|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 025 > بحوث ودراسات

"الأيديولوجيا" في الفكر العربي المعاصر ومُركّب الأزمات والحلول

سعيد شبار

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 1691   عدد الاصوات: 98 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
   
إطار نظري للبحث
للبحث في موضوع "الإيديولوجيا" مبررات عدة، خاصة إذا تعلق الأمر بمجال تداولي هو الفكر العربي والإسلامي المعاصر، الذي عرف اجتياحا منقطع النظير من المفاهيم والمصطلحات محملة بدلالاتها ومضامينها ذات الخصوصية الثقافية الغربية. ويكون الأمر أكثر خطورة إذا علمنا –ومن خلال التتبع- أن نشاط المروجين لهذا النمط من المفاهيم والمصطلحات هو أكثر بكثير من نشاط الداعين إلى النهضة الذاتية بالمقومات الفكرية الذاتية أولا.
وإذا كانت العقلانية والعلمانية، والديمقراطية، والليبرالية، والقومية، والبنيوية، والحداثة وما بعدها، والعولمة... إلخ، مفاهيم تحمل نزعات "فِكرَويّة" تعكس تمركزاً حاداً حول مضامينها الثقافية الغربية المشروطة بسياقاتها التاريخية وتحولاتها الاجتماعية لدى دعاتها؛ فإنـها، عمليا، استطاعت أن تتحول إلى تيارات فكرية وسياسية منظمة، كان أغلبها ولا يزال عنصر تجزئة وتفتيت في الأمة، تستند في أطروحاتها إلى هذا الذي تسميه "أيديولوجيا"، والذي يشكل مرجعيتها النظرية والتصورية. وكل يحدد "أيديولوجيته" حسب مقاساته وطموحاته.
كان هذا هو الدافع إلى البحث في "الأيديولوجية" مصطلحاً ومفهوماً، وفي آثارها على الساحة الفكرية العربية والإسلامية للوقوف على بعض أضرارها وسلبياتها وذلك بالاستناد إلى أطروحات مروجيها ومستعمليها عفواً وقصدا. هذا مع ما أمكن توجيهه من ملاحظات وتقويمات نقدية في هذا الاتجاه.
فكان المبحث الأول خاصا بالتتبع التاريخي لدلالات المصطلح والمفهوم الفكرية والسياسية والاجتماعية في سياقها الغربي، مجالها التداولي الأول، حيث نشأت وتأسست. وكان المبحث الثاني خاصاً بتداول المفهوم في المجال الثقافي العربي والإسلامي الذي انتقلت إليه واستعمالات هذه المفهوم.
في تعريف المصطلح والمفهوم
لو رجعنا إلى معاجم وموسوعات أجنبية تعرّف اللفظ، لوجدنا أنه لفظ غير مستقر على مفهوم محدد واستعمال معين، فهو لفظ محتمل لمفاهيم لا حصر لها. إلا أن الوصف القائم باللفظ في غالب استعمالاته، وصف سلبي قدحي، يعبر عن عدم الوضوح والبيان؛ فهو وعي "كاذب، زائف، وهم، حلم..". حتى إنه ليصحّ عليه لغة ما حددته معاجم اللغة العربية**، بأنه "سير وتنقل في الظلام". يحمل اللفظ مع كل اتجاه فكري أو "طبقة"، بل مع كل شخص أو "رغبة"، معنى ولونا تتجاذبه مصالح وطموحات. كل ذلك في سيرورة تاريخية مليئة بأشكال معقدة من التطورات الفكرية، والتحولات السياسية والاجتماعية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر على الخصوص "عصر فلسفة الأنوار".
هذا مع أن مصطلح "الأيديولوجيا"، "لم يبدأ كمصطلح للتهمة، كما أنه في الاستعمال المتداول ينأى بعيدا عن أية مضامين أو تضمينات تفيد معنى التعريض أو الإدانة. فالمصطلح يعادل أو يقابل أية مجموعة مترابطة من المعتقدات السياسية المتسقة ذاتيا. ولكن وفي منتصف الطريق، ومع ما خلعه كارل ماركس على المصطلح من استعمال، دل مصطلح "أيديولوجيا" على وعي زائف بالحقائق الاجتماعية والاقتصادية، ووهم أو ضلال جمعي يتقاسم الوقوع فيه أفراد طبقة اجتماعية معينة... وهكذا لم يصبح المصطلح إهانة وإدانة فحسب، بل مصطلحاً ضخمت فيه الإهانة بفعل نظرية مثيرة مهيجة لم يقر بها القرار بعد على مستقر فلسفي" .
فقد "أبدعت كلمة "أيديولوجيا" من طرف دستوت دوتراسي (Destott de Tracy)، أواخر القرن الثامن عشر، وكان يهدف إلى تعيين علم الظواهر العقلية، الذي ارتأى أن نشوءه أصبح لازماً إلى جانب الفلسفة المادية عند دولباخ (D’holbach) وهلفيتيوس
((Helvétius والفلسفة الحسية عند كونديلاك (Condillac).." . فهي "علم موضوعه دراسة الأفكار (آثار الوعي بالمعنى العام)، خصائصها وقوانينها وعلاقاتها بالرموز التي تمثلها وخاصة مصادرها وأصولها" و"الأيديولوجيون هم جماعة فلسفية وسياسية، أهم ممثليها دستوت دوتراسي، وكبانيس (Cabanis)، وفولني (Volney)، وكرات (Carat)، ودونو (Daunou). يقول دوتراسي بـ"أيديولوجوي" Idéologiste يبدو أن كلمة "أيديولوجي" Idéologue أبدعت ضمن جو يطبعه الاستخفاف بالقيم... ، بالمعنى القدحي: تحليل أو نقاش أجوف بأفكار مجردة لا تمتّ إلى الواقع بصلة.. مذهب يلهم حكومة أو حزبا.. ، "فكر نظري يعتقد أنه يتطور مجرداً عن معطياته الخاصة، لكن في الواقع هو تعبير عن وقائع اجتماعية خاصة الاقتصادية منها، والتي لم يعها من قام بها أو على الأقل لا يدرك أنـها تحدد فكره. وهو معنى متداول في الفكر الماركسي بكثرة"، وكان ماركس يسمى "أيديولوجي" (في مقابل الوقائع الاقتصادية)، "ما هو تمثل أو اعتقاد، نظام فلسفي أو ديني" .
الأيديولوجيا أيضا "نظام (له منطقه ودقته الخاصين) من التمثلات (صور، أساطير، أفكار أو مفاهيم حسب الحالات). يتمتع بوجود ذي دور تاريخي داخل أي مجتمع.." ، و"يجدر بنا ملاحظة غموض جوهري في استعمال كلمة "أيديولوجيا"، فهي تستعمل بمعنى محايد، كي لا نقول تقريضي، وتستعمل أيضا بمعنى نقدي (قدحي). يشير ريمون آرون إلى التذبذبات في الاستخدام العادي بين التوظيف القدحي، النقدي أو السجالي – الأيديولوجيا كفكرة زائفة تبرر المصالح والطموحات – والتوظيف الحيادي، وتحديد موقف دقيق بشكل أو بآخر تجاه الواقع الاجتماعي أو السياسي، والتأويل المنظم في حدود ما، لما هو مرغوب. بشكل عام كل خطاب فلسفي يسمى أيديولوجي. هنا تصبح الأيديولوجيا تقريضية مدحية وليس قدحية" .
ونعود مرة أخرى إلى مبدع الكلمة الأول دستوت دو تراسي، إذ يقول: "في اللحظة التي صاغ فيها.. عام 1706 الكلمة الفرنسية Idéologie، كان لديه و(لدى) رفاقه ما يدعوهم إلى الأمل في أن ما أنشأوه من "علم للأفكار" كان خليقا بأن يؤدي إلى إصلاحات في المؤسسة الاجتماعية بدءا بعمل إصلاح جذري شامل في قطاع المدارس بفرنسا.. ، ولفترة من الوقت تحقق لجماعة الأيديولوجيين وضع رئيسي فاعل في مجال صنع وتشكيل السياسة بين دوائر الصف الثاني من صفوف المعهد القومي Institute National.... ولسوء الحظ كان مقدراً عليهم الاصطدام بأهداف نابوليون بونابارت ونواياه الخفية... [حيث] شرع نابوليون في العمل على إلغاء الجماعة والقضاء عليها، وذلك أثناء العمل على إعادة تنظيم المعهد (1802-1803) فأصدر أوامره باستبعاد عناصر الجماعة بوصفهم أناسا حالمين مغرقين في الخيال بعيدين عن الواقع، وعمل على اضطهادهم والسخرية منهم بمرارة مطلقا عليهم اسم "أصحاب النظريات الواهمة" Idéologues" .
هذه تعريفات مختلفة، قد لا يبدو بينها من الانسجام التام ما يكفي، ولهذا مبرره في تضارب أو توافق التعريفات نفسها. وعلى كل فهي تراوح بين تقرير الوصف القدحي، التعريضي، الزائف.. للأيديولوجيا، وبين محاولات نفي هذه الأوصاف عنها، ولو في نشأتها الأولى على الأقل. لكن أصحاب هذا الاتجاه ينتهون هم أيضا إلى تقرير تلك الأوصاف وتبنّيها. فالمصطلح لم يعمر في جو "الصفاء أو النقاء" المفهومي إلا قليلاً.
في خطوة تالية من التعريف، سنحاول الوقوف على تطورات المصطلح حسب التيارات الفكرية أو "الطبقات الاجتماعية" والمعاني التي كان يحملها مع كل اتجاه، وفي كل مرحلة. ولعل أول محطة مهمة ومؤثرة في المصطلح بشكل قوي، هي مع كارل ماركس، الذي اعتبره البعض مَنْ "أعطى لكلمة أيديولوجية الأهمية التي تكتسيها اليوم في كل ميادين البحث" ، وأنه "هو المفكر الذي أحيا –بظهور كتابه "الأيديولوجيا الألمانية"- استخدام هذا التعبير الذي امتد استخدامه إلى وقتنا هذا" . ومع تبني ماركس "المنحى النابوليوني في استعمال مصطلح "الأيديولوجيا" بما في ذلك من تلميحات الازدراء والاستخفاف" ، فقد أصبح مفهوم الأيديولوجيا –معه- يعني "الوعي الزائف" الذي يتحكم في إنتاجه الموقع الطبقي للأطراف الاجتماعية. فحقيقة العلاقات الاجتماعية تظهر لهم مشوهة بسبب مصالحهم، وبصفة عامة بسبب وضعهم داخل نظام الإنتاج" . و"طبقا لما يقول به ماركس، فإن كل أيديولوجيا تحتوي على معتقدات توجه سلوك الآخذين بها، وأن كل طبقة اجتماعية معتنقة لأيديولوجيا من الأيديولوجيات، إنما تفعل ذلك لأن الأيديولوجيا التي تعتنقها تناسب أو تلائم منظومة معينة، وإن تكن مؤقتة، من النظم الاقتصادية" . وقد استخدم ماركس الأيديولوجيا "في أغلب الأحيان كوصف، فهو يتحدث عن: الأيديولوجيا الألمانية، أو أيديولوجيا الجمهور، أو الموقف الأيديولوجي، أو الأيديولوجيا البرجوازية ... ولكنه لم يحدد أو يقدم تعريفا للأيديولوجيا.." . "ومنذ ذلك الحين، فإن من يستخدم تعبير الأيديولوجيا من المفكرين يحدد له مفهوماً خاصاً به" . وبالنسبة لماركس فـ"الأيديولوجيا هي مكونات البناء الفوقي.."، هي "الوعي الزائف الناتج من التكوين الطبقي للمجتمع، والذي يؤدي إلى ستر التناقضات الطبقية وبالتالي يساعد على إمكانية استمرار وضع الاستغلال.." .
إن الماركسية وهي تنتقد الأيديولوجيا البرجوازية، والمثالية الألمانية.. وتتبنى هموم الطبقة البروليتارية والشغيلة، وتقدم نفسها في ذلك كله كـ"علم"، لم تسلم بدورها من النقد وبنفس بالسلاح نفسه، خاصة من طرف الاجتماعيين الألمان الذي ذهبوا إلى أن "الماركسية تقرر أن الأيديولوجيات كلها طبقية، ولكنها لا تطلق هذا الحكم على ذاتها، فإنـها تدعي أن البروليتارية طبقة كونية، بمعنى أنـها لا تمثل طبقة جديدة مثل الطبقات السابقة، بل تمثل انحلال كل الطبقات فيها. إلا أن الحكم ميتافيزيقي، لأن الواقع المشاهد هو أن الشغيلين يمثلون طبقة بجانب الطبقات الأخرى، والدليل على ذلك أن الأحزاب الاشتراكية الماركسية لا تنفك تدعو العمال إلى مستوى الوعي الطبقي الصحيح، وتعني الدعوة أن الطبقة الكونية مثل أعلى وليس واقعا" . فـ"الماركسية إذن تخدم مصالح الطبقة الشغيلة، فهي أدلوجتها كما كانت الليبرالية أدلوجة الطبقة الوسطى، والمسيحية أدلوجة الإقطاع في القرون الوسطى.." .
وتستعيد الأيدولوجيا مع لينين، وهذه محطة أخرى مهمة في تطور المفهوم والمصطلح، معنى إيجابيا يبتعد عن الاستعمال الماركسي السلبي لها. "فالأيديولوجيات [عند لينين] تُعَدُّ جزءا من مجموعة متناقضات الصراع الطبقي.." . "ففي الوقت الذي أعطاها فيه ماركس معنى معرفيا سلبيا، فإن لينين اعتبر الأيديولوجيا هي مجموع أشكال المعرفة والنظريات التي تنتجها طبقة معينة للتعبير عن مصالحها. وبالتالي، فكما أن هناك أيديولوجيا برجوازية، فإن هناك أيضا أيديولوجيا بروليتارية، وبذلك ارتبطت الأيديولوجيا بالطبقة بصرف النظر عن تقييمها المعرفي... وأصبح من الممكن التحدث عن أيديولوجيا علمية، وأخرى غير علمية، بعد أن كان العلم نقيض الأيديولوجيا عند ماركس" . شرع لينين "ابتداء من سنة 1900 في استعمال كلمة "نحن الأيديولوجيين"، وبالتالي لم تبق "الأيديولوجيا في فكر الآخر فكر الخصم، بل هي فكرنا نحن أيضا. وهذا ما سيخرج بـها من إطار الصراع السياسي إلى مستوى التحليل السوسيولوجي" . "جمع لينين تحت هذا الاسم تيارات فكرية متناقضة، فنراه مثلاً يعرف الاشتراكية بأنـها "أيديولوجيا نضال البروليتاريا الطبقي" مع العلم أن ماركس وإنجلز لم يتكلما إطلاقا عن "أيديولوجيا اشتراكية". ونراه يتكلم عن "أيديولوجيا البرجوازية المناهضة للثورة"، وزيادة على ذلك يستخدم مصطلح النظرية حيث كان ينبغي أن يستخدم مصطلح الأيديولوجيا بالمعنى الماركسي. فيتحدث عن "نظرية الشعبيين"، و"نظرية الفوضويين". لقد وحد لينين بين مصطلح النظرية ومصطلح الأيديولوجيا" . و"هذا الاستعمال المتباين من قبل ماركس ولينين هو أحد أهم أسباب الخلاف في الأوساط الماركسية حول تحديد مفهوم الأيديولوجيا، وحول مدى انطباقه أو عدم انطباقه على الماركسية" .
هناك العديد من الرموز الفكرية، في الفكر الماركسي خصوصا ممن أعطوا للأيديولوجيا مفاهيم ومعان متعددة، نذكر منهم وبسرعة الماركسي المجري لوكاتش "الذي أصدر عام 1922 كتابه الشهير "التاريخ والوعي الطبقي"، حيث يرى أن الأيديولوجيا هي الوعي الطبقي، وأن الوعي الطبقي نتاج البناء الفوقي ومساو له، وبالتالي فإن لكل طبقة أيديولوجيا. وهو في هذا ينتمي إلى خط لينين إلا أنه أعطى للوعي الطبقي أو الأيديولوجيا دوراً في التأثير على القاعدة الاقتصادية، أي رفض اعتبارها نتاجاً جانبياً غير مؤثر في القاعدة …، ويرى أن الوعي الحقيقي غير الوعي المحتمل، وأنه هو الذي يعبر عن الدور التاريخي للطبقة. … [فـ] مفهوم الأيديولوجيا عنده يحتوي على أصول ماركسية وأخرى لينينية" ، هي باختصار "وعي وإدراك الملموس، سواء كان ذلك في ميدان الفلسفة أو العلم أو المنطق" .
وعند أنطونيو غرامشي في نـهاية العشرينات من القرن، كانت الأيديولوجيا "تساوي الفلسفة وتساوي النظرة الكونية الشاملة، وتساوي السياسة، أي مجمل الأفكار التي تحرك مجتمعا ما، أو تكون أساساً لوجوده وحركته. وهي لا تشمل فقط النظريات والأفكار العامة، بل تشمل كذلك كل أنساق القيم والمعتقدات (…). لقد أعطى غرامشي الأيديولوجيا والبناء الفوقي استقلالية وقدرة على التأثير على البناء التحتي، واعتبر الأيديولوجيا بناء مكوناً من العديد من العناصر المتناسقة المشدودة بعضها إلى بعض في وحدة بنائية واحدة تتمحور حول عنصر أيديولوجي طبقي.." .
والأيديولوجيا عند المفكر الفرنسي التوسير في ستينات هذا القرن لا تعبر عن العلاقة بين الناس وظروف وجودهم، ولكنها تعبر عن الطريقة التي يعيشون بها العلاقة بينهم وبين ظروف وجودهم. وبالتالي لا يشترط أن يكون التعبير صحيحا أو زائفا أو مشوّها. ولكنه خليط من كل ذلك. وأن لها وجوداً مادياً وتتجسد في مؤسسات وأجهزة أسماها أجهزة الدولة الأيديولوجية.." .
ويلخص التوسير تحليله بهذه العبارة: "إن مفهوم الذات أساس كل أدلوجة، بقدر ما الوظيفة تحدد الأدلوجة، هي تحويل "للأفراد إلى ذوات" . يرى التوسير "أن العلم نقيض الأيديولوجيا، وأن المعرفة تبدأ بالأيديولوجيا، ويتعين تخليصها منها وإحلال العلم محل الأيديولوجيا، وهو ما يسميه بالانقطاع المعرفي. وهو في هذا يختلف مع كل من ماركس وغرامشي. فمن زاوية ماركس: لا يحل العلم محل الأيديولوجيا، ولكنه يكشفها فقط، وإن تغير الواقع هو الذي يقضي عليها. ومن زاوية غرامشي، فإن فكرة الانقطاع المعرفي تتناقض مع فكرة التحليل والتركيب السابق الإشارة إليها في تكوين الأيديولوجيا.." .
محطة أخرى وأخيرة مع كارل مانـهايم في النصف الأول من القرن الحالي، الذي "يعتبر تفسيره للوعي الأيديولوجي حتى الآن هو السائد في الغرب*.. عالج مسألة العلاقة بين الأيديولوجيا والمجتمع، والأيديولوجيا والعلم، خاصة في كتابيه، سوسيولوجيا المعرفة 1927، والأيديولوجيا والأوتوبيا 1929، فـ"العلم بالنسبة لمانـهايم موضوعي، لأنه حيادي وبعيد عن العاطفة، بينما تبقى الأيديولوجيا لتحيزها ولطابعها الطبقي ذاتية ومشوهة للعلم الحقيقي حول الواقع" . ميز مانـهايم بين نوعين من الفكر الاجتماعي المشوه "الأيديولوجيا والأوتوبيا"، أو بتعبير آخر بين "الأدلوجة والطوبى"، فـ"عرف الطوبى بأنـها نوع من التفكير يتمحور حول تمثل المستقبل واستحضاره بكيفية مستمرة. وعرف الأدلوجة بأنـها التفكير الذي يهدف إلى استمرار الحاضر ونفي بذور التغيير الموجودة فيه.." . وتنقسم الأيديولوجيا عنده إلى "تعبير أيديولوجي "انفصالي انعزالي"، وآخر "جماعي"، يأخذ الإنسان بالنوع الأول عندما تنظر فئة اجتماعية معينة إلى "الأفكار" و"التصورات" المعينة للخصم على أنـها تصورات تشوه الواقع بصورة واضحة (بالكذب والتحريف والخداع..). أما تعبير الأيديولوجيا الجماعي" فيتم استعماله لوصف "الهيكل الفكري الجماعي الكامل" لفئة اجتماعية أو لمرحلة كاملة على أنـها مشوهة (...). أما النظريات الاجتماعية للفئات الاجتماعية المعارضة أو المضطهدة، فإن مانـهايم يصفها على أنـها أوتوبيا" .
"يرى مانـهايم أن الأيديولوجيا في حقيقتها تعبير يستخدم لاتهام المعارضين من وجهة نظر طرف يعتبر أن أفكاره تعبر عن الحقيقة المطلقة التي لا تتأثر بموقع معين في المجتمع، أو بمرحلة تاريخية معينة، ويرى أن الماركسية ينطبق عليها القول نفسه، وأن ماركس لم يصل إلى نـهاية المنطقية التي يتعين أن يوصله إليها تفكيره بحكم وضعه الاجتماعي وانحيازه الاجتماعي.."، ولهذا سعى مانـهايم إلى "تخليص المعرفة من الفكر الأيديولوجي ليترك مكانه لعلم اجتماع المعرفة الذي يعترف بالتأثير الحضاري والاجتماعي في نشوء المعرفة" . سعى مانـهايم إلى "استبدال "العقيدة الأيديولوجية" بما يسمى بسوسيولوجيا المعرفة (...) لاعتقاده أنـها تقدم حلا لمسألة نسبية المعرفة الاجتماعية، كما أنـها تنفي التحليل المتحزب "الوحيد الجانب".." *.
ليس الغرض من إيراد هذه التعريفات مجردة أو مرتبطة بأشخاص، مناقشتها والتعليق عليها. فهذا لا يهمنا كثيراً في سياق تطور الفكر الغربي، ولعل النصوص المتقدمة قد حوت شيئا من ذلك. وقد حرصت على انتقاء هذه التعريفات من مصادر ومراجع مختلفة ومتنوعة، وغالب ما آخذه منها هو ما تكاد تجمع عليه الآراء والأقوال.
الغرض مما تقدم إذن هو بيان مشكلات المصطلح والمفهوم في بيئته، والاضطراب الحاصل فيه وحوله. هل الأيديولوجيا "بناء فوقي" نظري مجرد ومعزول عن توجيه "البناء التحتي" والتأثير في الواقع العملي، أم لها القدرة على ذلك التوجيه والتأثير؟ هل هي إفراغ مجرد لواقع طبقي معين، أم هي علم ومعرفة وعقائد ونظريات تصنع ذلك الواقع؟ هل هي كونية شاملة.. أم لها خصوصيات طبقية ونخبوية معينة؟ هل هي منهج أو موضوع؟ هل تُعنى بالذات فقط، أم بالآخر فقط، أم بهما معا؟ هل عناصرها ومكوناتها إيجابية أم سلبية أم خليط من هذا وذاك؟ إلخ.
هذه التساؤلات وغيرها كثير، كانت مدار الخلاف والنقاش - كما لاحظنا من خلال النماذج التعريفية- الذي ساد بحدة قرنين من الزمان على الأقل (الثامن عشر والتاسع عشر)، كانا بمثابة مخاض عسير لميلاد المصطلح ودلالاته المتعددة واللامتناهية. وقد حمل هذا أحد الباحثين على تسمية القرن التاسع عشر خصوصا بـ"عصر الأيديولوجيا"، وجعله عنواناً لمؤلفه حيث عرض لكبار الفلاسفة والمفكرين الذي ظهروا في هذا القرن، ولضخامة الأفكار الفلسفية وتنوعها وتعقدها، لدرجة "يصعب على المرء صعوبة بالغة أن يجد مبحثاً أو مسألة كبرى ركز عليها كبار مفكري تلك الفترة اهتمامهم (...) وأن مجرد تجاور أسماء المشاهير من أمثال هيجل ونيتشه، ماركس وميل، كونت وكير كغارد.. يبرز حالا إلى الذهن خلافات لم يسبق لها مثيل، لا تقتصر على الأسلوب والمزاج فقط، بل تضرب أيضا في الأرضية وفي المنهج. ففي القرن التاسع عشر نـهضت سلالات فلسفية كاملة في سنوات قليلة ثم سقطت. وسرعان ما غدت مصطلحات المدرسة الواحدة معميات في نظر المدارس الأخرى. وما إن أشرف القرن على نـهايته حتى ازدادت الحدود تداخلاً واختلاطاً، وأصبح من المستحيل عملياً تصنيف الفلاسفة تصنيفات مفيدة غير مظللة.." . بل يذهب الكاتب إلى حد التصريح بقوله: "لا يقتصر رأيي على أن معظم العقائد البارزة والمؤثرة لفلاسفة القرن التاسع عشر هي في جوهرها أيديولوجية الطابع فحسب، بل أرى أنه منذ "كنت" تزايد الوعي بأن المهمة الأولى للنقد الفلسفي لا تمت بصلة إلى "العلم" في معنى من المعاني المألوفة لهذا الاصطلاح، بل تمت إلى شيء لا تلائمه غير كلمة "الأيديولوجيا"
وإنه لبديهي، بعد هذا، أن نتساءل مع المتسائل، ونجيب معه أيضا: "أي جديد يمكن أن نقوله عن الأيديولوجيا؟ الجواب: لا شيء! ليس بالإمكان تقديم أي تعريف لم يسبق أن اقترح وسجل في مجموعة لا تزال تتسع وتتزايد حتى إن أحداً لا يستطيع في الوقت الحاضر أن يدعي أنـها كاملة بحوزته، وأن استعمال هذه الكلمة بما فيه أحيانا استعمالها النظري قد وصل إلى حد يعفي من أي تحديد أو تعريف. فالكاتب يكتب (أيديولوجيته) وعلى القارئ أن يفعل الباقي (...). وكان فولكييه يؤكد أن من أقل تعاريف الأيديولوجيا سوءا، التعريف التالي: (الأيديولوجيا هي فكر خصمي)" .
"الأيديولوجيا" في الفكر العربي المعاصر ومُركّب الأزمات والحلول
حاولت القيام بجرد للكتب التي جعلت موضوع "الأيديولوجيا" عنوانات رئيسة أو ثانوية أو محتوى. وحاولت ذلك أيضا بالنسبة للمقالات والأبحاث في المجلات المهتمة، بل بلغ بي هاجس التتبع إلى محاولة إحصاء ورود اللفظ في بعض الكتابات.. وانتهيت –وأنا في البداية– إلى أن هذا كله ضرب من العبث أمام لفظ مبهم، كاسح وجارف، انتشر بشكل مريع في الفكر العربي وكذا الإسلامي الراهن، واحتل فيه مواقع من الصدارة والتوجيه من الصعب جدا زعزعته عنها الآن.
"الأيديولوجيا" في الفكر العربي المعاصر مشجب تعلق عليه كل آفات ومصائب وكوارث.. العالم الإسلامي، والإخفاقات النهضوية، والهزائم العسكرية، وفشل النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية السائدة أو التي سادت.. فالذي فشل هو "الأيديولوجيا"، وليس هذه النظم والاختيارات، ثم إن الأيديولوجيا بعد هذا، هي أيضاً مشجب تعلق عليه كل آمال ورغبات وطموحات وتطلعات النخب العربية للخروج والخلاص من الأزمات والآفات المذكورة. سبب الفشل أو الأزمة هو في "الأيديولوجيا السائدة"، والحل هو في "الأيديولوجيا البديل"، "أيديولوجيا الثورة"، "أيديولوجيا السلفية التراثية".. ترى لماذا لا تسمى المسميات بأسمائها وتتحدد الأشياء بأعيانـها؟ لماذا أبى هذا الفكر إلا أن يتحرك في فضاء وتحت غطاء "الأيديولوجيا" الواسع، الذي يمتد من "خيبة الهزيمة" إلى "أمل النصر"، من التزييف والتضليل إلى الاعتقاد والعلم والمعرفة؟ وإن كان المعنى الذي رافق رحلة "الأيديولوجيا" في رحاب هذا الفكر في الغالب الأعم هو المعنى القدحي، حيث زج فيه كل ما لا يروق له ولا ينسجم مع تطلعاته وأغراضه ومرجعياته من معتقدات وقيم ومبادئ وعلوم وآداب وأنماط في الحكم والسياسة وغير ذلك. حتى إنه ليمكن أن نقول، إن الغرب كان أقل "أيديولوجية" وهو يتحدث عن "الأيديولوجيا" - وقد نبتت في داره ويفسر علاقاتها بتاريخه وبعلومه ومعارفه وواقعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ويحدد لذلك مظاهر إيجابية وأخرى سلبية- من العرب الذي كانوا أكثر "أيديولوجية" في حديثهم عنها وعن علاقتها بإرثهم الديني والحضاري الذي لم يروا في معظمه إلا السلبيات. وحتى ما كان فيه من إيجابيات، فقد تم تحريفها بالتفسير والتحليل "الأيديولوجي". وليس هذا غريبا عن فكر يشكو الهزيمة والأزمة منذ عقود ، ولم يتبين من حوله مخرجا عن كثرة ما يتراءى له من المخارج.
إن "الأيديولوجيا" أضحت في الفكر العربي المعاصر قدراً محتوماً لا فكاك عنه، تُقرأ من خلالها وتناقش وتحلل وتعالج قضايا الأمة المصيرية، على المستوى التراثي التاريخي، وعلى المستوى الراهن والمستقبلي. ويكفي لبيان "داء الحتمية" هذا أن نقرأ نماذج من النصوص، بغض النظر عن انتماءات أصحابها:
"إن مشكلتنا الأساسية في الوطن العربي هي مشكلة أيديولوجية بشكل خاص. وكل إشكالاتنا إنما تتفرع من هذه المشكلة في المقام الأول، فإشكالية الأصالة والمعاصرة، والعروبة والإسلام، والتراث والثورة، والاستقلال والتبعية، والدين والدولة.. إلى غير ذلك من الإشكالات، ما هي إلا نعكاس وتجسد للفراغ أو الضياع الأيديولوجي أو الثقافي الذي نجد أنفسنا فيه كأمة يفترض فيها وحدة الوعي كتعبير عن وحدتها ذاتها" .
لاحظ هنا الإشكالات المطروحة وانتظام "الأيديولوجيا" لها جميعها، وكذا تسوية ما هو "أيديولوجي" بالوعي وبما هو ثقافي، بل بالمعرفة عموما، فـ"الفصل المطلق بين ما هو معرفي بحت وأيديولوجي بحت ضرب من المستحيل، وإن حاول البعض فعل ذلك، فالمعرفي لا ينفصل عن الأيديولوجي. وبالتالي عندما نقول إن أزمة الوطن العربي أزمة معرفة، فكأننا نقول إنـها أزمة أيديولوجية، لأن الذهن هو مناط المعرفي والأيديولوجي" .
يستنتج باحث آخر بعد تحليل مقولة "نـهاية الأيديولوجيا" أن "الأيديولوجيا ليست ولن تكون برسم الانتهاء والزوال، لأنـها ببساطة ملازمة لوجود الإنسان، محايثة لسلوكه في الواقع وإزاء الأشياء بحيث تمنحه هويته كإنسان" . وفي مقارنته "الأيديولوجيا" بالعلم يذهب إلى أنه:
"إذا كان العلم ينجح في تجاوز [أخطائه] ويقدم للإنسان إمكانية لتنظيم حوادث الطبيعة في وعيه، وفهمها في نظام سببي يجعلها قابلة للتمثل المنظم.. [فإن] الأيديولوجيا تفعل ذلك أيضا. إنـها تعطي الإنسان قدرة على تأويل العلاقات الاجتماعية وتنظيم وعيه بحوادثها، بل وتنظيمها بمقتضى منطق أو قاعدة أو مبدأ أو قيمة يتواضع عليها الناس، ويحصل الاجتماع بينهم على اعتمادها. وهنا لا تقل الوظيفة الاجتماعية للأيديولوجيا عن الوظيفة المعرفية للعلم" .
لاحظ هنا أيضا تسوية "الأيديولوجيا" من حيث الوظيفة بالعلم الذي كان من أكبر خصومها لدى معظم الباحثين الغربيين. والقدرة الهائلة التي تعطى لها في التنظيم الاجتماعي، بل وفي تحديد هوية الإنسان!
"إن الأيديولوجيات تعتبر هي الأوعية الهامة الوحيدة التي يتم فيها نقل الأفكار السياسية في عصرنا، ودون الأيديولوجيا فإننا نكون تقريبا دون ضمير، ودون قانون أو نظام، ودون مرساة أو ميناء (...). فالأيديولوحيات تصوغ دوافعنا واتجاهاتنا ونظمنا السياسية. بل إنـها بالأحرى تمثل قيمنا"
لاحظ أن "الأيديولوجيا" تقوم مقام الضمير، والقانون والنظام.. وتمنح القيم، بل أكثر من هذا فإنـها تعتبر "إلى حد كبير للغاية جزءا من حياتنا، وهي لا تفنى أو تموت ولا تتجه إلى التلاشي في أي مكان. فجميعنا، سواء أكنا نعترف بذلك أم لا، يمتلك أيديولوجية معينة.." .
"هكذا يبدو وكأنه من المستحيل أن يتحرر الفكر الإنساني من طابعه العقائدي الأيديولوجي، ولعل ذلك يوضح لنا إمكانية استخدام مصطلح الأيديولوجيا في ضوء معنى متسع يصعب أن يخلو منه أي مذهب فكري. فالمذاهب الفكرية التي ظهرت في جميع عصور التاريخ لها طبيعة أيديولوجية (...) ولعل ما يدعم هذا الاستخدام أنه يستحيل أن نتخيل أن يحيا الإنسان دون أيديولوجيا، أو بعبارة أخرى يحيا دون عقيدة أو أسطورة.." .
ها هنا "الأيديولوجيا" عقيدة وأسطورة، مرة أخرى خاضنة للمذاهب الفكرية على مر العصور التاريخية. فـ"كل استعمال لمفهوم الأدلوجة مرتبط بمجال وبعلة وبوظيفة، ويقود حتماً إلى نظرية ويخلق نوعا من التفكير" ، "أدلوجة كل عصر من العصور هي الأفق الذهني الذي كان يحد فكر إنسان ذلك العصر" ، فـ"الأيديولوجيا" أيضا نظرية، وذهنية، بل هي أخيرا "دين جديد" عليه أن ينتصر على كل الأديان، خاصة إذا اقترنت بالطابع الثوري الانقلابي، فـ"الأيديولوجيا الانقلابية تمثل دينا جديدا ينافس الأديان السابقة في تملك نفوس الناس، ولهذا فإن حياتنا ذاتها ترتبط بالنصر النهائي الذي تستطيع أن تسجله ضد الأديان" .
من خلال هذه العينة التمثيلية، المحدودة جدا نجد أن "الأيديولوجيا" تعني: كل إشكاليات الفكر العربي المعاصر، كل المذاهب الفكرية، الوعي، الضمير، القانون، النظرية، الذهنية، الأسطورة، العقيدة، الدين، الهوية، المعرفة، الثقافة، العلم.. وبقدر ما نضيف من التعاريف بقدر ما ينضاف من المعاني. ثم بعد هذا هي "خالدة" مع الإنسان حيث كان.
إن المفكرين العرب - وهم يحددون وظيفة "الأيديولوجيا" في "تزويد الأفراد والمجتمع والأمة ككيان جماعي بهوية جماعية مميزة.. تحدد للفرد من هو، وتحدد للأمة من هي، مع ما يترتب على ذلك من أدوار ورسالة تاريخية وأهداف مستقبلية" - مدركون ومقتنعون بأن "تاريخ مصطلح الأيديولوجيا تاريخ مضطرب.. ظلّ منذ مولده محط صراع إبستمولوجي وأيديولوجي حول دلالته ومدى مشروعيته في الإشارة إلى وقائع معينة.." . مدركون ومقتنعون أيضا بأن "الخطاب الأيديولوجي يلجأ إلى المنطق الاستدلالي، وإلى الحجاج المبني على المغالطة والمعبر عن اندفاع الرغبة وقوة الهوى واندفاع المصلحة. فهو يستخدم الحقائق العلمية والمعتقدات الدينية والرموز الأسطورية، وكل ما يساعد على إقناع الآخرين إنه ليس خطابا عقليا خالصا، بل خطاب مرتبط بالأهواء الإنسانية، وبالتالي باللاعقل" ، فهو خطاب لا يفرض نفسه إذن "بمنطق العقل والحجج والإثباتات البرهانية، بل بأساليب تتراوح بين الترغيب والترهيب، وبين الإقناع والإكراه" . إن "الأيديولوجيا" تكاد "في الاستعمال اليومي أن تكون مرادفة للسياسة، وكأن الأيديولوجيا هي مضمون سياسي، وكأن السياسة هي التطبيق العملي للأيديولوجيا" . وأن التفكير الأيديولوجي والتفكير السياسي صنوان من حيث الآليات المعرفية والاستدلالية، فهما معا يقومان على اعتبارات براغماتية ومنفعية حسب الضرورة والحاجة .
إن "الأيديولوجيا" باختصار "ممارسة مثقلة بالغائية، ومن ثم تحدد الغاية من الأيديولوجيا مهمتها، بمعنى أننا إزاء بنية من الأسئلة والأجوبة، لكنها بنية تحتوي حلولاً زائفة وهمية لمعضلات حقيقية (...) إن الأيديولوجيا في النهاية أفكار عن واقع ابتغاء هدف نفعي متعين، يختلف مداه وتتباين مستويات صياغته تبعا لطبيعة الطبقة وتكوينها ودورها ووعيها بهذا الدور في علاقاتها بغيرها. وفي موضعها من المجتمع (...) إن وجود العناصر المعرفية في الأيديولوجيا يأتي في سياق مثقل بالغائية والنفعية (...) فالأيديولوجيا لا يعتد في أفكاره بوجود "مشترك" إنساني مجاور لطبقته إلا في حدود جدوى هذا "المشترك" لطبقته أولا" .
المفكرون العرب يدركون هذا طبعا، وبالرغم من ذلك كله تحتل "الأيديولوجيا" عندهم مساحة الزمان والمكان، وتستغرق منجزات العقل والوجدان. والواقع أن المصطلح صادف بيئة أو محيطا يعيش أوضاعاً من الترهل والاسترخاء، بسبب من الغزو الاستعماري والانحطاط الموروث وفشل الحلول المستوردة منذ عقود.. فكانت ملجأ للحلول الوهمية المضللة، والتبريرات الزائفة أمام مشكلات الأمة الكبرى والحقيقية. وكان معظم مستعملي المصطلح والمروجين له، مفكرين ذوي نزعات ماركسية وليبرالية وقومية وعلمانية.. ممن يرون الحل هناك لا هنا. كما استعمله مفكرون آخرون بقصد أو بغير قصد بعدما عم وشاع. إن المصطلح كان لدى فئات عريضة في الأمة من المثقفين والمتعلمين، حجاباً دون الرؤية الصحيحة للواقع، والنظرة الموضوعية للتاريخ، والاستشراف الحقيقي للمستقبل. كان يدغدغ المشاعر بعبارات واهمة تعبر عن الرفض والاحتجاج، ويؤمن في الوقت ذاته ببقاء الفوارق الطبقية ونظم الظلم والاستبداد ومظاهر التجزئة والتفتت.
إنني أعتقد أن مصطلح "الأيديولوجيا" لا يمكن أن يعدو في تعريفنا له، كونه أسلوبا وطريقة، ولا أظنه يرقى إلى مستوى "منهج"، يوظف كل المفاهيم والمعاني التي أضيفت له على أساس أنـها هي ذاته، كالهوية والضمير والعقيدة والمعرفة والثقافة.. إلخ، من أجل التبرير والإقناع لغرض من الأغراض. أو لنَقُل باختصار "الأيديولوجيا" هي: أسلوب تبريري لغرض ما. ولهذا فمعالجة مسألة الهوية مثلاً شيء، ومعالجة الهوية باعتبارها "الأيديولوجيا" شيء آخر. الاعتقاد والتدين شيء، واعتبار الاعتقاد والتدين "أيديولوجيا" شيء آخر.. وهكذا فإنك تضفي دائما نزعة تبريرية غائية وتوجيهية على مختلف الموضوعات المدروسة والمعالجة. وهو أسلوب لم يعد له نفع ولا من ورائه جدوى بعد فشل وانهزام مرجعياته الموجهة*.
لهذا أيضا يذهب بعض الباحثين، ممن تقدم ذكرهم وغيرهم إلى تأكيد ضرورة التمييز بشكل أو بآخر بين "الأيديولوجيا" وباقي الموضوعات الأخرى، فـ"العلم يحاول أن يكون موضوعيا (منتميا إلى الموضوع) أي قائما على الأحكام الوصفية المتعلقة بالوقائع والظواهر كما هي، في حين أن الأيديولوجيا تتميز باعتمادها على أحكام القيمة. العلم يصارع من أجل الكشف عن الوقائع والبينات والقوانين لفهمها والتحكم فيها، لذلك فهو يجل ما هو معطى ويحترم الوقائع. أما الأيديولوجيا فهدفها هو تحقيق الفوز والانتصار واكتساب أفئدة المتعاطفين" .
إن "مشروعية العلم نابعة بالضبط من أنه يرفض أن يكون أيديولوجية، أي أنه يحدد ميدانه خارجها. ولكنه وهو يفعل ذلك لا يلغي ميدانـها ولا شرعيتها.." .
ويحسن التمييز "بين الثقافة والأيديولوجية. فالأيديولوجية التي تعكس مجموعة من التصورات العامة والخاصة لجماعة كاملة أو لفئة اجتماعية لا تغطي إلا عنصرا من عناصر الثقافة، وتدخل في نطاق الإنتاج الاجتماعي للأفكار. لكن الثقافة عملية معقدة تضم كل السيرورات التي تشترك في إنتاج التصورات الكبرى الأيديولوجية والمفاهيم العلمية والمعارف والعادات والمواقف والاتجاهات المختلفة.." .
وعلى كل فإن "أي سياسة ثقافية تقوم على فرض أيديولوجية على العقل، ذاتية كانت أو تراثية، تقتل الحوار وتفضي بالضرورة إلى إلغاء الوعي، وإلغاء الثقافة كنبع للإبداعات والتجديدات الذاتية، وتغلق بالتالي أفق أي تغيير فعلي. إن السياسة الوحيدة المنتجة في الثقافة لا يمكن إذن أن تكون إلا حرية الثقافة" .
سبقت الإشارة إلى أن حصر، أو حتى التمثيل بأكبر قدر ممكن من الكتابات في موضوع "الأيديولوجيا" أمر متعذر، ولهذا سنضطر إلى التحدث عن نماذج مختلفة في مناهجها ورؤاها للموضوع. مع تأكيد أن الذي يهمنا فيها هو آثار المصطلح من خلال توظيفاته المختلفة في مكونات الأمة الثقافية والمعرفية، بعدما تبينا تجذره وهيمنته "المطلقة" سواء من خلال مؤلفاته المباشرة في الموضوع كـ"الأيديولوجيا العربية المعاصرة" و"مفهوم الأيديولوجيا".. أو غير المباشرة كـ"العرب والفكر التاريخي"، "ثقافتنا في ضوء التاريخ".. وغيرها.
يحدد العروي مراده بـ"الأيديولوجيا" (الأدلوجة) في أشياء ثلاثة:
أولا: "ما ينعكس في الذهن من أحوال الواقع انعكاسا محرفاً بتأثير لا واع من المفاهيم المستعملة".
ثانيا: "نسق فكري يستهدف حجب واقع يصعب وأحيانا يمتنع تحليله".
ثالثا: "نظرية مستعارة لم تتجسد بعد كلياً في المجتمع الذي استعارها لكنها تتغلغل فيه كل يوم أكثر فأكثر.." .
وكلها عناصر في التحليل لا تضفي على "الأيديولوجيا" أي معنى إيجابي. ويميز الكاتب في "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" بين ثلاثة تيارات أساسية: سلفي وليبرالي وتقني . يفترض الأول أن "أم المشكلات في المجتمع العربي الحديث تتعلق بالعقيدة الدينية" اختزله الكاتب في لقظ "الشيخ" ومثل له محمد عبده. ويفترض الثاني أنـها تتعلق بـ"التنظيم السياسي" واختزله في "رجل السياسة" ومثل له بلطفي السيد. ويفترض الثالث أنـها تتعلق بـ"النشاط العلمي والصناعي" واختزله في "داعية التقنية" ومثل له بسلامة موسى. وهم يمثلون "لحظات ثلاث يمر بها تباعا وعي العرب وهو يحاول منذ نـهاية القرن الماضي إدراك هويته وهوية الغرب" . وقد وُجّهت إلى العروي عدة انتقادات حول هذا التقسيم، نذكر منها أن التيارات المذكورة "لا تمثل في ذاتها تقسيمات متمايزة تماما عن بعضها البعض لو نظرنا إليها من زاوية الاجتماعية لا من زاوية الأيديولوجية المجردة، فما أكثر ما نجده بينهما من تداخلات" .
الشاهد عندنا من هذا الانتقاد أمران: الأول هو التداخل الحاصل بين التيارات الثلاثة المذكورة، بالشكل الذي لا يجعل بعضها خصيم بعض، وإن بدت عند أصحابها كدعوات غالبة – بغض النظر عن مدى تمثيل الشخصيات المختارة للتيارات المذكورة، هذا فضلا عن أن تكون "لحظات يمر بها تباعا وعي العرب" سواء اقتضى هذا التتابع انقطاعا بين اللحظات، أو حضورا ضعيفا لكل لحظة في التي تليها. فالواقع يعكس تزامن هذه التيارات المذكورة وتداخلها وإن تصدّر بعضها في فترة ما لظروف ما*. ثم هل هذه التيارات هي كل ما يشكل الوعي العربي المعاصر أو "الأيديولوجيا العربية المعاصرة"، أم أن هناك تيارات أخرى مسكوت عنها أو مصرح بها بشكل آخر، كالقومية التي سيقت مساقا نقديا. والماركسية التاريخية التي قُدمت حلاً ومخرجا..؟
الأمر الثاني: هو النظر إلى هذه التيارات من الزاوية الاجتماعية المحضة حيث تتكشف عناصر الالتقاء والتداخل بينها، بخلاف النظر إليها من الزاوية "الأيديولوجية" حيث تعلو الفروق والتمايزات بينها. وهذا أمر مهم بالنسبة لتتبع آثار المصطلح في الفكر العربي المعاصر. وسنرجع إليه.
لم يسلم الكاتب من ثنائية "الأيديولوجيا مشكل وأزمة / الأيديولوجيا حل ومخرج"، ففي توضيحه لدوافعه إلى الكتابة في الموضوع، ما لاحظه من "مشكل النقص الأيديولوجي" أو "العجز الأيديولوجي، ثم البحث في "دور الوعي الثوري والتكوين الأيديولوجي، في رفع مستوى القيادة الثورية" . وأيضا الحوار الخفي مع الثوريين "العمليين الذين لم يقدّروا وزن الأيديولوجيا الثورية فحفروا قبورهم بأيديهم في آخر الأمر (...). خاصة وأن التقدميين كانوا وما يزالون يخافون من النظرية والأيديولوجيا رضوخا للضغط وتأثراً بالذهنية التقليدية المحافظة.." .
إن "الأيديولوجيا الأزمة" عند "الخصوم الثلاثة" تحتاج إلى "الأيديولوجيا الحل" في المنهج الماركسي التاريخي. وتكاد تتمحض "الأيديولوجيا الخصم" عنده في التراث والأصالة، إذ جعل شرطا "لكل من أراد نقد الوضع الفكري العربي أن يبدأ من البداية، أي بنقد الفكر التقليدي السائد (...) [الواقف] ضد الأفكار المستوردة والغزو الفكري والروحي، [المكتفي] بالأيديولوجيات التقليدية (=التراث العربي الإسلامي) التي تُكوّن نظاماً عقائدياً كافياً وشافياً قادراً على تزويدنا بكل ما نحتاج إليه من حلول لكل مشكلات العصر [!!]" . وفي المقابل "إذا أردنا أن نعطي فعالية لعملنا الجماعي، وإبداعية حقيقية لممارستنا السياسية والثقافية، فلا بد من ثورة ثقافية تعم المجتمع بجميع فئاته وتغلب المنهج الحديث في الصورة التي ظهر بها في بقعة معينة من العالم [!!] لا في ثوب مستعار من الماضي. هذه الثورة ما زالت في جدول الأعمال، لأن العالم من حولنا يؤثر فينا ولا أمل لنا أن نؤثر فيه يوما إذا انعزلنا فرحين بما لدينا من حقائق لا يفهمها إلا نحن" .
هذا عجيب من مؤرخ متشبع بمنهج تاريخاني ماركساوي، لا تهمه حقائقه ومعطياته الذاتية، فعنده أن "من يدافع عن التراث هو بالضبط من لا يعرف سوى التراث" ، بقدر ما تهمه معطيات وحقائق الآخر التي يرى فيها وبها وحدها حلا لمشكلات الذات وأزماتها، وعنده أيضا أن "الرأسمالية الليبرالية أحسن بكثير من وضع القرون الوسطى الذي نعيش فيه" .
عجيب من باحث يقول في مفهوم الديمقراطية اليونانية، "إن وراء الديمقراطية توجد فلسفة كاملة، ولا يمكن أن تقحم الديمقراطية في أي فلسفة اخترناها" ، ثم لا يرى حرجا ولا مانعا تاريخيا أو موضوعيا من إلحاق حضارة بكامل مقوماتها الذاتية بـ"منهج حديث" يظهر في "بقعة معينة من العالم"! ولا شك في أن هذا نموذج من التقليد يعكس حالة من الاغتراب الكلي الزماني والمكاني*، الباحث عن "خميرة للمجتمع العصري الخلاق (أيديولوجيا معينة [تُجعل]).. في قلب المجتمع التقليدي العقيم" من أجل عصرنته وتحديثه. و"الماركسية هي ذلك النظام المنشود الذي يزودنا بمنطق العالم الحديث (…) (المنطق الديمقراطي الليبرالي)" سوف تختزل المراحل وتنقلنا فوراً إلى "روح العصرية ومفهوم المعاصرة"، "الماركسية (على أساس المنفعة) هي أحسن طريق لاستيعاب ذلك المنطق ولكي تلائم ذهنياتنا ووضعياتنا.." . و"الأمة العربية الآن في حاجة إلى أن تتتلمذ على الماركسية التاريخية" .
وإذا رجعنا إلى "الخصوم الأيديولوجيين" في الفكر العربي المعاصر (الشيخ والليبرالي والتقنوي)، وأردنا أن نلتمس لهم تمثلات مشتركة، فإن أعلى صور التمثل، لدرجة التماس والمتاخمة، عندما يكون في أوج نفوذه، وكامل ثقته بنفسه، هي مع الماركسية، وانفتاحا عليها. ويبقى التمثل المشترك للذات وللماضي مرتبة دون ذلك . وقد لا نستغرب لهذا كثيرا إذا علمنا أن الكاتب إنما كان يخوض "معركة أيديولوجية" باسم "الأيديولوجيا"، فمهمة المثقفين العرب عنده هي في "السيطرة على المجال الثقافي الذي أهمل منذ عقود وترك في أيدي السلفيين، وأن أضمن سبيل للإخفاق هو إهمال المعركة الأيديولوجية" .
من نفس المنطلقات والدوافع تقريبا انطلق باحث آخر لخوض نفس "المعركة الأيديولوجية"، هو نديم البيطار في مؤلفه "الأيديولوجية الانقلابية". فالمحاولتان تشتركان في عنصرين رئيسين:
الأول: نسف ونفي "الأيديولوجيا التقليدية" المتمثلة في كل أشكال الأصالة والتراث، وخاصة العقيدة الدينية التي ما تزال متحكمة..
والثاني: استحضار "البديل الأيديولوجي" الذي سيسد "الفراغ والعجز الأيديولوجيين" لدى الثوريين العرب، سواء كان في صورة "الأيديولوجيا ماركسية تاريخية"، أو "الأيديولوجيا انقلابية" تحكمها "قواعد أو سنن حتمية" وجهت جميع الانقلابات الثورية البشرية عبر التاريخ.
يعرض البيطار على امتداد كتابه الضخم الانقلابات الكبرى التي تمّت في التاريخ، (مسيحية، شيوعية، ليبرالية، نازية، بروتستانتية...) باحثاً فيها ومؤكداً على "ثوابت" الانقلاب وسننه الجارية، والتي ينبغي للفكر العربي أن يدركها ليتجاوز "المرحلة الانقلابية" التي يعيشها منذ الانقلاب الوحيد الذي عرفه بمجيء الإسلام إلى اليوم، والذي استنفد أغراضه وترك فراغاً عقائدياً وروحياً كبيراً.. فلا بد من "أيديولوجية انقلابية" تحل محل "الأيديولوجية التقليدية" وتسد مسدها. ولنترك الكاتب يوضح أغراضه من الكتاب بنفسه. يقول: "إن المرحلة العربية الحالية وهي مرحلة انتقالية ثورية، ليست الأولى من نوعها، فالتاريخ كان مسرح العديد من هذه التجارب ... لكن إن نحن أردنا أن نكشف عن المنطق الذي يسود هذه المرحلة في الأمة العربية ... فندرك سيرها وننبئ بالمصير الذي سيتمخض عنه هذا السير، وجب أن نقارن هذه المراحل الانقلابية في التاريخ، فنرى إن كان هناك من سنن أو على الأقل من اتجاهات أساسية تسودها، أي تردد ذاتها وتفرض نفسها في كل منها (...) فإن صح هذا كان بالإمكان ضبط قوى الحركة العربية القومية الانقلابية.." . وإن كان "لكل أيديولوجية انقلابية خصائصها"، فإننا "في تاريخ الانقلابات نرى بعض الخصائص تعيد ذاتها، فتكشف عن تشابه عام يمكن تعيينه بوضوح …، وتحاول هذه الدراسة أن تعبر عن الحالة التهديمية التي تنطوي عليها كل أيديولوجية انقلابية". قصدها الأول الهدم، هدم التقليد العقائدي الذي يسود الوجود العربي، وهدم المفاهيم الروحية الفكرية العقائدية التي تعبر عن الحركة العربية الثورية" . إن هذه الحركة (العربية الثورية والقومية) في سياق التعرف على نظام "الأيديولوجية الانقلابية" كما يحدده الكاتب، "تستطيع أن تكشف عن سنن المراحل الانقلابية فتتبعها، وبذلك توفر نشاطها وتريح ذاتها من آلام الخيبة والفشل وتختصر طريقها إلى المصير الجديد.." . "إن جميع النكسات التي أصابت الحركة العربية وجميع إشارات الضعف والتفكك كلها نتائج فقدان فلسفة حياة جديدة. أو بكلمة أخرى، أيديولوجية انقلابية" ، "تمتد إلى جميع مناحي الحياة وأوجه النشاط الإنساني، وتفرض عليها صورتها الخاصة" .
ويقرر الكاتب في خاتمة الدراسة كنتيجة أولى "أن مشكلة الحركة العربية القومية الثورية هي مشكلة التعبير عن ذاتها في أيديولوجية انقلابية تحل محل فلسفة الحياة أو الأيديولوجية التقليدية التي سادت الوجود العربي التقليدي"، "التحرر من فلسفة الحياة التي عبرت عن الوجود التقليدي وهي فلسفة غيبية، واعتماد فلسفة حياة أو أيديولوجية جديدة تنقضها، تنبثق من روح ومناخ العصر، وتجد قاعدتها في التاريخ والمجتمع وليس فيما وراء الطبيعة كسابقتها.." . تلتقي هذه الأقوال مع سابقتها –عند د. العروي- لتؤكد ما قررناه سابقا بخصوص مصطلح "الأيديولوجيا" وما يلعبه من أدوار متقابلة باعتباره أزمة وحلاً، وتوظيفه خاصة في نقد التراث العربي الإسلامي جملة وبلا تفصيل. ولتؤكد كذلك على أزمة حقيقية لدى أصحاب هذا الاتجاه في الفكر العربي المعاصر، تجد متنفسا لها في هذا الشكل من التعبير الواهم أمام فشل أطروحاتها وتقادم مقولاتها، واستمرار ما اعتبرته "الأيديولوجية التقليدية" أمراً حيّا، يسجل حضوره بقوة واستمرار، زمانياً ومكانياً، وقدرته الفائقة على الاستيعاب والشمول والتجاوز بما في ذلك استيعاب وتجاوز مقولات "الخصوم" أنفسهم. إنه برهان تأكيدي على أن الذات العربية الإسلامية لا يمكنها التحرر والانعتاق إلا بشروطها الحضارية أولا، وليس بالانسلاخ والتمرد على تلك الشروط.
ونجد طائفة أخرى من الباحثين تجعل من التراث والأصالة منطلقات لها في البحث والدراسة، لكن بمنهجيات معظمها مستعار، ومحاكاة ضمنية أو صريحة لتجارب الغرب ذاتها في النهضة والتحرر، وكأنه بحث عن مشروعية لها في داخل التراث والتاريخ الإسلامي*. يقول حسن حنفي مؤكداً هذه الأرضية "الأيديولوجية" للانطلاق من خلال مشروعه الفكري "التراث والتجديد": "إذا كان ما تشكو منه البلاد النامية على المستوى الأيديولوجي هو عدم الوضوح النظري والتذبذب بين أيديولوجيات الشرق والغرب معا، فإن عملية "التراث والتجديد" هي الكفيلة بتحقيق هذا الوضوح النظري، وإعطاء أيديولوجية قومية للبلاد النامية تنبع من أرضها، وتمتد جذورها في تاريخها، وتجيب متطلبات واقعها. تكون الأيديولوجية حينئذ تعبيراً عن الثقافة الوطنية للشعوب وتأكيداً لذاتيتها وإبقاء على هويتها" . فـ"العمل الأيديولوجي جزء من تغيير الواقع وأساسه النظري، ولن يتغير الواقع إلا بعد عمل أيديولوجي" .
ونرجع إلى مسألة مهمة في تداول مصطلح "الأيديولوجيا" في الفكر العربي المعاصر سبقت الإشارة إليه باختصار، وهي أيضا من آثاره السلبية المدمرة لا للثقافة العربية الإسلامية من حيث خصائصها ومقوماتـها فحسب، بل أيضا من حيث مشاريعها المستقبلية، وآفاق الوحدة والتعاون فيها، وأقصد ظاهرة التصنيف والتقسيم وتوزيع الأدوار وتحديد المواقع.. والتركيز على الفوارق مهما صغرت وضعفت، بل والتنقيب عليها والبحث فيها وإثارة الإشكاليات الهامشية والثانوية بوجه المشاريع الكبرى للأمة التي هي عناصر وحدة أكثر منها عناصر فرقة حتى بين أطراف الأمة الفكرية القصوى. وهذا طبعا من وظائف "الأيديولوجيا" ذاتها باعتبارها بحثاً عن مكونات وظنون وخفايا.. أو تأويلات واحتمالات نظرية اصطحبتها –كمفهوم- من واقع الصراع الطبقي الاجتماعي والسياسي والديني والثقافي في الغرب. فإذا كانت "الأيديولوجيا" هناك تعبيراً عن صراعات عصر النهضة وفلسفة الأنوار، وصفاً لحال مضى وتم تجاوزه في سياق التكتلات والتحالفات الحالية، فإنـها عندنا ما تزال تقريراً لذلك الحال لا تجاوزاً له. وليس معنى هذا الرغبة في السكوت عن الخلافات الداخلية، أو إهمال النزعات المحلية بين فرق وتيارات فكرية وسياسية وغيرها، ولكن فرق كبير بين إعمال مبضع "الأيديولوجيا" في التحليل والبحث، وبين النقد المعرفي، أو البحث العلمي الاجتماعي أو السياسي أو الثقافي أو النفسي.. المنطلق من معالم منهجية منضبطة في كلياتها على الأقل.
ويكفي أن نشير هنا بسرعة إلى عملين آخرين تتضح فيهما معالم هذه التجزئة الفكرية وفقاً لمقتضيات "الأيديولوجيا" طبعاً:
الأول لأنور عبد المالك "الأيديولوجيا والبعث القومي، مصر الحديثة". عرض فيه لاتجاهين أساسيين في الفكر العربي المعاصر في مصر خاصة، هما: الأصول الإسلامية والليبرالية. ثم قسم كل اتجاه منهما إلى جناحين، جناح يميني وجناح يساري. فالإخوان المسلمون يمثلون عنده الجناح اليميني من الأصولية الإسلامية، على حين يمثل الاتجاه القومي البعثي والناصرية الجناح اليساري. أما التيار الليبرالي فجناحه اليميني تمثله البرجوازية الوطنية، وجناحه اليساري تمثله التيارات الاشتراكية والماركسية.. .
والثاني لياسين الحافظ، "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة"، وفيه حديث عن الهزيمة الكبرى التي عانتها وتعانيها الأمة العربية منذ وعد بلفور وحتى اليوم، مع تقويم لبعض التجارب ومحاولات النهضة، كتجربة محمد علي وتجربة جمال عبد الناصر، ونقد "للأيديولوجيا المهزومة"، "الأيديولوجيا التقليدية" السائدة في المجتمع، و"أيديولوجية الأنتلجنسيا العربية"، فهي إما "أيديولوجيا سلفية" أو "أيديولوجيا اغترابية". هذا مع تمييزه في "الأيديولوجية التقليدية، أو التقليدوية" بين ثلاثة تيارات: -تيار إسلامي تراثي سلفي يعيش بدلالة الماضي.. وتيار قومي "قوماوي" يريد دخول العصر خلسة.. وتيار ماركسي "ماركساوي" دوغمائي مغترب بقي هامشيا.. *.
إذا تجاوزنا إشكالية "الأيديولوجيا: الأزمة والحل"، وظاهرة التصنيف والتقسيم، وهما من لوازم البحث "الأيديولوجي" في الفكر العربي المعاصر. نجد مسألة "الأيديولوجيا والدين" تحتل موقعا مهما في هذا السياق. وقد تقدمت معنا نصوص تجعل من العقيدة والدين "أيديولوجية" وأخرى تجعل من "الأيديولوجيا" دينا، وثالثة تميز بينهما باعتبار الجانب التنزيلي في الدين، والصناعة البشرية في "الأيديولوجيا"*. ومرة أخرى مع حسن حنفي تحت عنوان "الأيديولوجيا والدين" ، نجد "الدين أيديولوجية بطبيعته، وهل يستطيع أن يدرك ذلك إلا من تحرر من تصور الدين القديم كمجموعة من العقائد المغلقة أو العواطف الصوفية التي تشوبها الأساطير والمعتقدات الشعبية" . ويقول في حق محاوره "وقد استطاع رودنسون أن يتحرر من هذا التصور القديم، واستطاع أن يفهم الدين كأيديولوجية، وساعده على ذلك اعتناقه للماركسية" ، ويقرر معه أنه "مهما كان الدين قادراً على تحريك الشعوب بالنسبة للإسلام وأوضاع المسلمين الحالية من تعرض لأخطار الاستعمار والرأسمالية والصهيونية العالمية، فلا بد أن يتحول إلى أيديولوجية كاملة، وهي وحدها القادرة على إعطاء الأسس النظرية للثورة" .
في مكان آخر يوضح حنفي الأسباب "الموجبة" للتخلي عن لفظ دين، وليس فقط اعتباره "أيديولوجية". بل استبدالها به أيضا، وذلك لأن "لفظ "دين".. لا يمكن أداء وظيفته في الإيصال نظراً للمعاني العديدة التي التصقت به طوال تاريخ استعماله، بل والتي تتعارض أحيانا مع المعنى الأصلي له.." ، "فنظرا لأن لفظ "دين" له استعمالات كثيرة، ويفيد معان متناقضة (دين تاريخ ودين وحي، دين ما وراء الطبيعة ودين الطبيعة، دين سر ودين علن، دين كهنوت ودين عالم..) فإنه أصبح يشير إلى ما لا يقصد به" ، ولهذه الاعتبارات و"لما كان لفظ "دين" قاصراً على أداء المعنى فإن لفظ "أيديولوجية" أقدر على التعبير عن الدين المعني وهو الإسلام، وإيصال معناه.." .
إن كلام الكاتب يحمل مغالطات كثيرة، فمهما سلمنا بما حمله لفظ "دين" من مضامين سلبية، فإنه يبقى أقدر على التعبير عن مضمونه الحقيقي كوحي وكمعطى إلهي منزل، من أي لفظ آخر بديل عنه. فهو يحيل دائما على مظاهر ثابتة فيه هي بالنسبة لمعتقديها والمتدينين بها مرجع وملاذ حتى في الأديان الوضعية. أقصد مظاهر التقديس، والخضوع والالتزام بين دائن ومدين.. المثمرة لتمثلات عملية للأوامر والنواهي.. والشرائع جملة. تقديس الإله والوحي في الأديان السماوية، وتقديس المعبودات المادية أو الروحية في الأديان الوضعية. وعند علماء الأديان أن هذه الديانات الوضعية ما استحقت أن تكون ديانات وتحمل هذ الاسم إلا لحضور هذا الجانب فيها، ومشاركتها للأديان السماوية فيه. ولست أدري بأي معيار يكون لفظ "الأيديولوجية" أقدر على التعبير عن مضمون الإسلام وإيصال معناه من لفظ دين، وهو على ما رأينا من الغموض والاضطراب في أي مجال دخله أو موضوع اقتحمه. والكاتب على عكس ما يوهمنا به، ينقلنا من لفظ أكثر انضباطاً وتعبيراً عن مضمونه ومعطياته –ومهما كانت فيه من احتمالات للتأويل فلها ضوابطها العامة- إلى لفظ متسع لكل احتمال وتأويل، متحرر من كل قيد، متحلل من كل شرط.. والأخطر من ذلك تجريده ( أي الدين) عن مصدره الإلهي كمعطى منزل حاكم ودائن، ونسبته إلى "منطق" بشري تحكمه الأهواء والرغبات. صحيح أن الوحي نزل ليتلبس به الناس ويتدينوا به ويحولوه إلى واقع.. لكن هذا كله لا يبرر المنطق العلماني ولا المادي الجدلي التاريخي في تحويله إلى صناعة بشرية واعتباره إرثاً يجوز فيه من الأخذ والرد ما يجوز في باقي الموروثات. إذ يبقى النموذج المنزل (الكتاب) هو الحاكم الذي تحتكم إليه التجارب البشرية التاريخية مهما اختلفت وتنوعت، تقيس نفسها عليه، وتحدد نسبة القرب منه أو البعد عنه. فلا اللغة تسعف الكاتب، ولا العقيدة ولا التاريخ.. في تبرير دعواه والانتصار لها.
قريبا من حسن حنفي، وبالدوافع نفسها تقريبا، يقيم د. أركون فوارق "أيديولوجية" بين "الظاهرة القرآنية" و"الظاهرة الإسلامية"، قياسا على التفريق بين "الظاهرة التوراتية والإنجيلية وبين الظاهرة اليهودية والمسيحية" . وفوارق بين "ثلاثة مستويات من المعاني ومن العمل للإسلام: إسلام أول ونطلق عليه اسم الدين القوي، إسلام ثان أو دين أشكال، إسلام ثالث أو دين فردي.." . وهو عندما يتحدث عن "الأيديولوجيا" يستعملها في الغالب للتعبير عن الاتجاهات أو العقائد الرسمية المهيمنة "الأيديولوجيات والسيادة العليا" . إن الفكر الإسلامي عند الكاتب "لم يكتشف بعد أهمية هذا المفهوم وخصوبته، على العكس نجد أن هذا الفكر ينتج أيديولوجيات ظافرة تشوه حتى تاريخه الخاص وكل قيمه، دون أن تترك للمواطنين أي منفذ على البحث العلمي المعاصر (...)، فالأيديولوجيات في المجتمعات النامية هي في معظمها سلبية وغير مطابقة للواقع ومشاكله. فقد وجدت هذه البلدان العربية والإسلامية نفسها مجبرة على تبني النموذج (أو الموديل) الغربي في التنظيم السياسي والاجتماعي والاقتصادي من أجل تلبية الحاجيات الضخمة للسكان المتزايدين بكثرة هائلة" . وأعمال الكاتب مندرجة فيما يزعم، في "مكافحة الاستخدامات الأيديولوجية المحتدمة اليوم في البلدان الإسلامية، [أي].. الاستخدام الأيديولوجي للإسلام كدين" . ولسنا معنيين بمناقشة هذا الادعاء، بقدر ما نحن معنيون بملاحظة الاضطراب في استخدام "الأيديولوجيا" بإضفاء طابع إيجابي غربي عليها، وفي عدم استخدامها بإضفاء طابع سلبي محلي عليها، في وصلها بالدين وفي فصلها عنه حسب قناعات الباحثين وخلفياتـهم.
وأخيراً لا أعتقد أن أي شكل من أشكال التعامل مع "الأيديولوجيا" يمكن أن يحمل وجها إيجابيا، أو يسهم بدور وحدوي في حركة الفكر العربي المعاصر، سواء تعلق الأمر ببعث "أيديولوجيا موضوعية" تهتم بتشخيص واقعها، أو "أيديولوجيا منهجية" تعين على البحث وتساعد على الفهم التاريخي الاجتماعي والسياسي لتراثها*. وتسمية العلوم والمذاهب والمناهج بأسمائها، والاحتكام إلى منطقها ومبادئها، أولى وأسلم بكثير وأنفع لفكر الأمة وما تطمح إليه، بدل تعتيمها في احتمالات لا متناهية لـ"الأيديولوجيا". وقد خلص كثير من المهتمين والباحثين في المصطلح إلى ضرورة الاستغناء عنه، أو على الأقل الحذر والحيطة من استعماله. فالعروي، وهو من المكثرين في استعماله وتبنيه يخلص إلى ثلاث نتائج:
أنه "مفهوم مشكل، يجب استعماله بحذر، بل يتحتم الاستغناء عنه في أكثر الحالات، بعكس ما يقع عندنا حاليا"، وأنه "مفهوم غير بريء، يحمل في طياته اختيارات فكرية يجب الوعي بـها لكي لا يتناقض صريح الكلام مع مدلوله الضمني"، وأنه "مفهوم قد يصلح أداة للتحليل السياسي والاجتماعي والتاريخي، لكن بعد عملية فرز وتجريد لكي يبقى كل باحث وفيا لمنهج المادة التي يبحث فيها" .
يخلص باحث آخر إلى أن "الأيديولوجية كمصطلح لم تعد مفيدة. أولاً: لأنـها لا تعني شيئاً واحداً في كل سياق تستخدم فيه، وثانياً: لأن القارئ العادي لا يفهمها مباشرة. [ثم] لأنه من الممكن ببساطة شديدة أن نستبدل بها مصطلحات أيسر وأفضل منها في إبلاغ المعنى المقصود.." .
إن توجه الخطاب العربي والإسلامي المعاصر إلى الأمة وقضاياها الكبرى أمام تحديات التجزئة والنفوذ الغربي والصهيوني.. يقتضي من بين ما يقتضي التحرر من فكر "الأيديولوجيا" وتبعاته، وهو شرط أساس لنجاح هذا التوجه. ثم إذا كانت مختلف التيارات الفكرية العربية من قومية وعلمانية ويسارية وليبرالية وغيرها.. حصيلة الافتتان بشكل أو بآخر بالأيديولوجيا الغربية، فإن ما نجم عنها من تجزئة بدل الوحدة، ومن تأخر بدل التقدم، أو تقادم بدل التحديث.. فضلاً عن الهزائم والإحباطات.. لأمر يستدعي ويؤكد ضرورة الرجوع إلى أصل جامع موحد: الأمة, وبمقومها الديني الخاتم: الإسلام.
خلاصة البحث
لا شك أن الباحث في موضوع "الأيديولوجيا" يجد من الغموض والتعقيد ما يجد، ومن الاضطراب والتناقض كذلك، لدى الباحث والمفكر الواحد، وفي الاتجاه والتيار الفكري الواحد، فكيف به أمام اتجاهات وتيارات فكرية مختلفة؟
إن جزءا من تبرير هذا الواقع كامن في المصطلح ذاته، في حمولاته المطاطة والرحالة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والتي –كما قلنا- بإمكانـها أن تمتد من "خيبة الهزيمة" إلى "أمل النصر"، ومن "التزييف والتضليل" إلى "الاعتقاد والعلم والمعرفة". المصطلح الذي بإمكانه أن يؤطر كل شيء ويعيد توجيهه وبناءه دون إمكانية إخضاعه لنقد علمي ومساءلة دقيقة.
وقد تساءلنا، ونعيد التساؤل، "لماذا لا تسمى المسميات بأسمائها وتتحدَّدُ الأشياء بأعيانـها؟"، فيكون العلم علماً، محكوماً بقواعده ومناهجه، وكذلك الفكر والمعرفة والثقافة والوعي والعقائد..، أي إعادة تحرير هذه المفاهيم من "الأيديولوجيا" والاستعمال "الأيديولوجي"؟
للأسف إن الذي شاع في ثقافتنا العربية والإسلامية هو المعاني القدحية، السلبية، الزائفة.."للأيديولوجيا" بحكم الصدى الذي يحدثه التقليد والاتباع لكل ما هو أجنبي لدى نخب فكرية وسياسية. أمام غياب وعي كامل بمستويات النقل والاستعارة وشروطها العلمية الموضوعية والمنهجية، وأمام غياب قواعد علمية لدمج واستيعاب المصطلحات والمفاهيم المنقولة وجعلها جزءا من لُحمة النسيج الثقافي المحلي، تضطّلع فيه بأدوار بنائية لا تخريبية.
ويكفي من خلال هذا الرصد –أو أي رصد مماثل- المتتبع لأضرار استعمال المفاهيم المنقولة، التي عبَّر عنها علماؤنا الأوائل بـ"الدخيلة"، من غير "تكييف" أو "تقريب" أو "تبيئة" كما يذهب بعض الباحثين، أن يحكم عليها بمغادرة هذا الفكر وبمنع استعمالها وتداولها واستبدال غيرها بها، مما هو أصيل وذاتي منسجم مع روح ومقومات الأمة وخصوصياتها. هذا في عموم المفاهيم والمصطلحات المنقولة، أما إذا تعلق الأمر بمصطلح أو مفهوم عِصيٍّ على الدمج والتكييف أصلا، لا في أصوله اللغوية ولا في دلالاته الفكرية كـ"الأيديولوجيا"، ومثله "العلمانية"، فإن ذلك سيكون من باب أولى، في انتظار أن تعود إلى هذه الأمة قدراتـها الإبداعية لتقوم بتوليد المفاهيم اعتمادا على رؤيتها الذاتية وخبرتـها العملية.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 1691   عدد الاصوات: 98 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: