عن بيع ضراب الجمل" .
قال النووي: "قد اختلف العلماء في إجارة الفحل وغيره من الدواب للضراب. فقال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وآخرون: استئجاره لذلك باطل وحرام، ولا يستحق فيه عوض، ولو أنـزاه المستأجر لا يلزمه المسمى من أجرة، ولا أجرة مثل، ولا شيء من الأموال، قالوا: لأنه غرر مجهول وغير مقدور على تسليمه. وقال جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وآخرون: يجوز استئجاره لضرب مدة معلومة، أو لضربات معلومة، لأن الحاجة تدعو إليه، وهي منفعة مقصودة، وحملوا النهي على التَّنْـزيه والحث على مكارم الأخلاق."
وأما ابن حزم فقد شدد على مالك، قال: "وأباح مالك الأجرة على ضراب الفحل كرات مسماة، وما نعلم لهم حجة أصلا، لا من نص، ولا من نظر، ورووا رواية فاسدة موضوعة في أن ربيعة أباح ذلك، وذكره عن عقيل بن أبي طالب أنه كان له تيس يُنْـزيه بالأجرة". ثم قال: "قد أجلَّ الله قدر عقيل في نسبه وعلو قدره عن أن يكون تيَّاساً يأخذ الأجرة على قضيب تيسه."
هذا ما قيل في أجرة الضراب من أقوال: المنع المطلق، أو الجواز المشروط بضربات معلومة، أو بمدة معلومة، ليس حلاًّ لمسألة تلقيح أنثى الحيوان يحصل به المقصود يقيناً، إلا إذا أجزناه جوازاً غير مشروط بتلك الشروط، لا سيما في ظروف هذا العصر في بعض البلاد، وهي أن الفحول في السابق لم تكن تحبس في البيوت والمنازل، وإنما كانت سائبةً، تأكل رزقها مما يرزقها الله الرازق، ولكن عند ما أصبحت تُرَبَّى محبوسةً إما كسباً وتجارةً، أو حفاظاً لحياتها، أصبح حصول الفحول السائبة من الصعوبة بمكان، ومن ثم أصبح تلقيح الأنثى من العسير، وهو حاجة مقصودة ملحة، فمن ثم ينبغي أن يفتى بجواز استئجار الفحل دون قيد أو شرط. ولعل هذا ما جعل النبي  أباح أخذ الهدية عليه دون اتفاق مسبق. روى الترمذي بسنده عن أنس بن مالك أن رجلا من كلابٍ سأل النبي  عن عَسْب الفحل ؟ فنهاه. فقال: يا رسول الله! إنا نُطرِق الفحل فنُكرَم؟ فرخص له في الكرامة.
وحتى إن كان أخذ الهدية عليه حلاًّ للقضية في زمن النبي ، لم يعُدْ حلاًّ مريحاً للقلب في العصر الذي كثرت أو تكثر فيه الحيل، وذلك لأنه ربما يتحول فيما بعد حيلةً لأخذ الأجرة باسم الهدية، كما تؤخذ الرشوة باسم الهدية في بعض البلاد.
9- وما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله  الراشي والمرتشي." وقال أبو هريرة: "لعن رسول الله  الراشي والمرتشي في الحكم." وقال ثوبان : "لعن رسول الله  الراشي والمرتشي والرائش". يعني الذي يمشي بينهما.
هذا ما صدر عن الشارع عليه الصلاة والسلام، وهو عام لكل حالات دفع الرشوة، سواء أكان للظلم، أو لدفع الظلم، ولكن الفقهاء قد أباحوا إعطاء الرشوة لرفع الظلم ودفعه. قال ابن قدامة: "فأما الراشي فإن رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع عنه حقا فهو ملعون، وإن رشاه ليدفع ظلمه ويجزيه على واجبه فقد قال عطاء وجابر بن زيد والحسن: لا بأس أن يصانع عن نفسه. قال جابر بن زيد: ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا" . وذلك لأن دفع الإنسان الظلم عن نفسه أو أهله ضرورة دينية، فاقتضت جواز دفع الرشوة، خاصة لمسلمي الدول غير المسلمة.
ومن هذا القبيل الأحكام المتغيرة بعموم البلوى: مثل فتوى العلماء بجواز الصلاة مع النجاسة المعفو عنها كدم القروح والدمامل والقيح، ودم البراغيث والبق في الثوب وإن كثر، وخرء الطيور إذا عم المسجد والمطاف، والدم على ثوب القصاب، ورشاش البول على الثوب قدر رؤوس الإبر، وطين الشوارع. مع كونه مخالفاً لعموم النصوص الآمرة بالتطهير لعموم البلوى بها وشيوعها، وعدم القدرة على اجتنابها، إلا بالحرج والضيق والشدة، وهما مرفوعان في الشريعة الإسلامية.
10- ومن تعامل الصحابة مع البعدين تحت تلك الضابطة هذا المثال: قبول عمر بن الخطاب  أخذ الصدقة من نصارى بني تغلب بدل الجزية؛ روى أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال قال: حدثنا سعيد بن سليمان، عن هشيم، ثنا مغيرة، عن السفاح بن المثنى الشيباني، عن زرعة بن النعمان أو النعمان بن زرعة، أنه سأل عمر بن الخطاب ، وكلَّمه في نصارى بني تغلب. قال: وكان عمر  قد همَّ أن يأخذ منهم الجزية، فتفرقوا في البلاد، فقال النعمان بن زرعة لعمر: "يا أمير المؤمنين! إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية، وليست لهم أموال، إنما هم أصحاب حروث ومواشي، ولهم نكاية في العدو، فلا تعن عدوك عليك بهم. قال: فصالحهم عمر  على أن تُضَعَّفَ عليهم الصدقة، واشترط عليهم أن لا يُنَصِّروا أولادهم."
فقبول عمر  أخذ الجزية باسم الصدقة من نصارى بني تغلب -إن صح الخبر- لم يكن إلا لمصلحة أجبرته على ذلك؛ وهي أنهم عرب يأنفون دفع الجزية، وخشي من أن يلحقوا بالروم، فيكونوا لهم ظهيراً على أهل الإسلام. وهذه مصلحةٌ يجب على راعي البلد أن يلقي لها بالاً، ويعطي لها حقها؛ لأنها من قبيل توابع الضرورات أو الحاجيات.
2- ما أنيط بأوصاف متغيرة فيتغير بتغيرها:
لقد تبين باستقراء الشريعة، وباعتبار عمومها ودوامها أن مقصدها الأعظم نَوْطُ أحكامها المختلفة بأحوال وأوصاف مختلفة تقتضي تلك الأحكام. وتغير الأحوال والأوصاف سنة إلهية في الخلق لا تتغير، ولا تتخلف أبداً. فهذا يوجب أن تتغير الأحكام بتبدل الأوصاف المرتبطة بها، والأمثلة على ذلك من السنة ما يلي:
1- ما روي عن النبي  من النهي عن التقاط الإبل الضالة، قال: "ومالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء، وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها" . فعملاً بهذا الحديث لم تكن الضوال تلتقط، وكان الأمر عليه طوال عهد الرسول ، ثم عهد أبي بكر الصديق، وعهد عمر بن الخطاب، حتى خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنهم، فرأى أن ذلك النهي منوط بوصف قد يتغير، وهو كونه في حفظ وأمان. فلما رأى الناسَ قد دبَّ إليهم الفساد، وامتدت أيديهم إلى الحرام بدّل الحكم، فكان ما يقول ابن شهاب الزهري: "كانت ضوال الإبل في زمان عمر بن الخطاب إبلا مؤبلة تناتج، لا يمسها أحد، حتى إذا كان زمان عثمان بن عفان أمر بتعريفها، ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أُعْطِيَ ثمنَها" . إلا أن علي بن أبي طالب  وافقه في مبدأ التقاط الإبل حفظا لها لصاحبها، ولكنه رأى أنه قد يكون في بيعها وإعطاء ثمنها -إن جاء- ضرر به لأن الثمن لا يغني غناها بذواتها، ومن ثم رأى التقاطها والإنفاق عليها من بيت المال حتى إذا جاء ربها أعطيت له.
فما فعله عثمان وعلي رضي الله عنهما لم يكن مخالفة منهما للنص النبوي، بل إنهما نظرا إلى أن حكمه  منوط بحالة تغيرت، حيث تغيرت أخلاق الناس، ودبّ إليهم فساد الذمم، وامتدت أيديهم إلى الحرام، وترك الضوال من الإبل والبقر في هذه الحالات والظروف إضاعةٌ لها، وتفويتٌ لها على صاحبها، وهو لم يقصده النبي  قطعاً حين نهى عن التقاطها، فكان درء هذه المفسدة متعينا .
2- ومنها امتناع النبي  عن التسعير. عن أنس قال: قال الناس: يا رسول الله‍ غلا السعر فسعِّر لنا. فقال رسول الله : "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم، ولا مال."
فسياق الحديث وألفاظه يدل على أن امتناعه عن التسعير كان مرتبطاً بوصف قد يتغير، وهو أنهم كانوا في حالة غلاء طبيعي نتيجة لقانون العرض والطلب، أو لقلة الشيء وكثرة الخلق، لا نتيجة لصنع التجار وتلاعبهم، لهذا قال النبي : "إن الله هو المسعِّر القابض الباسط" مشيراً إلى أن ندرة الأشياء وغلاءها كان بصنع الله وقدره، لا بتلاعب المتلاعبين، واحتكار المحتكرين، لا سيما أن المجتمع كان بسيطا في معاملاته، وكان مثاليا في أخلاقه وسلوكه بالنسبة إلى أي مجتمع بعده.
وأما إذا تعقد المجتمع وتغير الناس، وكثر الطامعون والمتلاعبون بالأسواق فليس في الحديث ما يمنع التسعير على هؤلاء، ولا يُعَدُّ ذلك مظلمةً يُخشَى منها كما خشي النبي  ذلك في عهده، بل ترْك جماهير الناس لأهواء التجار الجشعين هو المظلمة التي يجب أن تتفادى، وهو الضرر الذي يجب أن يدفع. وهذا الذي فهمه فقهاء التابعين، وأفتوا بجوازه، وأخذ به المالكية والحنفية، ورجحه ابن تيمية وتلميذه ابن القيم ، وبذلك هم تعاملوا مع الظروف المقاصدية في هذه القضية.
3- ومنها منع النبي  الحسن بن علي أخذ الصدقة، روى أبو هريرة  قال: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة، فجعلها في فيه، فقال رسول الله : "كِخْ كِخْ، أما شعرت أنّا لا نأكل الصدقة" متفق عليه. ولمسلم: "إنا لا تحل لنا الصدقة".
لا يوجد في الحديث ما يدل على سبب هذا المنع، بل ظاهر الحديث يدل على أن الصدقة غير حلال لبني هاشم مهما كانت الظروف والحالات، ولكن الإمام أبا حنيفة ومالك أفتيا بجواز دفع الزكاة لبني هاشم، وذلك منعاً للضرر عنهم، إذ رأيا أن النهي كان مرتبطاً بحالة بني هاشم آنذاك، حيث كان لهم نصيب من بيت المال، فكانت تنصرف الزكاة إلى غيرهم، ولكن في زمنهما انقطع نصيبهم من بيت المال فأجازا لهم أخذ الزكاة.
4- ومنها أمر النبي  الآباء بالتسوية بين الأولاد في العطية، يقول النعمان بن بشير : إن أباه أتى به إلى رسول الله ، فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما، فقال: "أكُلَّ ولدك نحلت مثله"؟ قال: لا. قال: "فارجعه". وفي رواية: "فاردده" . وفي رواية أخرى عند مسلم: عن النعمان بن بشير قال: تصدق علي أبي ببعض ماله. فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله . فانطلق أبي إلى النبي  ليشهده على صدقتي. فقال له رسول الله : "أفعلت هذا بولدك كلهم"؟ قال: لا. قال: "اتقوا الله واعدلوا في أولادكم". فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
وفي رواية أخرى عند مسلم: "أكل بنيك قد نحلت مثل ما نحلت النعمان"؟ قال: لا. قال: "فأشهد على هذا غيري"، ثم قال: "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء"؟ قال: بلى. قال: "فلا إذاً."
هذه الروايات كلها مجمعةٌ على أنه لا تخصيص لولد دون ولد بهبة، ولكن رأى العلماء أن ذلك الحكم حيثما لم تكن هناك حاجة لذلك. لذلك أفتى الإمام أحمد بجواز تخصيص بعض الأولاد بالهبة لمعنى يقتضي ذلك مثل زيادة الحاجة، أو زمانة أو عمى، أو كثرة العائلة، أو الاشتغال بطلب العلم. كما أفتى بجواز صرفها عن بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يستعين بما يأخذه على معصية الله، أو ينفقه فيها.
ولعل تخصيص أبي بكر الصديق  عائشة رضي الله عنها ببعض العطيات كان من هذا القبيل فيما رواه الإمام مالك بسنده عن عائشة زوج النبي  أنها قالت: إن أبا بكر الصديق كان نحلها جادَّ عشرين وسقا من ماله بالغابة، فلما حضرته الوفاة قال: "والله! يا بنية ما من الناس أحد أحب إلي غنىً بعدي منك، ولا أعز علي فقراً بعدي منك، وإني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا، فلو كنت جددتيه واحتزتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث، وإنما هما أخواك وأختاك، فاقتسموه على كتاب الله". قالت عائشة: فقلت: يا أبت! والله لو كان كذا وكذا لتركته، إنما هي أسماء فمن الأخرى؟ فقال أبو بكر: ذو بطن بنت خارجة أراها جارية."
يقول ابن قدامة: "ويحتمل أن أبا بكر  خصها بعطيته لحاجتها وعجزها عن الكسب."
5- ومنها ترخيصه  في مباشرة الصائم الشيخ، ومنعه الصائم الشاب عنها، عن أبي هريرة أن رجلا سأل النبي  عن المباشرة للصائم فرخص له، وأتاه آخر فسأله فنهاه، فإذا الذي رخص له شيخ، والذي نهاه شاب." وعن عائشة أن النبي  رخص في القبلة للشيخ وهو صائم، ونهى عنها الشاب، وقال: الشيخ يملك إربه، والشاب يفسد صومه." فهنا تقبيل الصائم زوجته حكمه منوط بحال يختلف في رجل عن رجل، وهو القدرة على النفس، فمن يقدر على ذلك يجوز له، ومن لا فلا.
3- ما ارتبط بمصالح متغيرة فيتغير بتغيرها:
لقد راعت الشريعة الإسلامية المصالح في كل جزئياتها، بل هي كما يقول الشاطبي: إنما شرعت لمصالح العباد، فالتكليف كله إما لدرء مفسدة، وإما لجلب مصلحة، أو لهما معاً، فالداخل تحته مقتضى لما وضعت له. والمصالح في هذه الدنيا من حيث تجددها وكثرتها لا تحصى، وجمهور الفقهاء متفقون على أن المصلحة معتبرة في الأخذ بالأحكام الفقهية، ما دامت ليست تابعة لشهوة ولا هوى، وليست معارضة للنصوص، ومناهضة لمقاصدها.
والسبب في ذلك -على ما يظهر للدكتور مصطفى شلبي - أن هذا النوع من الأحكام مفوض لرأي الرسول  باعتباره إماماً للمسلمين. ومن تتبع أحوال الرسول  في أجوبته للسائلين وجده لم يسلك فيها مسلكاً واحداً؛ فتارةً ينتظر الوحي كما في قصتي الظهار واللعان وغيرهما، وأخرى يجيب من غير انتظاره، وفي هذا قد ينـزل الوحي ببيان خطئه ومعاتبته كما في مسألة أخذ الفداء والإذن للمعتذرين في بعض الغزوات.
وقد يرجع هو من غير أن ينـزل عليه الوحي كما في همه بالنهي عن الغيلة ، وهمه بتحريق البيوت على المتخلفين عن صلاة الجماعة ، وقوله للمرأة التي مات عنها زوجها واستأذنه أهلها في الكحل لرمد نـزل بها: لا تفعلوا، بعد أن أذن لهم.
وكثيراً ما نراه  يجيب بأجوبة متنوعة عن سؤال واحد إذا اختلف السائلون، وأكثر ما يكون ذلك في أفضلية الأعمال، كما وجدناه في كثير من المواطن يشاور أصحابه ويأخذ بأصوب الآراء. وقد ثبت عنه الإذن للمفتين الذين يرسلهم إلى البلدان بأن يفتوا باجتهادهم حسبما يظهر لهم، ولم يقيدهم بالنصوص، أو بالرجوع إليه في كل ما يَعِنُّ لهم، كما في قصة معاذ وعلي رضي الله عنهما.
كل ذلك يهدينا إلى أن المولى جل وعلا فوَّض إليه الحكم في كثير من الأشياء، وخاصة ما يتعلق بالهيئة الاجتماعية كالمعاملات والعادات وما شابههما حسبما يراه ملائماً للمصلحة، وهو مع ذلك لم يخرج عن كونه شرعاً أصله محكم لا يتبدل، والذي يتبدل فيه إنما هو التطبيق فقط. فلكل حادثة حكم أصلي عام وهو يحصِّل المصلحة، وعدّة أحكام جزئية كل واحد منها يلائم حالةً خاصةً.
وأمثلتنا لهذه النقطة من السنة ما يلي:
1- منع النبي  عن قطع الأيدي في الغزو؟ ، مع أن قطع يد السارق، أو تعزير شارب الخمر بالضرب، أمران مقطوع بهما قانوناً وعملاً، وذلك لأن اختيار وقت إجراء الحدود على مجرميها منوط بمصالحهم ومصالح الدولة، كما أشار إلى ذلك عمر بن الخطاب ، كتب إلى الناس: "ألا يجلدن أمير جيش، ولا سرية، ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا، لئلا تلحقه حمية الشيطان، فيلحق بالكفار" . وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر، فأردنا أن نحدّه، فقال حذيفة: "أتحدون أميركم، وقد دنوتم من عدوكم؛ فيطمعوا فيكم" .
اتضح أن المصلحة هي خشية أن يترتب عليه ما هو أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره؛ من لحوق صاحبه بالمشركين حميةً وغضباً إن كان رجلا عاديا، أو طمع العدو فيه إن كان أميرا أو قائداً.
2- ومنها تأخير النبي  تنفيذ حد الزنا على المرأة الغامدية الحامل لحين تلد ويفطم الولد. عن بريدة : قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! إني قد زنيت فطهرني، وإنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله! لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزا، فوالله إني لحبلى، قال: أما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله! قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها."
3- ومنها أن النبي  قسّم نصف خيبر بين الفاتحين، وذلك في شدة حاجة المسلمين في عهده، ولكن عمر  لم يقسم ما فتحه من أرض الشام والعراق ومصر وغيرها، ورأى إبقاءه في أيدي أربابه، ويفرض الخراج على الأرض ليكون مدداً دائماً لأجيال المسلمين، قال في ذلك ابن قدامة الحنبلي: "وقسمة النبي  خيبر كان في بدء الإسلام وشدة الحاجة، فكانت المصلحة فيه، وقد تعيّنت المصلحة فيما بعد ذلك في وقف الأرض فكان ذلك هو الواجب."
4- ما بني على الأعراف والعادات فيتغير بتغيرها:
لا شك في أن للعرف والعادة سلطاناً أيما سلطان، وقد اعترفت الشريعة الإسلامية بهذا السلطان، وراعته في أحكامها، ولحظنا في السنة أن أحكاماً قد تغيرت بعد عصر النبي  لأنها كانت مبنية على الأعراف والعادات، فتغيرت الأعراف والعادات فتغيرت الأحكام، منها:
1- ما رواه أبو هريرة أن رسول الله  قضى في جنين امرأة من بني لحيان بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله  أن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها." فقضاؤه  بالدية على عاقلة الجاني - وهم عصبته - في قتل الخطأ وشبه العمد، كان في زمنٍ كان العرف فيه أن العصبة محور النصرة والمدد. ولذلك لما كان زمن عمر  جعلها على أهل الديوان، على أساس أن العاقلة هم الذين ينصرونه ويعينوه من غير تعيين، فإن كان في زمنٍ - كما كان في زمنه - الناصر والمعين هو الأقارب فالدية عليهم، وإن كان في زمنٍ غيرَهم فالدية عليهم، فلذلك لما وضع عمر  الديوان كان معلوماً أن جند كل مدينة ينصر بعضه بعضاً، ويعين بعضه بعضاً؛ وإن لم يكونوا أقارب، فكانوا هم العاقلة، وأنها تختلف باختلاف الأعراف والعادات، وإلا فرجل قد سكن بالمغرب وهناك من ينصره ويعينه، كيف تكون عاقلته مَنْ بالمشرق في مملكة أخرى، ولعل أخباره قد انقطعت عنهم. ولكن الميراث يمكن حفظه للغائب فإن النبي  قضى في المرأة القاتلة أن عقلها على عصبتها، وأن ميراثها لزوجها وبينها، فالوارث غير العاقلة.
2- ومنها أحاديث النهي عن نعي الموتى: فعن عبد الله عن النبي  قال: "إياكم والنعي؛ فإن النعي من عمل الجاهلية." وعن حذيفة بن اليمان قال: "إذا مت فلا تؤذنوا بي؛ إني أخاف أن يكون نعياً؛ فإني سمعت رسول الله  ينهى عن النعي." وعن أنس بن مالك  أن النبي  نعى جعفرا وزيدا قبل أن يجيء خبرهم وعيناه تذرفان. وعن أبي هريرة  قال: "نعى لنا رسول الله  النجاشي صاحب الحبشة اليوم الذي مات فيه، فقال: "استغفروا لأخيكم" .
بالنظر إلى الأحاديث الأربعة السابقة اتضح أن كلمة "النعي" استعملت في مورد المنع والإباحة معاً، مما يدل على أن منه ما هو ممنوع، ومنه ما هو مباح، وكلاهما كان معروفاً ومتعارفاً عليه لدى أهل اللغة والعرف، فالنعي الممنوع هو نعي الجاهلية. قال الحافظ ابن حجر: "إن النعي ليس ممنوعا كله، وإنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، فكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق" .
وأما النعي المباح فقال ابن المرابط: "مراده أن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح؛ وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام" .
وقال ابن العربي: "يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة. الثانية دعوة الحفل للمفاخرة فهذه تكره. الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم".
تبين مما سبق أن النعي الذي نهى عنه النبي  ليس مجرد الإخبار بأن فلانا قد مات، وإنما النعي المكروه أو المنهي عنه هو ما كان متعارفاً عليه عند عرب الجاهلية من استعراضٍ للمآثر والمفاخر، وتنويهٍ بالأفراد والأسر. أو بعبارة أخرى: ما قارنه الرياء وإحياء العصبية الذي كان يمارسه عرب الجاهلية. أما الإخبار المعتاد فهو ليس بمكروه، بل هو لا بد منه، وهو ما تقتضيه طبيعة البشر والمعاشرة والمجتمع، وهو ما فعله النبي  عند ما نعى جعفراً وزيداً على مقتضى الطبيعة البشرية، لكي يجتمع أناس من الأقارب والأصدقاء، فيشتركوا في تجهيزه وتكفينه ودفنه، وقد ثبت أن الصحابة كانوا يخبرون النبي  بوفاة أهليهم، وكانوا يلتمسون منه الصلاة عليهم طلباً للمغفرة والشفاعة من الله تعالى. وأما ما فعله حذيفة  من منع الإخبار بموته فهو محمول على شدة الاحتياط في الأمر.
3- ويمكن أن يُعَدَّ أيضاً من أمثلة هذه القاعدة ما رواه أبو سعيد الخدري  في صدقة الفطر، قال: "كنا نخرج زكاة الفطر، إذ كان فينا صلى الله عليه وسلم، صاعاً من طعام، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط".
فالتنصيص على الأشياء الخمسة في حديث أبي سعيد الخدري  هذا، كان على أساس أنها هي التي كانت متعارفا عليها في القوت آنذاك، فإذا تغير العرف كما في هذا العصر فليس في الحديث ما يمنع إخراج صدقة الفطر من غيرها. لذلك قال جمهور الفقهاء بأن زكاة الفطر تؤدى من غالب قوت أهل البلد. وذهب الحنفية إلى جواز إعطاء القيمة بدل هذه الأصناف لأن المعتبر حصول الغنى بقوله : "أغنوهم عن المسألة في هذا اليوم." بل ذهب بعضهم إلى أن أداء القيمة أفضل لأنه أقرب إلى منفعة الفقير، وأن التنصيص على الحنطة والشعير لأن البيع كان به، وفي هذه الأيام تجري بالنقود.
4- ومنها ما قال ابن مسعود: "لعن الله الواشمات، والموتشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله." وقال ابن عمر: "إن رسول الله لعن الواصلة والمستوصلة..."
قال ابن عاشور في معرض حديثه عن العوائد: "إن تحريم وصل الشعر وتفليج الأسنان والوشم في حديث ابن مسعود من هذا القبيل؛ فإن الفهم يكاد يضل في هذا؛ إذ يرى ذلك صنفاً من أصناف التزين المأذون في جنسه للمرأة كالتحمير والخلوق والسواك، فيتعجب من النهي الغليظ عنه". ثم قال: "ووجهه عندي ... أن تلك الأحوال كانت في العرب أمارات على ضعف حصانة المرأة، فالنهي عنها نهي عن الباعث عليها، أو عن التعرض لهتك العرض بسببها."
فيرى ابن عاشور أن وصل الشعر والوشم وتفليج الأسنان والتنمص مما تتزين به المرأة، فهو عنده مثل التحمير والخلوق والسواك، ثم فسر الحديث في ضوء العرف القائم آنذاك في العرب بأن هذه الأشياء كانت تمارسها الفواجر اللاتي لم تكن لهن الحصانة، فأصبحت هذه الأشياء أمارات لهن، فنهيت النساء المحصنات عن ذلك منعاً لتعريض أعراضهن للهتك، ولذلك قال بعض الحنابلة: "إن كان النمص أشهر شعاراً للفواجر امتنع، وإلا فيكون تَنْـزيهاً." قلت: كما تعمل الممثلات السينمائيات والفواجر في زماننا.
لعل ابن عاشور على الصواب في هذا التوجيه للحديث لأن العلماء لم يأخذوا به على عمومه، فقد قال الشافعية والحنابلة: يجوز للمرأة التي لها زوج أن تصل شعرها بالشعر الطاهر من غير الآدمي بإذن زوجها. وقال الإمام النووي: "يستثنى من النماص ما إذا نبت للمرأة لحيةٌ أو شاربٌ أو عَنْفَقَةٌ فلا يحرم عليه إزالتها، بل يستحب." وقال العلماء: "ويجوز الحفّ والتحمير والنقش والتطريف إذا كان بإذن الزوج لأنه من الزينة."
5- ما ارتبط بالزمان والمكان فيتغير بتغيرهما:
وكذلك ما ارتبط من أحكام السنة بالزمان أو المكان رأينا أنها تتغير بتغيرهما، مثل:
1- أمره بإبراد الظهر في الصيف فيما رواه أبو سعيد الخدري  قال: قال رسول الله : "أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم." قال ابن حجر: "قال جمهور أهل العلم: يستحب تأخير الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت، وينكسر الوهج". وروي عن الشافعي أن ذلك إنما يكون بالحجاز حيث شدة الحر، وكانت المدينة ليس فيها مسجد غير مسجد رسول الله  وكان ينتاب من بعد.
2- وأمره  بإبراد الحمى بالماء فيما رواه ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي  قال: "الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء." قال الخطابي فيما حكاه عنه ابن حجر: "في الحديث الإرشاد إلى تبريد الحمى بالماء، فإن أظهر الوجود، أو اقتضت صناعة الطب أن انغماس كل محموم في الماء، أو صبه إياه على جميع بدنه، يضره فليس هو المراد، وإنما قصد  استعمال الماء على وجه ينفع، فليبحث عن ذلك الوجه، ليحصل الانتفاع به." وقال المازري: "ولا شك أن علم الطب من أكثر العلوم احتياجا إلى التفضيل، حتى أن المريض يكون الشيء دواءه في ساعة، ثم يصير داء له في الساعة التي تليها، لعارض يعرض له من غضب يحمى مزاجه مثلا، فيتغير علاجه، ومثل ذلك كثير، فإذا فرض وجود الشفاء لشخص بشيء في حالة ما لم يلزم منه وجود الشفاء به له، أو لغيره في سائر الأحوال، والأطباء مجمعون على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والزمان والعادة والغذاء المتقدم والتأثير المألوف وقوة الطباع." وقال المازري أيضاً: "ويحتمل أن يكون لبعض الحميات دون بعض، في بعض الأماكن دون بعض، لبعض الأشخاص دون بعض".
قال ابن حجر: "وهذا أوجه فإن خطابه  قد يكون عاما وهو الأكثر، وقد يكون خاصا كما قال: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولكن شرقوا أو غربوا" فقوله: "شرقوا أو غربوا" ليس عاما لجميع أهل الأرض، بل هو خاص لمن كان بالمدينة النبوية وعلى سمتها، فكذلك هذا يحتمل أن يكون مخصوصا بأهل الحجاز وما والاهم؛ إذ كان أكثر الحميات التي تعرض لهم من العرضية الحادثة عن شدة الحرارة، وهذه ينفعها الماء البارد شرباً واغتسالاً".
3- وما ورد في النهي عن استقبال القبلة للغائط والبول عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال: رسول الله : "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرِّقوا أو غرِّبوا". فقال أبو أيوب: "فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله." قال ابن حجر: "وهو مخصوص بالمخاطبين، وهم أهل المدينة، ويلحق بهم من كان على مثل سمتهم ممن إذا استقبل المشرق أو المغرب لم يستقبل القبلة ولم يستدبرها، أما من كان في المشرق فقبلته في جهة المغرب، وكذلك عكسه".
4- وما روي في أن الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة. عن ابن عمر قال: قال رسول الله : "الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة."
قال المناوي: "الوزن وزن أهل مكة: أي الوزن المعتبر في أداء الحقوق الشرعية إنما يكون بميزان أهل مكة؛ لأنهم أهل تجارات، فعهدهم للموازين وخبرتهم للأوزان أكثر. والمكيال مكيال أهل المدينة: أي والمكيال المعتبر هو مكيال أهل المدينة؛ لأنهم أصحاب زراعات، فهم أعرف بأحوال المكاييل." ثم نقل قول إمام الحرمين في معنى هذا الحديث: "لعل اتخاذ المكاييل كان يعم في المدينة، واتخاذ الموازين كان يعم بمكة، فخرج الكلام على العادة، وإلا فلا خلاف أن أعيان مكاييل المدينة وموازين مكة لا ترعى." وما أحسن ما قال الشيخ القرضاوي في هذا المقام: "ولهذا لا يجد المسلم اليوم حرجاً في استعمال المقاييس العشرية من الكيلوجرام وأجزائه ومضاعفاته، لما يتميز به من دقة وسهولة في الحساب، ولا يعتبر ذلك مخالفة للحديث بحال من الأحوال."
5- وما روي في رؤية الهلال للصوم والفطر: عن أبي هريرة  أن النبي  قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فأكملوا العدد". وفي رواية: "فأكملوا عدة شعبان ثلاثين." هذا الحديث من أوضح الأمثلة على أن الأمر برؤية الهلال لصوم رمضان، ولإفطاره كان مرتبطاً بزمانٍ لم يكن فيه للقطع ببداية رمضان أو فطره إلا هذه الطريقة، لأنها التي كانت ممكنة مقدورة لجمهور الناس، دون عناء أو مشقة، فجرى ذكرها على لسان الشارع عليه الصلاة والسلام، على أنها الواقع المحسوس الملموس لدى الجميع، لا على أنها قيد احترز به عن غيره، كالحساب الفلكي الذي هو أبعد عن احتمال الخطأ والوهم والكذب في دخول الشهر، وهو الآن ميسور غير معسور، بفضل وجود علماء وخبراء فلكيين متخصصين على المستوى العالمي.
فإذا كان دخول الشهر برؤية الهلال ممكناً بإخبار شخص واحد عند الجمهور، أو اثنين عند آخرين، والذي لم يبلغ درجة القطع واليقين، فدخوله يكون ممكناً من باب أولى بإخبار متخصصين في الفلكيات الذي هو في درجة القطع واليقين. وفيه قطعٌ لدابر الخلافات التي تحدث في كل رمضان وعيد الفطر، خاصة في بلاد الهند.
6- ومنه منعه  من ادّخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام من يوم الأضحى فيما روى البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي : "من ضحّى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء". فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله! نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: "كلوا وأطعموا وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها" . وجاء في رواية عند مسلم : "إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دفت -أي القوم الذين قدموا المدينة من خارجها- فكلوا وادخروا وتصدقوا".
بهاتين الروايتين للحديث اتضح أن النهي كان لعلة زمنية، ولعلاج ظروف طارئة، حين كان بالناس جهد ومشقة، وحاجة إلى اللحم، وقد وفد عليهم وافدون محتاجون، فأصدر النبي  أمره بمنع الادخار، فلما زالت العلة زال الحكم، وإذا عادت العلة عاد الحكم، قال القرطبي وهو يردّ على من قال بالنسخ فيه: "بل هو حكم ارتفع لارتفاع علته، لا لأنه منسوخ"، ثم قال:"فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعيّن عليهم ألا يدّخروا فوق ثلاثة كما فعل النبي ".
وقد فعل ذلك علي بن أبي طالب  في وقت كان بالناس حاجة، وبهذا جزم ابن حزم الظاهري، وقال ابن حجر: "والتقييد بالثلاث واقعة حال، وإلا فلو لم تستدّ الخلة إلا بتفرقة الجميع لزم -على هذا التقدير- عدم الإمساك ولو ليلة واحدة.
7- وكذلك نهيه  عن زيارة القبور نهياً عاماً للرجال والنساء، وكان لعلة زمنية، وهي حداثة عهدهم بالإسلام، وقربهم من عهد الوثنية، فخاف النبي  على رجوعهم إلى جاهليتهم الأولى من النوح والعويل، وشقّ الجيوب، ولطم الخدود، وخمش الوجوه، وغير ذلك من عادات وتقاليد العهد الوثني، وبعد ما زال هذا الخوف برسوخ تعاليم الإسلام في قلوبهم، وتغلغلها في محيطهم سمح لهم بالزيارة فقال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تزهِّد في الدنيا وتذكِّر الآخرة." وقال أيضا: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت."
8- ومنه نهيه  عن كتابة الأحاديث فيما قال: "لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه" ، كان هذا النهي عاماً لكل الصحابة، وكان السبب الملموس لذلك الخشيةَ من التباس القرآن بالحديث، وتركيز العناية على القرآن، وحثهم على حفظ الحديث في الصدور طالما أنه المصدر الثاني بعد القرآن للتشريع، فماذا وراء موافقته على كتابة بعض الأحاديث لبعض الصحابة؟ فقد روى الإمام البخاري عن أبي هريرة  قال: "ما من أصحاب النبي  أحد أكثر حديثا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب، ولا أكتب." وقال عبد الله هذا: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ، أريد حفظه، فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله  بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: "اكتب، فوالذي نفسي بيده! ما يخرج منه إلا حق." وقد كتب عبد الله بن عمرو ألفاً من الأحادث في صحف سماها (الصحيفة الصادقة)، وبقيت هذه الصحيفة في عائلته، فكان حفيده (عمرو بن شعيب) يحدّث على أساسها، ويروي أحاديثها، وقد ضمَّن بعضها الإمام أحمد بن حنبل مسنده.
وروى البخاري ومسلم أن أبا شاه اليمني التمس من الرسول  أن يكتب له شيئا مما سمعه منه في خطبة فتح مكة في حقوق الإنسان، فأذن وقال: "اكتبوا لأبي شاه."
هناك كثير من الأخبار الصحيحة تدل على أن بعض الصحابة كتبوا أحاديث، وأن الرسول  كان يأذن لهم في ذلك، وما ذاك إلا لوثوقه بدقة هؤلاء، وعدم خوف الالتباس عليهم، في حين كان النهي لمن يخشى، أو يُخشى عليه الالتباس، وهذا يعني أن النهي كان لعلة مفهومة مقدّرة ، فإذا زالت العلة عند شخص ارتفع النهي وزال المنع، وبعبارة أخرى: هذان الموقفان من الإذن والنهي لم يكونا إلا لظروف المأذون لهم بالكتابة من أمنهم الالتباس، ولظروف المنهيين عنها مخافة الالتباس عليهم.
9- ومنه ما روي في عدد المشتركين في التضحية بالبعير. فعن ابن عباس: "كنا مع النبي  في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة سبعة، وفي الجزور عشرة" . وعن جابر : "نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة، البدنة عن عشرة." وعن مروان والمسور رضي الله عنهما في قصة الحديبية: "وساق الهدي سبعين بدنة عن سبعمائة رجل، كل بدنة عن عشرة".
فهذا الاختلاف الذي رأيناه في عدد المشتركين في البدنة في الأضحية ربما يرجع سببه إلى مراعاة تغير ثمن البدنة من واقع لآخر، ولعل هذا ما يدل عليه حديث رافع بن خديج  يقول: "كنا مع النبي  بذي الحليفة، فأصاب الناس جوع، فأصابوا إبلا وغنما، قال: وكان النبي  في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبي  بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدَّل عشرة من الغنم ببعير".
قال ابن حجر في شرح حديث رافع هذا: "قوله: ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير": هذا محمول على أن هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإبل كانت قليلة أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة أو هزيلة، بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه، ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه؛ لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين، وأما هذه القسمة فكانت واقعة عين، فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإبل دون الغنم، وحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: "أمرنا رسول الله  أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" والبدنة تطلق على الناقة والبقرة. وأما حديث ابن عباس: "كنا مع النبي  في سفر، فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة تسع، وفي البدنة عشرة" فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وعضده بحديث رافع بن خديج هذا . والذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبعة ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك.
ورجح الأستاذ سعد الدين العثماني أن ذلك تصرف منه  بالإمامة، يرعى به مصالح الأمة الاقتصادية والمعيشية، فعلى الرغم من أن الأضحية أمر تعبدي، وأن جواز الاشتراك في البقر والإبل حكم شرعي ثابت، إلا أن عدد من يمكنهم الاشتراك في بقرة أو بدنة رهينٌ بقيمتها ووضعية الثروة الحيوانية في المجتمع المسلم، ويجب على السلطات التشريعية إبداع الوسائل التشريعية والتنفيذية الكفيلة بالحفاظ على شعائر الدين وعلى ثروات المجتمع في آن واحد."
6- ما صدر سداً للذرائع:
إن الأصل في اعتبار سد الذرائع لتغيير الأحكام إنما هو النظر إلى مآلات الأفعال، فإن كانت تتجه نحو المصالح كانت مطلوبة بمقدار ما يناسب طلب هذه المصلحة؛ وإن كانت لا تساويها في الطلب. وكذا إن كانت مآلاتها تتجه نحو المفاسد فإنها تكون محرمة بما يتناسب مع تحريم هذه المفسدة. كما أن النظر في المآلات لا يكون بحسب مقصد الفاعل، بل بحسب نتيجة العمل وثمرته. وهذه القاعدة فقد وجدنا لها حضوراً لا بأس به في الأحاديث والفقه، منه امتناع النبي  عن قتل المنافقين: من المعروف أن عبد الله بن أُبيّ رئيس المنافقين الذي كان نفاقه واضحا وضوح الشمس، لا سيما بعد نـزول سورة المنافقين التي كشفت عن نيته الخبيثة المبيتة ضد الإسلام والمسلمين منددة قوله لأصحابه: لَا تُنفِقُوا عَلَى مَن عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا، وقوله: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ  (المنافقون:7-8). قوله الأخير هذا أول دعوة عنصرية إلى أن العزة للمواطنين الأصليين، وأن الذلة للمهاجرين، تلك التي يعاني منها العالم عامة، والمسلمون خاصة في العصر الحاضر رغم الأصوات المتعالية بحفظ حقوق الإنسان.
مع هذا كله قد امتنع النبي  عن عمل شيء ضده، وضد رفاقه، وقد كان النبي  يعلم بأعيان بعضهم؟ لأن الأمة كانت في حالة ضعف، كانت في حاجة إلى منعة وقوة، إلى كسب عدد كبير من الأتباع والأنصار، مما تطلب منه تحاشي أي عمل يخشى منه شق عصا الأمة الفتية، ثم قتلها في مهدها، لذلك كانت سياسته عليه الصلاة والسلام تجاهه سياسة تأليف قلب، وسياسة ممالاة، بغية تقليص ضرره على الأمة، وإبعاد التهمة بقتل أصحابه عن نفسه، كما قال لعمر: "دعه، لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" ، خشية أن يقع بسبب ذلك تنفير لكثير من الأعراب عن الدخول في الإسلام، حيث يأخذون بظواهر الأمور، ولا يعلمون بواطنها.
ومن هذا القبيل ما روته عائشة في امتناع النبي  عن قتل لبيد بن الأعصم الذي سحره في مشط ومشاطة وجف طلع نخلة ذكر، ووضعه في بئر ذروان، فقال : "يا عائشة! كأن ماءها نقاعة الحناء أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين". قلت: يا رسول الله! أفلا استخرجته؟ قال: "قد عافاني الله فكرهت أن أثور على الناس فيه شرا"، فأمر بها فدفنت . وفي رواية مسلم: "أثير على الناس شراً".
قال النووي: وأخبر أن الله تعالى قد عافاه، وأنه يخاف من إخراجه وإحرقه، وإشاعة هذا، ضرراً وشراً على المسلمين من تذكر السحر أو تعلمه، وشيوعه والحديث فيه، أو إيذاء فاعله، فيحمله ذلك، أو يحمل بعض أهله ومحبيه والمتعصبين له من المنافقين وغيرهم على سحر الناس وأذاهم، وانتصابهم لمناكدة المسلمين بذلك، هذا من باب ترك مصلحة لخوف مفسدة أعظم منها، وهو من أهم قواعد الإسلام." وقال القرطبي: "لأن ترك قتل لبيد بن الأعصم كان لخشية أن يثير بسبب قتله فتنةً، أو لئلا ينفر الناس عن الدخول في الإسلام." ومنه نهيه  عن بناء المساجد على القبور كيلا تكون ذريعة إلى اتخاذ أصحابها أوثاناً تُعبَد.
أ- عن عائشة، عن النبي  قال في مرضه الذي مات فيه: "لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا". قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا" .
ب- عن جندب  قال: سمعت النبي  قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك" .
قال القرطبي: "قال علماؤنا: ففعل ذلك أوائلهم ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أحوالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عز وجل عند قبورهم، فمضت لهم بذلك أزمان، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا أغراضهم، ووسوس لهم الشيطان أن آباءكم وأجداكم كانوا يعبدون هذه الصور، فعبدوها، فحذر النبي  عن مثل ذلك، وشدَّد النكير والوعيد على من فعل ذلك، وسداً للذرائع المؤدية إلى ذلك" .
ومنه تحريم قليل ما يسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سداً لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تتحرك شهوته، ومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من وراء حائل كما كان  يأمر امرأته إذا كانت حائضا أن تتزر، فيباشرها من فوق الإزار، وغيرها من الأمثلة.
وكما تقدم من نهيه  عن قطع يد السارق في الغزو لئلا تكون ذريعةً لالتحاقه بالكفار إن كان رجلا عادياً، وطمع العدو فيه إن كان أميراً أو قائداً، لذلك منع عمر بن الخطاب  عماله: "أن لا تقيموا حداً على أحد من المسلمين، في أرض الحرب، حتى يخرجوا إلى أرض المصالحة." وفي رواية أخرى: "أن لا يُجلدنَّ أمير جيش، ولا سرية، ولا رجل من المسلمين، حتى يقطع الدرب قافلاً، لئلا تلحقه حمية الشيطان، فيلحق بالكفار." وقال علقمة: كنا في جيش في أرض الروم، ومعنا حذيفة بن اليمان، وعلينا الوليد بن عقبة فشرب الخمر، فأردنا أن نحدّه، فقال حذيفة: أتحدون أميركم، وقد دنوتم من عدوكم؛ فيطمعوا فيكم.
ومنه منع النبي عمال الدولة (موظفيها) عن قبول الهدايا، ففي الصحيحين أن النبي  استعمل رجلاً لجمع الزكاة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي لي. فقام رسول الله  على المنبر… وقال: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه، أو في بيت أمه، حتى ينظر أيهدى إليه أم لا. والذي نفس محمد بيده! لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء به يوم القيامة، يحمله على عنقه: بعير له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تيعر. ثم رفع يديه حتى رأينا عَفْرتي إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت، مرتين."
فإن الهدية لم تقدم إلى ذلك الرجل لذاته، ولا لعلاقة خاصة بينه وبين أصحابها، ولا لأن ذلك جارٍ بينه وبينهم من قبل، وإنما أهدي له لأجل مهمته (منصبه) "عسى أن ينفعنا".
وفي هذا يقول ابن القيم: "...الوالي والقاضي والشافع ممنوع من قبول الهدية، وهو أصل فساد العالم، وإسناد الأمر إلى غير أهله، وما ذاك إلا لأن قبول الهدية ممن لم تجر عادته بمهاداته ذريعةً إلى قضاء حاجته، وحبُّك الشيء يُعمي ويُصِمّ، فيقوم عنده شهوةً لقضاء حاجته مكافأةً له..."

ثالثاً: فوائد معرفة البعد الزماني والمكاني في السنة
وبجانب ما وضعنا للتعامل مع البعدين في السنة من قواعد وضوابط، نود أن نشير هنا إلى أن لمعرفة البعدين في السنة فوائد، لا تقل إحداها أهمية عن الأخرى، منها:
1. فهم المراد من النص النبوي على الطبيعة:
ما من امرئ أكثر فرحاً من الفقيه أو شارح الحديث إذا تمكَّن من فهم مراد الحديث، لأنه يمثِّل له أثمن كنـزٍ لا يضاهيه كنـز، وللوصول إلى هذه الغاية العظمى يبذل الفقيه أو الشارح قصارى ما يملكه من قوة وطاقة، ومن ضمن جهوده التي يبذلانها في هذا السبيل محاولة وقوفهما على الظروف والحالات التي قيل فيها ذلك الحديث، وله أمثلة كثيرة في الحديث، وقد تصلح مثالاً له الأحاديث السابقة الممثلة بها في الضوابط، ولكن زيادةً عليها نختار هنا حديث: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، لا تتراءى ناراهما."
هكذا رواه ابن حزم ، ويذكره الفقهاء في كتبهم، مما تسبب صعوبة مراد الحديث؛ لأن ظاهره يحرم الإقامة في بلاد غير المسلمين بصفة عامة، مع تعدد الحاجة إلى ذلك خاصة في عصرنا الحاضر من التعلم، والتداوي، والعمل، والتجارة، والسفارة، وغير ذلك، وخصوصاً بعد أن تقارب العالم، حتى غدا كأنه قرية كبيرة كما قال أحد الأدباء.
وإذا أردنا أن نفهمه على الطبيعة يجب أن نرجع جهودنا إلى ما وراء أكثر من أربعة عشر قرنا هجرياً، فهنا نجد أن النبي  قال ذلك حينما كان في حاجة إلى النصرة وعدد كبير من الجند، يقول جرير بن عبد الله: "بعث رسول الله  سرسةً إلى خثعم، فاعتصم ناس منهم بالسجود، فأُسرِع فيهم القتلُ، فبلغ ذلك النبي ، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: "أنا بريء..."
فالحديث ليس حكماً عاماً للجميع في كل زمان ومكان، وإنما يتحدث عن رجال مخصوصين في زمن النبوة، حيث كانت الهجرة فرضاً من البلاد التي بينها وبين المدينة حالة حرب، وأما إذا تغير الوضع عما كان عليه من قبل، فلا ينطبق عليه حكم هذا الحديث.
2. تقليص الخلافات المذهبية:
إن الوعي بهذين البعدين في السنة يعين على تقليص الخلافات بين الأئمة، مثلا:
لقد أوجب النبي  التساوي في ستة أصناف من الأموال الربوية، أربعة منها بالكيل، وهي البر والشعير والتمر والملح، واثنان منها بالوزن، وهما الذهب والفضة. فاختلف العلماء فيه على قولين: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن كل شيء نص الرسول  على تحريم التفاضل فيه كيلاً فهو مكيل أبداً؛ وإن ترك الناس الكيل فيه، وكل ما نص على تحريم التفاضل فيه وزناً فهو موزون أبداً؛ وإن ترك الناس الوزن فيه.
وذهب أبو يوسف إلى اعتبار العرف على خلاف المنصوص عليه، لأن النص إنما كان للعادة في ذلك الوقت، وقد تبدلت فيجب أن يثبت الحكم على وفق العادة الجديدة. ولما كان مذهب أبي يوسف أوفق لجميع العصور قبله علماء العصر الحاضر على اختلاف مذاهبهم، وبذلك هم قضوا على الخلاف الموجود سابقاً. مثال آخر: ما ذكر من اختلاف الأئمة في أمره  بقتل شارب الخمر في الرابعة، فعن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول الله : "من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه."
اختلف العلماء في هذا الأمر على أربعة أقوال: أولها أنّ الحديث منسوخ. قال به الإمام الشافعي، والترمذي، والخطيب البغدادي، والطحاوي، والثاني أن الحديث محكم غير منسوخ. قال به عبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة، وابن حزم، والسيوطي، والثالث تأويل ابن حبان بأن معناه إذا استحل ولم يقبل التحريم، أما القول الرابع فقد ذهب بعضهم إلى أنه من باب التعزيز الذي يفعله الإمام عند الحاجة. حكاه ابن تيمية قولاً للشافعي وأحمد، وقال: "وهو أظهر," وهذا قول ابن قيم الجوزية، وأكد أنه لم ينسخ، ولم يجعله النبي  حدا لا بد منه، بل هو بحسب المصلحة إلى رأي الإمام. ولو نظر في هذه القضية بأنه تعزير صدر عنه  بوصفه إماماً ليحل الخلاف بسهولة.



3. تبرئة الإسلام وحملته من اتهامات جائرة:
مثل الحديث الذي رواه أنس بن مالك  قال: قال النبي : "الأئمة من قريش."
عند فهم الحديث في ضوء ملابساته وظروفه جاء تفسيره في رأي ابن خلدون بأنه  راعى ما كان لقريش في عصره من القوة والعصبية التي عليها تقوم الخلافة أو الملك. فأرجع ابن خلدون اشتراط القرشية إلى الكفاءة المتواترة في قريش لدفع التنازع وجمع الكلمة، فإذا توفرت تلك الكفاءة في غير القرشي فهو أحق بالإمامة أو الإمارة من القرشي الذي يفقدها، فعلى هذا أصبح معنى الحديث "الأئمة من الأكفاء" لا غير.
4. إزالة التعارض:
لقد وظَّف الإمام الشافعي التعرُّفَ على البعد الزماني والمكاني لنفي التعارض بين الأحاديث، يقول: "ويسن في الشيء سنة، وفيما يخالفه أخرى، فلا يخلِّص بعض السامعين بين اختلاف الحالين اللتين سن فيهما" . وأوضح في "اختلاف الحديث" في أماكن عديدة أن عدم معرفة ذلك يؤدي إلى ظن التعارض بين الأحاديث . ومن أمثلته:
ما ورد في باب استقبال القبلة للغائط والبول عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال: رسول الله : "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا". فقال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت مستقبل القبلة، فننحرف عنها ونستغفر الله" .
وورد في حديث عبد الله بن عمر أنه كان يقول: إن ناساً يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس. فقال عبد الله بن عمر: لقد ارتقيت يوماً على ظهر بيت لنا فرأيت رسول الله  على لبنتين مستقبلاً بيت المقدس لحاجته.
ظاهر الحديثين السابقين يفيد التعارض بينهما، ولكن إذا عرفنا أن الحديثين لظرفين خاصين، فحديث أبي أيوب لمن يقضي حاجته في الصحراء حيث لا ستر ولا حاجز بينه وبين القبلة، وحديث عمر لمن في البيوت حيث لا استقبال مباشر للقبلة أو استدبارها، فلا تعارض، ولا اختلاف بينهما. قال الإمام الشافعي ما معناه: إن النهي إنما كان للعرب في الصحارى، حيث تتسع لهم في الانحراف، أما في مراحيض المنازل والبيوت فقد لا تتسع لذلك فلا يدخلها النهي. وفي المسألة أقوال أخرى أيضاً، ورجح الأئمة الأحناف، والإمام الشوكاني، والشيخ الألباني المنع سواء كان في الصحراء أو البنيان.
5. إزالة الإشكال:
مثل حديث: "إن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه"، أخرجه الشيخان عن عمر بن الخطاب .
استشكلته أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، وحلت ذلك الإشكال بما كانت تعرفه من البُعد الذي قيل فيه هذا الحديث كما رواه الإمام مسلم، قالت: رحم الله أبا عبد الرحمن، سمع شيئا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول الله  جنازة كافر وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وإنه ليعذب. وفي رواية: "إنما مر رسول الله  على يهودية يبكى عليها، فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها" متفق عليه. وفي رواية لهما: "يرحم الله عمر، لا والله ما حدث رسول الله  إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله". ولفظه في مسلم: ببكاء الحي عليه. وقد أخرجاه من رواية ابن مليكة عن ابن عمر، وفي آخره: قالت عائشة: "والله ما حدث رسول الله : ليعذب المؤمن ببكاء أهله، ولكن رسول الله  قال: "إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه."

رابعاً: كيف يُعْرَفُ البعد الزماني والبعد المكاني؟
يعرف البعدان بعدة طرق، أولها بالحديث نفسه؛ كما عرفنا في حديث سلمة بن الأكوع في المنع من ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام من يوم الأضحى فيما روى البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: قال النبي : "من ضحّى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء". فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله! نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال:"كلوا وأطعموا وادخروا؛ فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها." وجاء في رواية عند مسلم : "إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دفت -أي القوم الذين قدموا المدينة من خارجها- فكلوا وادخروا وتصدقوا".
ويعرف البعدان بجمع طرق الحديث وألفاظه فيها كما حصل في حديث رافع بن خديج أن النبي  نهى عن كراء المزارع. هكذا رواه أبو رافع دون أن يذكر مناسبة هذا النهي. وقال زيد بن ثابت: يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتى رجلان قد اقتتلا، فقال رسول الله : "إن كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع"، فسمع رافع قوله: "لا تكروا المزارع." فواقع النهي ليس مطلقاً كما يفهم من حديث أبي رافع، بل هو كما ذكر زيد بن ثابت أنه كان بسبب خصام الرجلين لأنهما قد اكتريا بما ينبت، وهو مجهول، وأما الكراء بمعلوم فلا يتناوله النهي، لذلك أجازه الجمهور.
ويعرف البعد الزماني والمكاني للحديث بالتأمل في متعلقاته ومثاله حديث أبي سعيد الخدري  في النهي عن كتابة غير القرآن كما تقدم، فواقع النهي غير مذكور في هذا الحديث، ولا في طريق آخر من طرقه، ولا في شاهد من شواهده، ولكن بالتأمل في متعلقاته وملابساته عرفنا أن واقعه هو إما ندرة الكُتَّاب وأدوات الكتابة، أو أن أكثر المسلمين سُذَّج لا يفرقون بين القرآن والحديث، فضلاً عن خوف التباس القرآن بالحديث، وإذنه لبعض الصحابة.
وأخيراً يمكن أن يعرف البعد الزماني والمكاني للحديث من خلال عمل الصحابة: كما حصل ذلك في حديث ضالة الإبل.

خاتمة
تبين من خلال هذه الجولة أن السنة النبوية ليست كلها خاضعة للزمان والمكان، ولا كلها متسمة بالأبدية والثبات، بل منها ما هو أبدي ثابت وهو أكثرها، وهي تشمل ما يتعلق منها بالعقائد، والعبادات الأصول، والمبادئ العامة للأنظمة الإسلامية في المعاملات والحكم والقضاء وغيرها، والأخلاق والقيم، والسنن الإلهية. ومنها ما هو تابع للزمان والمكان، يتغير التعامل معها حسب تغير الزمان والمكان، وهي تشمل ما يتعلق منها بالفروع من العبادات، والتطبيقات العملية للمبادئ العامة، وما صدر عنه  باعتباره حاكما وإماما، وما جاء منها مبنيا على السياسية الشرعية، وما كان منها على سبيل التجارب البشرية أو الأعراف والعادات، والأفعال الجبلية للنبي  والعادية، والأوامر الإرشادية. والتي قد يؤثر فيها الزمان والمكان هي خاضعة لإحدى القواعد الست حسبما وصل إليها البحث، وهي: الضرورات تبيح المحذورات؛ وما أنيط منها بأوصاف متغيرة فيتغير حكمها بتغير تلك الأوصاف؛ ما ارتبط منها بمصالح متغيرة فيتغير حكمها بتغير تلك المصالح؛ وما بني منها على الأعراف والعادات فيتغير حكمها بتغير تلك الأعراف والعادات؛ وما ارتبط منها بالزمان والمكان فيتغير حكمها بتغير الزمان والمكان؛ وأخيراً ما صدر منها سداً للذرائع.
وتكميلاً للبحث تطرق لبيان فوائد معرفة البعد الزماني والمكاني في السنة، ومنها: فهم المراد من النص النبوي على الطبيعة، وتقليص الخلافات المذهبية بقدر الإمكان، وتبرئة الإسلام وحملته من اتهامات جائرة، وإزالة التعارض بين الأحاديث، رفع الإشكال من الأحاديث.
كما عرَّف البحث بطرق معرفة البعد الزماني والبعد المكاني للحديث، منها الحديث ذاته، أو الطرق الأخرى للحديث، أو التأمل في متعلقات الحديث، أو عمل الصحابة.
ومع ما بُذِلَ في إعداد هذا البحث من جهد ومحاولة لوضع الحد من الإفراط والتفريط في تأثير الزمان والمكان فيها وعدمه، لا نتوقع أن يكون هذا البحث قد جاء بالقول الفصل في هذا الموضوع، وذلك لأن البحث:
أولاً: قد اتُّبِعَ فيه منهجٌ غير منهج الذين تناولوا الموضوع، فنظروا في القضية بتقسيم حيثية النبي  إلى كونه مبلغا أو قاضياً أو مفتياً أو إماماً أو بشراً كما فعل القرافي وعلال الفاسي والدهلوي وغيرهم، ونظر هذا البحث إلى هذه القضية بتقسيم مجالات السنة إلى ما يؤثر فيه الزمان والمكان، وما لا يؤثر فيه الزمان والمكان؛ لأنه رأى هذا التقسيم أجمع وأشمل للقضايا الظروفية.
وثانياً: أن الضوابط التي وضعها البحث قد يختلف أحد معه فيها، ولكن الأمر الملاحظ فيها تلك الأمثلة الكثيرة التي ذكرت تحت تلك الضوابط، فإنها -على الأقل- قد أسهمت في إثارة الموضوع، ودلت دلالة واضحة على أن ثمة أحاديث روعيت فيها الظروف الزمانية والمكانية، ودعت الباحثين إلى النظر فيها بالنظرة الزمانية-المكانية، مما يقتضي من علماء الحديث أن يصنفوها تصنيفاً لائقاً تحت قواعد وضوابط تحاشياً للتفريط والإفراط المشار إليهما في البحث؛ لأن المقصود خدمة الشريعة بصفة عامة، والسنة النبوية بصفة خاصة.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 523   عدد الاصوات: 90 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: