|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 024 > بحوث ودراسات

علم التاريخ إشكالات المنهجية ومشروعات الأسلمة

احمد إبراهيم أبو شوك

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 2056   عدد الاصوات: 196 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
   
علم التاريخ هو العلم الذي يقوم بدراسة أحداث الماضي البشري وآثاره دراسة علمية تقوم على البحث والتثبت والتحقق والملاحظة والمقارنة والتجربة والاستدلال والاستقراء، وذلك لفهم الوقائع التاريخية في إطار الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي أحاطت بها وشاركت في تكوينها. وتقدر قيمة العمل التاريخي المكتوب بثقافة المؤرخ ودرجة إلمامه بمنهج البحث التاريخي القائم على نقد الأصول والمراجع التاريخية، وربط أحداث الماضي وعللها بالنتائج، ثم استخلاص الحقائق وتنظيمها وتفسيرها وعرضها بطريقة علمية وموضوعية.

إن المؤرخين طوتئف شتى: طائفة تكتب عن منهج البحث التاريخي الذي يساعد في اختيار موضوع البحث، وجمع الأصول والمصادر، وتحقيق النصوص واستنطاق الحقائق الواردة فيها، ثم ترتيب المادة التاريخية ونقدها وتبويبها وعرضها عرضاً علمياً. وأخرى تهتم بفلسفة التاريخ التي تكرس جهدها في دراسة حركة التاريخ ككل وفق قراءات يبحث فيها عن النظريات والقوانين والقواعد التي يمكن أن تحكم مسار الحوادث التاريخية. وثالثة تعطي الأولوية إلى تحقيق الأصول والمصادر التاريخية بحجة أنها المادة الأساسية التي يقوم عليها بناء مفردات الحدث التاريخي. أما السواد الأعظم من المؤرخين فيهتم بدراسة الأحداث الأحداث التاريخية التي عاصرها ويرويها بروح العصر الذي تشكلت فيه، أو يهتم بتدوين وقائع التاريخ التي لم يشهدها ولم يعشها لكنه يجتهد في إعادة صياغتها واستنطاقها وفق الأصول والمصادر

_____________________________________
* أستاذ مساعد بقسم التاريخ و الحضارة، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا. قدمت المسودة الأولى لهذا البحث في المؤتمر العالمي لأسلمة العلوم الاجتماعية، الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا، 4-6 اغسطس 2000. الكاتب مدين بالشكر والتقدير إلى الأستاذ الدكتور حسن أحمد إبراهيم والدكتور بدري نجيب والدكتور عادل الشيخ عبد اللّه والأستاذ أبو بكر محمد أحمد لما قدموه من تعليقات وملاحظات علمية اثمرت في تثقيف بعض جوانب هذا البحث وعرضه بالصورة الماثلة بين يدي القارىء الكريم.

المتاحة له. ولا شك أن هذا التنوع التخصصي قد جعل عملية البحث التاريخي في تطور طردي متجدد بتجدد المصادر التاريخية نفسها وظهور مناهج البحث الأكثر قدرة على تحقيق الأصول واستنطاق الحقائق الواردة فيها استنطاقا منطقياً. ونتيجة لهذا التطور الطردي ظهر عدد من المدارس التاريخية ذات التوجهات الأديلوجية التي حاولت أن تقدم بعض النظريات والقوانين المفسرة لأحداث الماضي البشري وفق معطيات الفكر الإيديولوجي المعني بالأمر وأهدافه المرجوة، إلا أن هذا التوجه في مجمله كان يحمل بعض الإشكالات المنهجية التي أفضت إلى رفضه في بعض المحافل العلمية، أو قادت إلى ظهور إسهامات فكرية أخرى تحاول أن تتجاوز إخفاقات المشروعات المنهجية المناقضة لها أيديولوجياً. ومن هذه الإسهامات مشروع أسلمة علم التاريخ، ذلك المشروع الذي استقى ثوابته العلمية من الفكر الإسلامي القائم على قيم عقدية تختلف اختلافا جذريا عن المرتكزات الفكرية الغربية الخاصة بتقسير قضية الخلق والكون ودور العناصر الغيبية و المحسوسة في تحديد مسار التاريخ البشري. فلا غرو أن هذا المشروع بروافده المختلفة قد افلح في تفنيد دعاوى المدارس العلمانية والماركسية ودحض بعض فرضياتها وحججها حول الواقعة التاريخية والمسألة الحضارية المرتبطة بخلق
الإنسان وتطور معارفه الفكرية وأنشطته المكتسبة. وفي المقابل حاول أن يقدم بعض الأطروحات العلمية التي يمكن أن تسهم في تحقيق نتائج إيجابية في مجال البحث التاريخي عن دور الإنسان والقوى الغيبية في تحديد مسار التاريخ البشري ومعرفة العناصر التي شاركت (أو مازالت تشارك) في صساغته حسب ظروف الزمان و المكان.

والبحث الذي بين أيدينا الآن يحاول أن يناقش قضية أسلمة علم التاريخ باعتبارها قضية محورية وذات جذور عقدية. وتقودنا مناقشة هذه القضية إلى ضرورة معرفة البواعث التي أدت إلى ظهورها، والإشكالات التي تواجه مسألة تطبيقها على محيط الواقع، والأهداف التي يمكن تحقيقها في مجال البحث العلمي. ولكي تتضح معالم هذه القضية وتتم مناقشتها مناقشة موضوعية يستحسن أن تعرض مادة هذا البحث وفق التسلسل التاريخي-المنهجي التالي: في لبدء سيكون مدخلنا بعرض تحليلي لتطور منهج البحث التاريخي في أدبيات التراث الإسلامي وإسهامات بعض علماء المسلمين أمثال عبد الرحمن بن خلدون ( 732- 808 هـ)، ومحمد بن سليمان الكافيجي (788 – 879 هـ)، وشمس الدين السخاوي (831- 902هـ ). ثم بعد ذلك نقدم عرضاً تحليلياً لعطاء بعض المدارس الغربية في سبيل الارتقاء بمناهج البحث التاريخي، وذلك وفق نظرة نقدية تستعرض إجمالاً أراء المدرسة المثالية (هيغل) والمادية (ماركس) والحضارية (تيوينبي) حول الواقعة التاريخية والمسألة الحضارية. وبعد استعراض جوانب تطور منهج البحث التاريخي في التراث الإسلامي والغربي ننتقل لمناقشة البواعث التي دفعت بعض العلماء المسلمين للبحث عن تفسير إسلامي يعالج قضايا الخلق ودور الإنسان والقوى الكونية في تحديد مسيرة التاريخ البشري . وفي هذا المضمار ستقوم هذه الدراسة بتحليل علمي لأدبيات الدكتور عماد الدين خليل ، بحجة أنها تتسم بنوع من الأصالة والموضوعية، وهذا ما يدفعنا إلى القول: بأنها خطوة قاعدية في بناء صرح التفسير الإسلامي للتاريخ، وذلك استناداً إلى الإشارات والمعارف التاريخية التي اتنبطها بتدبر آيات القرآن الكريم ذات المضامين التاريخية. وأخيراً نختم بحثنا بجملة من الملاحظات النقدية حول الاتجاهات الجديدة التي تعكس السمات العامة للتفسير الإسلامي للتاريخ، والانجازات التي يمكن أن تحققها في مجال البحث العلمي، والإشكالات التي تواجهها في سبيل تأسيس منهج إسلامي شامل وقادر على أن يتغذى من تجارب العلوم الإنسانية الأخرى ويستفيد منها ويوظفها في تيار المعرفة الكونية الواسعة للعلوم الاجتماعية.


تطور مناهج البحث التاريخي في التراث الإسلامي

لا جدال أن ظهور الإسلام قد احدث تغيرات جوهرية في مناهج البحث التاريخي وبنية علم التاريخ نفسه. وجاءت هذه التغيرات إفرازاً طبيعياً للمعطيات الفكرية الجديدة والظروف التاريخية التي فرضت نفسها في ظل تطور الحضارة الإسلامية عبر مراحلها المختلفة.

وتتجسد فكرة التطور المنهجي هذه في كثير من الآيات القرآنية ذات المضامين التاريخية التي أقرت خلافة الإنسان في الأرض وكلفته بحمل أمانة الإعمار فيها، ثم حثته على نشر قيم العدل والفضيلة في ربوعها وفق تعاليم الإسلام. وبهذه الكيفية أضحى الإنسان يمثل محور ارتكاز الفعل التاريخي القائم على منظومة توازن وتكامل بين عالم الغيب زعالم الشهادة وبين الروح والمادة. وفي ظل هذه المنظومة انعتق البحث التاريخي-التوثيقي من قيود المعارف الإسطورية إلى رحاب الواقع المحسوس الذي يعطي الإنسان والقوى الغيبية والنواميس الكونية وضعاً متزناً ومتكاملاً في تحديد مسار حركة التاريخ.

وعلى هدى هذه المضامين المعرفية بدأ المسلمون مسيرتهم مع علم التاريخ وتدوين وقائعه. ومن ثم جاءت محاولاتهم الأولى متأثرة بالواقع العقدي والفكري الذي عاشوه والذي جعلهم يحصرون اسهاماتهم في تقسير آيات الفرآن وتوضيح أسباب نزولها. وانتقلوا بعد ذلك إلى تدوين سيرة الرسول صلى اللّه عليه وسلم بشتى ضروبها: القولية والفعلية والتقريرية. وفي هذين النمطين من الكتابة التاريخية نلحظ أن علم الحديث كان عمدة في ضبط الروايات التاريخية وذلك وفق منهج الجرح والتعديل الذي يستند إلى مفهوم الجدارة الخلقية للرواة إلا أنهم لم ينحوا منحى المحدثين في نقد المتن والتحقق من صحته.

وبمرور الزمن تراكمت معارفهم التاريخية كماً و تعددت أنماط الكتابة التاريخية وذلك لاتساع رقعة الدواة الإسلامية التي اشتملت على ألوان شتى من الثقافات البشرية وعدد من التباينات البيئية والتقاليد المحلية الموروثة. وتدريجيا تجسد هذا التراكم المعرفي في ظهور أنماط متنوعة من الكتابة التاريخية، كالأعمال التي اهتمت ب "علم الأنساب " و"فتوح البلدان" و "تواريخ الرسل والملوك" و "طبقات الأعلام" و " أدب الرحلات" . وفي إطار هذه الحركة التاريخية والتوثيقية النشطة تعددت مصادر المعرفة التاريخية عند المسلمين وأضحت تشمل المشافهة والمعاينة والوثائق المكتوبة والسجلات الرسمية .



وخير نموذج لعطاء تلك الحقبة هو كتاب محمد جرير الطبري (ت 310 هـ) "تاريخ الرسل والملوك"، الذي يبحث فيه المؤلف عن تاريخ الخليفة منذ البدء المتمثل في هبوط آدم من الجنة وانتهاء بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وما لحق بها من أحداث تاريخية حتى مطلع القرن الرابع هجري. ومن خلال مطالعتنا لمجلدات هذا السفر الموسوعي يمكننا القول بأن: منهج الطبري قد غلب عليه النمط الحولي في تدوين الأحداث التاريخية والمنهج الاسنادي الموثّق بالعنعنة فيما يختص بروايات الإخباريين. وتظهر في ثنايا تاريخ الرسل والملوك الصلة الوثيقة بين علمي الحديث والتاريخ، الأمر الذي تؤكده المؤرخة سيدة إسماعيل كاشف بقولها "أن الطبري محدث قبل أن يكون مؤرخاً وأن تاريخه مكمل في كثير من نواحيه لكتابه الكبير في تفسير القآن الكريم" . أما مصادر معلوماته فيمكن حصرها في المشافهة والمعاينة والكتب المقدسة والوثائق الرسمية. ويبدو من استعراضه للوقائع أن علم التاريخ كان ينحصر عنده في جمع أحداث الماضي البشري بروايتها المختلفة دون تصرف فيها وفق قراءات نقدية تستهدف موثوقية المتن وتوافقه مع الظروف البيئية المحيطة.

وبعد أن أسس الطبري قواعد " النمط الحولي الاسنادي" برز عدد من المؤرخين الأفذاذ الذين أسهموا إسهاماً فاعلاً في تنتوع أنماط الكتابات التاريخية وتعدد اتجاهاتها المنهجية. ونذكر من هؤلاء الأفذاذ المسعودي ( ت 345هـ) الذي استبدل بالنمط الحولي الاسنادي نمطاً موضوعياً يهدف إلى عرض المادة التاريخية حسب موضوعاتها و مناقشاتها في إطار الظروف المناخية والبيئية التي شاركت في تكوينها. ويظهر هذا المنحى الجغرافي جلياً في كتابه "مروج الذهب ومعادن الجوهر" الذي مهد إليه بقوله " صنّفنا كتابنا في أخبار الزمان، وقدمنا القول فيه، في هيئة الأرض، مدنها، وعجائبها، وبحارها، وأغوارها، وجبالها، وأنهارها، وبدائع معادنها، وأصناف منالها، وأخبار غياضها وجزائر البحار، والبحيرات الصغار، وأخبار الأبنية المعظمة، والمسكان المشرفة، وذكر شأن المبدأ، وأصل النسل، وتباين الأوطان، وما كان برّاً فصار بحراً وما كان نهراً فصار بحراً، وما كان بحراً فصار براً على مرور الأيام، وكرور الدهر، وعلة ذلك، وسببه القلكي الطبيعي، وانقسام الأقاليم بخواص الكواكب، ومعاطف الأوتاد ومقادير النواحي والآفاق..." .

ثم سار على ذات النسق الموضوعي لا الحولي-الاسنادي ابن مسكويه (ت 421هـ) الذي حاول جاهداً أن ينظر إلى التاريخ البشري من خلال منظور واقعي عملي(برغماتي)، وحجته في ذلك أن يستفيد أهل زمانه من توظيف أحداث الماضي في استيعاب واقعهم الحياتي المعاش. وتتجلى نظرته الواقعية هذه في قوله: بأنه لم يعترض لذكر معجزات الأنبياء صلوات اللّه عليهم وما تم لهم من السياسات، ]لأن أهل زمانه[ لا يستفيدون منها فيما يستقبلونه من أمورهم إلا ما كان تدبيراً لا يقترن بالإعجاز" .

وفي النصف الأول من القرن الخامس الهجري لمع البيروتي (ت 448هـ) الذي شذب معارف من سبقوه وصهرها في نمط انثروبولوجي- تاريخي قائم على مشاهداته ومعايناته الخاصة في توثيق بعض القيم الاجتماعية والممارسات الحياتية بين سكان شبه القارة الهندية الذين عاش بين طهرانيهم وتعلم لغتهم واضحى مدرطا بدقائق الموروثات المحلية التي كانت تحكم حركة تاريخهم السياسي والاجتماعي والثقافي. واستفتد من ذلك الإرث التاريخي أيضاً ابن حزم الظاهري (ت 456هـ) الذي أولى اهتماماً خاصاً بتوثيق القيم الروحية لظواهر العمران البشري وفق معيار أخلاقي فلسفي لضبط الروايات التاريخية.

وكما يرى قاسم عبده قاسم ان التقدم الذي أحرزه علم التاريخ في تلك الفترة يجب أن لا يعزى فقط إلى كثرة المؤرخين، أو نمو المادة التاريخية وتراكمها، أو تطور منهج البحث التاريخي، بل يجب ان يرد في المقام الأول إلى تعدد اتجاخات التأليف وأنماطه التي جاءت استجابة لتطلعات ثقلفية-اجتماعية فرضتها الظروف التي سادت العالم الإسلامي آنذاك. وعليه يمكننا القول بأن التقدم الذي حدث في بنية علم التاريخ ومناهجه البحثية كان يمثل نقلة نوعية تجاه الاستقلال المنهجي من علم الحديث والعلوم الشرعية الأخرى، لأن أوعية المصادر التاريخية قد تجاوزت روايات الإخباريين وأمست تشمل المعاينات الحية والمصادر المكتوبة والنقوش والآثار.

وظل هذا التطور المنهجي لعلم التاريخ في حركة تصاعدية مع نمو أدبيات التراث الإسلامي إلى أن بلغ ذروته فب القرن الثامن الهجري، عنذما ظهر العلامة عبد الرحمن ابن خلدون (732-808)، الذي كان ينادي بتأسيس "فن التاريخ" وفق معايير كلية-نظرية تحكم منهجه البحثي وتحدد علاقته بأحوال العمران البشري. ومن ثم جاء تعريفه لعلم التاريخ بأنه " في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأولى، تنمو فيها الأقوال، وتضرب فيها الأمثال، وتطرق بها الأندية إذا غضها الاحتفال، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع والأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير أن يعد من علومها خليق" . ويظهر من هذا التعريف أن علم التاريخ عند ابن خلدون يقوم على دعامتين: أحدهما رواية الوقائع التاريخية، والثانية البحث عن أسباب الأحداث التاريخية والتوصل إلى القوانين الكلية التي تحكم خط سيرها.

أما موقف ابن خلدون من تراث أسلافه من المؤرخين الذين كتبوا عن تاريخ الإسلام أمثال ابن اسحق (150هـ) والواقدي (ت 206)، وابن هشام (213 هـ) وابن الحكم ( 257 هـ) والبلاذري (279 هـ ) والدينوري ( ت 282) والطبري ( 310هـ) والمسعودي (346 هـ) فقد كان موقفاً ناقضاً ورافضاً، حيث استبعد كثيراً من رواياتهم بحجة أن محرريها قد اعتمدوا " على مجرد النقل غثاً وسميناً، ولم يحكموا" أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني" ، ولم يقيسوا "الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب وفضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط" . وعلى ضوء هذه الاتهامات عزى ابن خلدون المغالطات التي تحدث في أوساك المؤرخين إلى الأسباب التالية:

أولا: التشيعات للآراء والمذاهب" وفي هذا يقول "فإن النفسئ إذا كانت على حال اعتدال من قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر حتى يتبين صدقه8 من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله" .

ثانياً: الثقة المفرطة في الناقلين والرواة دون التثبت من رواياتهم وفق معايير منهج الجرح والتعديل.
ثالثاً: "الذهول عن المقاصد" ، ويقصد بهذه العبارة أن يكون الناقل صادقاً في روايته لكب " لا يعرف القصد بما عاين أو سمع وينقل الخبر على ما في ظنه وتخمينه فيقع في الكذب".
رابعاً: الجهل بطبائع الأحوال والعمران " فإن كل حادث من الحوادث ذاتاً كان أو فعلاً لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحواله، فإذا كان السامع يلم بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضباتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر وعلى تمييز الصدق والكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض".



وهذه الأسباب كما يراها زكريا بشير إمام:

تعطي مؤشراًَ هاماً لمنهج ابن خلدون في تفسير التاريخ، وذلك المنهج الذي يرتكز وبصورة أساسية على قناعته الراسخة أن التاريخ في حقيقته وفي لبابه وباطنه إنما هو علم مؤسس على سنن واضحة شاملة وقوانين عليّة عالمية النطاق والمدى، محكمة التأثير على الواقع الإنساني ذات سيطرة حاسمة عليه. تماما كما هو الحال في العلوم الطبيعية حيث تتحكم القوانين الفيزيائية والكيميائية وغيرها في مسار الطبيعة وفي تفاعل المواد والعناصر، وبدون اصطحاب هذه الحقيقة تصبح قراءة التاريخ ضربا من قراءة فناجين الحظ .

وهذه القوانين التي يشير إليها زكريا بشير إمام إجمالاً يفصلها ابن خلدون فيما يلي:

أولاً: قانون السببية العام

قانون السببية العام (أو العليّة) هو أحد قوانين الحتمية التاريخية (أو الجبرية التاريخية) عند ابن خلدون، إذ يحاول من خلاله أن يخضع وقائع العمران البشري إلى مجموعة من القواعد الثابتة التي تحكم مسار حركتها وفق رباط يجمع بين الأسباب والمسببات، ولا يستثني ابن خلدون من هذا الرباط إلا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء والصالحين. وبهذا الاستثناء يحاول أن يؤكد موقفه الثابت من دور القوى الغيبية في تشكيل الواقع العمراني البشري دون أدنى تبديل لمبدأ العليّة ودوره المحوري في تفسير الأحداث التاريخية.

ثانيا: قانون التشابه

يؤمن ابن خلدون أن هناك قانون تشابه يسهم سلباً يسهم سلباً وإيجاباً في صياغة أحداث التاريخ البشري. وهذا القانون من وجهة نظره مقيد بسببين: أحدهما يتبلور في وحدة العقل البشري، بحجة انه لا يوجد تباين واضح بين عقول أفراد الجنس البشري مهما تعددت أوطانهم أو بيئاتهم الثقافية والاجتماعية. وثانيهما يتمثل في التقليد الذي جبل الناس عليه وجعلوه بمثابة قتنون يحكم عوائد عمرانهم البشري. وعليه يقرر ابن خلدون أن المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب ، والخلف مطبوع على تقليد السلف دون رويّة أو تمحيص.

ثالثاً: قانون التباين

يمثل قانون التباين الضلع الثالث في مثلث الحتمية التاريخية (أو الجبرية التاريخية) عند ابن خلدون ، ومن خلال يقر أن المجتمعات البشرية ليست متماثلة إلى درجة الترادف والإحلال بل توجد بينها فروق يجب أن يدركها ويلاحظها المؤرخ. وتجاوز هذه الفروق يعد من الغلط الخفي في التاريخ لأن "أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة ومنهاج مستقر ، إنما هو اختلاف على الأيام والأزمنة وانتقال من حال إلى حال. وكما يكون ذلك في الأشخاص والأوقات والأمصار، فكذلك يقع في الآفاق والأقطار والأزمنة والدول: سنة اللّه التي خلت في عباده". وإلى جانب ذلك يقر ابن خلدون أن هناك علاقة جدلية بين قانوني التشابه والتباين. إذ إن التباين يدفع إلى التشبه ثم تفضي محاولات تكرار التشبه نفسها إلى التباين. وفي هذا الشأن يقول: "أهل الملك والسلطان إذ استولوا على الدولة والأمر فلا بد ان يفزعوا إلى عوائد من قبلهمخ ويأخذوا الكثير منها ولا يغفلوا عوائد جيلهم مع ذلك. فيقع في عوائد الدولة بعض المخالفة لعوائد الجيل الأول. فإذا جاءت دولة أخرى من بعدهم ومزجت من عوائدهم و عوائدها خالفت أيضاً بعض الشيء، وكانت للأولى أشد مخالفة. ثم لا يزال التدرج في المخالفة حتى ينتهي إلى المباينة بالجملة".

وإلى جانب هذه القوانين التي تضبط إيقاع المنظومة الحتمية التاريخية توجد عوامل أخرى ذات تأثير فاعل فب تحديد توجه العمران البشري وتطوره، وهذه العوامل يمكننا أن نذكرها فيما يلي:

أولا:ً العامل الاقتصادي

يعتبر العامل الاقتصادي عند ابن خلدون بمثابة القاعدة التي يستند إليها "أس" الاختلاف في بنيات العمران البشري وتطوره، وذلك علماًَ بأن اختلاف النحل والعادات و المهن يرتبط ارتباطا عضويا بأحوال المعاش. والمعاش في جوهره يعكس "قيم الأعمال البشرية" . لذا فإن ابن خلدون يرى أن اختلاف أحوال العمران البدوي والعمران الحضري قائم على اختلاف أساليب الأنتاج والكسب القيمي لأعمال الإنسان. وبهذا التصور يظهر ابن خلدون كما تراه زينب الخشيري - في حلية المبشر "للمادية التاريخية" التي وسّع أوعيتها كارل ماركس وأعطاها بعداً جدلياً في تحديد مسار حركة التاريخ البشري ومنظوراً فلسفياً في معالجة قضايا العمران البشري. إلا أن ابن خلدون كانت أكثر مرونة من الإطار الجدلي الحتمي الذي اعتبره ماركس مرتكزاً أساسياً للمادية التاريخية التي ارتبطت باسهاماته المعرفية.

ثانيا: العامل الطبيعي (البيئة الجغرافية)

يوافق ابن خلدون فلاسفة اليونان ومن سبقه من المؤرخين المسلمين (المسعودي وابن مسكويه) في أن البيئة الطبيعية لها تأثير فاعل في تحديد شكل العمران اليشري وتكييف نشاطه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ويؤكد أن هذه المسائل مرتبطة ارتباطا جوهريا بالموقع الجغرافي وطبيعة الأرض ودرجة خصوبتها ونوعية المحاصيل التي تنتجها وطبيعة المناخ الذي ينعم به أهل الإقليم المعني. وهذه الظواهر البيئية بدورها تؤثر في تحديد صفات الإنسان الجسمانية والنفسية، وتسهم في تحديد نوعية كسب عيشه المرتبط بدرحة مساركة الفرد والجماعة في بناء الصرح الحضاري. ومن ثم يصف صاحب المقدمة أهل الأقاليم المعتدلة بالتحضر واعتدال المزاج بينما يطلق على أهل الأطراف بعض صفات التوحش والخمول الذهني.

ثالثاً: العامل الديني

يري القارىء المتبصر في ثنايا "مقدمة كتاب العبر وديوان المبتدأ و الخبر" أن العلاقة بين البعد الغيبي (اللّه) والعالم الإنساني مبسوطة بسطاً واسعاً في فكر ابن خلدون، وذلك انطلاقا من إيمانه بمبدأ استخلاف اللّه للإنسان في الأرض وتسخير الظواهر الكونية لسلطانه. ومن هذه الزاوية يرى أن للإنسان دوراً محوريا في تشكيل أحداث العمران البشري . أما دور الدين الفاعل فنجده متجسداً في قوله :" أن العرب لا يجعل لهم الملك إلا في صبغة دينية من نبوة أو ولاية أو أثر عظيم في الدين على الجملة" ، وعلته في ذلك أن العرب "لخلق التوحس الذي فيهم اصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض للغلظة والأنفة وبعد الهمة والمنافسة في الرياسة، فقلما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية كان الوازع لهم من أنفسهم وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم فسُهل انقيادهم واجتماعهم" . بهذه الكيفية يبرز ابن خلدون دور العامل الديني في تشكيل قيادة العمران البشري، مضاهيا به دور العصبية في بناء السلطة والسيادة.

مقدمة ابن خلدون من منظور الخلف

لا شك أن ابن خلدون قد كان صاحب فكر عقلاني نفّاذ ومعرفة موسوعية متفردة في عهد برز فيه الانحطاط الفكري في العالم الإسلامي، وقل فيه المبدعون، وكثر الاجترار والتقليد في أدبيات المعاصرين. لذا فإن آراء معظم معاصريه وبعض الذين تتلمذوا على يديهم كانت ناقدة ورافضة لآراءه وأفكاره "التجديدية". ويكمن مبعث هذا الرفض والإعراض في أن إفهام بعض هؤلاء قد "عجزت عن ادراك ]عظمة المقدمة[، فانتقضوها وانتقضوا صاحبها معها، ولم يستفسجوا منها فائدة تذكر" . ويعزي زكريا بشير إمام هذا الإعراض الفكري إلى طبيعة إسهامات ابن خلدون التي وصفها "بالنزعة العقلانية والعلمية المتطرفة" التي "تكاد تخلو من التعابير والمصطلحات العربية الإسلامية ولا تضع العلم في الإطار القرآني المعروف ]في ذلك العصر[". ونذكر من جملة هؤلاء الحافظ بن حجر العسقلاني الذي يعتبر مقدمة ابن خلدون بمثابة ترف فكري، "لا تمتاز بغير البلاغة والتلاعببالكلام على الطريقة الجاحظية وأن محاسنها قليلة غير أن البلاغة تزين بزخرفها حتى يري حسناً ما ليس بحسن".

ويبدو أن هذا الرأي كان يمثل رأي السواد الأعظم من مؤرخي ذلك العصر، فمثلاً نجد أن محي الدين محمد بن سليمان الكفيجي (788-879هـ) صاحب "المختصر في علم التاريخ" لم يشر إشارة واضحة إلى أدبيات ابن خلدون، التي بموجبها أطلق مؤرخو القرن التاسع عشر الميلادي على ابن خلدون لقب "مؤسس علم التاريخ". ففي المختصر اكتفى الكافيجي بالحديث عن الخصائص العامة لعلم التاريخ، وتبيين أغراضه وأهدافه وفوائده، ثم توضيح علاقته بالعلوم الشرعية الأخرى. ثم عرف علم التاريخ بأنه "علم يبحث فيه عن الزمان وأحواله، وما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوقيته" . ولبلوغ هذه الغاية اشترط أن تكون أهلية الراوي والمؤلف قائمة على " العقل والضبط والإسلام والعدالة" . ومن هذه الزاوية يمكننا القول بأن الكافيجي قد رجع بمنهج البحث التاريخي الذي اخطته ابن خلدون خطوة إلى الوراء، لأنه حصر آليات تقويم المصادر التاريخية في منهج الجرح والتعديل الذي يعوّل على الجوانب الخلقية المرتبطة بالإسناد الخبري دون الوقوف بدرجة معقولة عند الدلالات التاريخية التي تسهم في صياغة الحدث التاريخي وتشكيله.

وعلى ضوء هذه المعايير الخلقية في توثيق الوقائع التاريخية حصر الكافيجي حركة المؤرخ من ناحية ثبوت الخبر التاريخي في خمسة وجوه: فالوجه الأول أعلاها مقاماً وهو وجه "الحضور والعيان" الذي يكون المؤرخ فيه شاهداً على الوقائع التاريخية. وفي أدبيات الفيلسوف الألماني هيغل يطلق على هذا الوجه مصطلح "التاريخ الأصلي"، بحجة أن المؤرخ يروي فيه الأحداث بلسان حال العصر الذي تشكلت فيه وعقلية المؤرخ الذي عاصرها. والوجه الثاني هو "اعتبار العلم واليقين" المرتبط بدرجة التثبت من صدق الخبر التاريخي بالنسبة للمؤرخ الذي لم يكن معاصراً للحدث التاريخي على وجه "الحضور والعيان". ويقوم الوجه الثالث على مفهوم "غلبة الظن" وذلك في حالة تعذر الحصول على الخبر المتواتر أو المشهور ثم الاعتماد على الخبر الوارد على رواية الآحاد. ونلحظ أيضاً أن الكافيجي يقر مبدأ "ترجيح أحد الروايات المتعارضة" كوجه رابع، لأنه يعتقد أن هذا المبدأ يفتح باب البحث للوصول إلى أكثر الروايات موثوقية. والوجه الخامس والأخير هو الوجه الذي يطلق عليه الكافيجي"اعتبار وجه غير الوحوه الأربعة السابقة" ، وفي هذا المقام نجده يفضل السكوت عن الإفصاح بالخبر المشكوك فيه متعللاً بقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك".
فهذه القواعد الخمس التي أشرنا إليها كما يرى صاحب المختصر يجب أن يعمل بها في ضبط الحوادث التاريخية المرتبطة بفعل الإنسان، وتقاس عليها الحوادث التابعة لها والناتجة عرضاً بفعل الحيوان والنبات والمعدن و"سائر أنواع الكائنات من أرضيات وسماويات وما عداهما". وهذه الوجوه الخمسة حسب رأي أحمد الياس حسين تمثل القواعد الأساسية التي تستند إليها "أصول علم التاريخ" عند الكافيجي باعتبارها "المنهج الذي يتم عن طريقه التمييز بين الأخبار والوقوف على مدى صحتها". وإذا نظرنا إجمالاً إلى منهج البحث التاريخي عند الكافيجي وجدناه اقصر قامةً من المنهج الذي أخطته ابن خلدون متجاوزاً به أدبيات علم الحديث. وتجاهل صاحب المختصر لإسهامات ابن خلدون يدفعنا إلى القول بأن الكافيجي كان من جملة المعارضين لأفكاره التجديدية.

أما كتاب شمس الدين السخاوي "الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ" فقد جاء بتفصيلات وافية لمفردات مختصر الكافيجي، وقدم عرضاً موضوعياً للتطور الذي أحرزته الكتابات التاريخية ومناهج البحث التاريخي في التراث الإسلامي. ومن خلال استعراضه لأنماط الكتابات التاريخية استطاع السخاوي أن يبين طبيعة العلاقة الجدلية المتبادلة بين نمو المعرفة التاريخية وتطور مناهج البحث التاريخي، ويقدم في نفس الوقت مرافعة أدبية رائعة ضد الذين أرادوا النّيل من علم التاريخ وتحقير المؤرخين. وفي هذه المرافعة استطاع أن يؤكد ما ذكره ابن خلدون والكافيجي بأن علم التاريخ "فن يبحث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين و التوقيت ، وأن موضوعه "الإنسان والزمان، ومسائله وأحوالهما المفصلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة للإنسان وفي الزمان" ، وأن يوثق لإسهامات بعض المؤرخين من أمثال الطبري والمسعودي والبيروتي ويشيد بدورهم الرائد في تراكم المعرفة التاريخية وتطوير أنماط الكتابة وتثقيف منهج البحث التاريخي الذي تجلّت معالمه في أدبيات ابن خلدون ومن ساروا على نهجه.


تطور مناهج البحث التاريخي في الغرب الأوروبي

عندما كان علم التاريخ يسير بخطى ثابتة نحو التجويد المنهجي والتنويع في أنماط الكتابة التاريخية في العالم الإسلامي كانت المعرفة التاريخية في أوروبا أسيرة للمفاهيم الغيبية التي تنظر إلى التاريخ باعتباره مجرد وقائع محسوسة وغير محسوسة غايتها تحقيق الخلاص الإنساني على أيدي رجال الدين الذين يمثلون المشيئة الإلهية في الأرض. وببزوغ عصر النهضة في القرن الخامس عشر بدأت النظرة المعرفية الغربية تشكل وفق منظومة ثلاثية استمدت منهجها من النزعة الإنسانية العقلانية ذات التوجه الرافض لتعاليم الكنسية، والحركة الإصلاحية الدينية البروتستنتية التي قادها الراهب الألماني مارتن لوثر (1483-1546) متخذاً من السلوك الفردي معياراً لتفسير الكتاب المقدي، ومن الفن نموذجاً للعطاء الإنساني، ومن النجاح الدنيوي علامة على رضا الرب، ثم نوجت هذه المنظومة الثلاثية بالاكتشافات العلمية القائمة على منهج البحث التجريبي الذي أسسه فرانسيس بيكون (1561-1626) على خدي المنهج الاستقرائي المستمد من الملاحظة والرصد والتثبت من صحة المعطيات ومطابقتها للواقع، وأيضاً على قيم المعارف الرياضية الاستنباطية التي أسسها رينيه ديكارت (1596-1650) وفق فرضيات احتمالية توصل إليها بإعمال العقل الإنساني بعيداً عن مفاهيم العلماء اللاهوت. وبدخول أوروبا عصر "التنوير" في القرنين السابع عشر والثامن عشر تصاعد الاهتمام المعرفي بدراسة أثار الماضي البشري والظواهر الاجتماعية الأخرى وذلك وفقاً للأصول المعرفية التي أسست على ثوابت الاستقراء والاستنباط وعلى بعض النواميس الكونية والممارسات الاجتماعية التي ألبست ثوب قوانين علوم الطبيعة وأضحت بمثابة قواعد معرفية لتقسير السلوك الانساني وتحليل آثار الماضي البشري. وقد عرف هذا العصر أيضاً بعصر "الحداثة"،وذلك العصر الذي أعقبته بعض الانجازات المعرفية المرتبطة بمنهج البحث التاريخي، والتي بدأت تأخذ شكلاً مؤسسياً تبلورت معالمه في ظهور مدارس "ما بعد الحداثة" في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، وأخيراً كانت الكفة الراجحة لأدبيات مدرسة الحوليات الفرنسية التي وجدت رواجاً في كثير من الدوائر العلمية المهتمة بدراسة التاريخ.

وسنتناول في الفقرات التالية بالشرح والتحليل أدبيات هذه المدارس تباعاً والانجازات التي حققتها في مجال البحث التاريخي، وأوجه القصور التي نسيت إليها، ثم أفضت إلى ظهور مدارس أخرى لتفسير التاريخ، ونذكر من ضمنها التفسير الإسلامي للتاريخ الذي سنتطرق إليه في الفصل الأخير من هذا البحث.

المدرسة المثالية

ترجع جذور المدرسة المثالية إلى الفيلسوف اليوناني أفلاطون (427-347 ق.م.) الذي يقر أن العقل الإنساني هو مصدر الوجود الحقيقي وأن المحسوسات هي مجرد انعكاس للوجود الحقيقي نفسه. وأخيراً تطورت خذخ المفاهيم المثالية على يد الفيلسوف الألماني فريدريك هيغل (1770-1183م) الذي يرى أن العقل الكامن في ظواهر الطبيعة هو الذي ينظم نواميسها الكونية، وأن التاريخ الإنساني يبدأ بظهور الوعي البشري الذي يجعل الإنسان قادراً على الاستقلال من هيمنة الطبيعة وفاعلاً في توجيه حركتها في إطار قوى النواميس الكونية التي تنظم تفاعلاتها الداخلية. وأن هناك صراعاً دائماً بين العقل (الروح) والطبيعة (المادة) ، وعبر هذا الصراع تتوحد العناصر المتناقضة فيما بينهما وتأتلف مكونة الأطروحة (thesis) أو ما يعرف بالموحد الأولي، ثن تندفع الأطروحة تجاه صراع جديد تأتلف عناصره فب الطباق (antithesis)، وأخيراً ينشب الصراع بين الطباق وعناصره المتناقضة وينتج عن ذلك انبثاق التركيب(synthesis). هكذا يتقدم الوعي الذاتي الإنساني عند هيغل- بخطي جدلية تجاه الحرية والتكامل الفكري، ثم يواصل سيره صوب الوجود المطلق الذي تختفي عنده التناقضات ويضحي التعايش سمة أبدية بين العقل والمادة .

ومن خلال العرض المقتضب نجمل القول بأن هيغل يري التاريخ البشري عبارة عن تجليات للفكري الإنساني صوب "الكامل" الذي يحدث نتيجة لتفاعل الصراع الجدلي بين الأفكار ونقائضها في سبيل الارتقاء إلى "الوجود المطلق" الذي تنتقي عنده جدلية الصراع وتسقط أقنعة النقائض نفسها.

المادية التاريخية

يقف كارل ماركس (1818-1883م) وفردريك انجلز (1820-1895م) موقفاً رافضاً للفلسفة المثالية الهيجلية القائمة على القيم المثالية التي تنظر إلى الوجود الخارجي باعتباره ثمرة للإبداع الفكري، وحجتهما في ذلك أن نمط الحياة المادية هو الذي يتحكم في مسار الحياة الاجتماعية الذي يعتبرانه إفرازاً طبيعياً للوجود الاجتماعي الذي تحدده وسائل الانتاج وجدلية الصراع بين هذه الوسائل وعلاقات الانتاج والقوى المنتجة. وفي هذا يقول ماركس "إن اسلوب الديالكتيك ليس مجرد أسلوب مخالف أسلوب بأسلوب المثالية، إنما هو عكسه تماما، لأن عملية التفكير عند هيغل هي خالقة العالم الحقيقي،والعالم الحقيقي ليس إلا الشكل الخارجي الذي تتخذه الفكرة، أما أنا فأرى أن الفكرة ما هي إلا العالم المادي بعد أن يعكسه ذهن الإنسان ويصوغه في شكل الأفكار" .

فالتاريخ البشري من وجهة نظر الماركسيين يرتبط ارتباطاً عضوياً بالظروف المادية الاقتصادية التي تعتبر بمثابة المعيار الكمي والكيفي لقياس درحة الحضارة وتحديد نمط الحياة الاجتماعية والسياسة والفكرية. وأسلوب الإنتاج هو عمدتهم في ضبط القيم الاجتماعية التي تحكم التطور التاريخي الناتج عن صراع الطبقات الاجتماعية . وله محركان لا ينفصمان عنه اليتة هما: القوى الإنتاجية وعلاقات الإنتاج، و الصراع الجدلي بين هذه القوى الثلاثة هو الذي يحكم حركة التاريخ البشري وينفي نفياً قاطعاً دور العوامل الغيبية والفكرية في تحديد البناء الفوقي في للمجتمع. وفي هذا إطار منظومة هذا الصراع الجدلي يرون أن تطور المجتمع يبدأ بنظام المشايعة البدائية، ثم نظام الطبقات الناتج عن انقسام المجتمع البدائي إلى سادة وعبيد، ويعقبه نظام الإقطاع الذي يسود فيه الإقطاعيون على حساب الأقنان، وتدريجياً يتبلور هذا الصراع في قيام ةالنظام الرأسمالي الذي يقسم المجتمع إلى رأسماليين وأجراء. وبهذه الكيفية تسير عجلة المادية الجدلية في صراع حتمي إلى أن تبلغ هدفها الأسمى في قيام الشيوعية المطلقة الذي تزول فيه المصالح الاقتصادية المتعارضة ويسود فيه التعايش بين وسائل الانتاج وعلاقاته وبين الطبقة العاملة المنتجة من طرف ثالث.

المدرسة الحضارية

لقد واجهت المادية التاريخية نقداً حاداً من علماء ما بعد الحداثة أمثال تووينبي ودنيال بل (Bell Daniel) الذين كانوا يعتقدون أن الماركسية البنيوية لا تصلح أساساً لقراءة التاريخ وأن فكرة الحداثة نفسها قد التسمت بالشطط الاستقراءي والاستنباطي وتدثرت بعقلانية الرجل الأبيض التي تجاهلت دور المرأة والأقليات في صناعة التاريخ البشري وركزت غلى البنية الاجتماعية التي اعتبرها بعض دعاة الحداثة نتاجاً طبيعياً لحركة الواقع الاقتصادي. وبذلك يرفض أرنولد توينبي (1889-1975) قيم المادية الجدلية يتبنى طرحاً يؤمن بالفوى الغيبية ودور الأفراد المبدعين، ومفهوم التحدي والاستجابة في دفع خركة التاريخ البشري، وبذلك ينافح القول بأن سلوكيات الأفراد عبارة عن إفراز طبيعي لثمرة الإبداع الفكري أو انعكاس الصراع بين مفردات الثلاثية الجدلية التي تتمثل في وسائل الانتاج وعلاقات الإنتاج والقوى المنتجة حسب ما يرى دعاة الماركسية.

ويبدو أنه من خلال قراءته في تاريخ الإغريق والرومان وبعض الحضارات القديمة الأخرى ، وبذلك توصل إلى القول بأن التاريخ البشري في مجمله عينة من الحضارات تسير في حركة ارتقاء وهبوط، وتبدأ بنشوء الحضارة ونموها و تفككها وانحلالها. وتتم هذه الحركة في ظل تجاوب متبادل بين العنصر البشري والتحديات الطبيعية وغير الطبيعية التي تتجسد حصيلتها الإيجابية في نشوء الحضارة المعنيى بالأمر، ونشوء الحضارة نفسه يتطلب وجود حافز أساسي يعرف "بنظرية التحدي والاستجابة" . وقد يكون هذا الحافز دينياً كما جاء في قصة تحدي الحية للرب وهبوط آدم من الجنة وجهاده علي أديم الأرض، وبيئياً كالتحدي الذي واجهه سكان شمال افريقيا والذي دفعهم لاستغلال موارد النيل وتأسيس الحضارة الفرعونية التي تعتبر بعض منجزاتها من عجائب الدنيا السبع. لكن مثل هذه التحديات يجب أن يكون في مقدور الإنسان مواجهتها والتغلب عليها، فإذا كان التحدي قاهراً فسيحدث الجمود والانحلال كما هو الحال بالنسبة لسكان القطب الشمالي في الأسكيمو .

ويرى التوينبي أن نشوء الحضارات يتحقق عندما حدث التقدم ذاتي واستجبة المجتمع للتحدي في مجال العلوم والفنون والعقائد. ويقود هذا التقدم صفوة من الأفراد المبدعين الذين تخذهم السواد الأعظم من الناس قدوة، يحاول أن يقلدهل في سائر أفعاله ويتشبه بسلوكياته لكي يبلغ شأواً من المثالية التي يراها متجسدة في أولئك المبدعين، وأن السلوك الابداعي يبدأ بمرحلة الاعتكاف الذي يحدث فيه الصفاء الذاتي للمعتكف، كما فعل سائر الانبياء، ثم تأتي بعد ذلك مرحلة الغودة إلى دائرة الاتباع والواقع المعاش الذي يحاول المعتكف أو صاحب الرسالة أن ينظم إيقاعه وفق قيم الرسالة الدينية التي جاء بها. وبذلك تنشأ الحضارة في ثوب مثالي وفق قيم المؤسس الذي التف حوله الأتباع وقلدوه تقليداً أعمى إيمانا بمثاليته. ثم تأتي مرحلة التفكك والانحلال عندما ينشأ التناقض في سلوكيات ورثة المبدعين الذين فقدوا جاذبية الجيل المؤسس وانفضت الأكثرية المؤيدة حولهم. في ظل هذا الصراع والشقاق الداخلي تقثد الحضارة ونقها وتواصل انحدارها صوب التفكك والانحلال .

إلا ان أطروحات توينبي التي أشرنا إليها لم تحظ بقبول معظم المؤرخين الغربيين الذين استقبلوها "بالسلبية منذ البداة" ووصفها بعضهم بأنها "تركيب معماري ضخم" قام على "أساس نضرية ضعيفة". وحجتهم في ذلك أن أطروحاته مبنية على "نمط المدنية الهلنستية"، وأن فكرة "التحدي والاستجابة" لا يمكن أن يتم فهمها إلا بالتحليل العلمي لوضعيات خاصة، أي بدراسات أكثر تحديداً، الشيء الذي يفرغ إطارها اعام من محتواها العلمي .

مدرسة الحوليات الفرنسية

ومن ثم فإن فشل علماء الحداثة وما بعدها إلى ظهور عدد من المذارس التاريخية في الغرب أذيعهل ششهرة مدرسة الحوليات التي استمدت منهجها من كتابات عدد من الباحثين الذن كانوا ينشرون اصداراتهم العلمية في مجلة الحوليات الفرنسية (annals) ونذكر منهم لوشن فيبر ((Lacien Febvre ، ومارك بلوش (Mark Bloch) ، وفرناند برودل (Fernand Brudal) . وقد تمثلت الأفكار الرئيسة لهذه المدرسة في استبدال المنهج التاريخي الايديزلزجي بمنهج يقوم على السرد التقليدي للأحداث، وينظر إلى التاريخ البشري باعتباره انعكاسا لتجليات الفعل السياسي، للربط بين هاتين الفرضيتين حاول أنصار الحولات أن يتبنوا منهجاً بحثياً يقوم على إزالة الحواجز المنهجية بين العلوم الاجتماعية (الاقتصاد، الاجتماع، علم النفس، الانثروبولوجيا، اللغويات،... ) ويدعوا إلى تبني منهج شمولي تكاملي يجعل من هذه العلوم الاجتماعية علوماً مساعدة لعلم التاريخ في تحليل الوقائع التاريخية وأحداث الماضي البشري. وفي العقدين الأخيرين من القرن العشرين حاول أنصار هذه المدرسة أن يعدلوا عن نظرتهم إلى التاريخ البشري باعتباره انعكاسات لتجليات الفعل السياسي ويتبنوا فرضية أخرى تقضي بأهمية التاريخ الثقافي-الاجتماعي في قراءة أحداث الماضي البشري، وبذلك حاولوا أن يتخلصوا من نقد خصومهم الذين وصفوهم بأنهم عبدة لآلة التاريخ التاريخ السياسي وتاريخ السردي القصصي . ورغم هذه الانتقاضات إلا ان دعوتهم للاستئناس بالعلوم الاجتماعية الأخرى في قراءة أحداث الماضي البشري مازالت موضع تقدير كثير من الباحثين في مجال الدراسات التاريخية.

وبهذا العرض الموجز نخلص إلى أن المنهج الغربي المادي امتعلق بمعالجة الواقعة التاريخية والمسألة الحضارية قد عجز عن إعطاء قراءات الكلية لحركة التاريخ البشري، لأنه كان يؤمن بضرورة إقصاء العناصر الغيبية من مراجع المعرفة التاريخية ومصادرها ويبني فرضياته على التجربة والعقل وأحياناً على قيم غيبية تستمد شرعيتها من التراث الإنساني نفسه. ولا شك ان هذا الفشل المتكرر قد اسهم في ظهور ودارس أخرى في مجال فلسفة التاريخ ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر المدرسة الإسلامية أو بالأحرى التفسير الإسلامي الذيي سنناقشه في الفقرات التالية.

أسلمة علم التاريخ: الدوافع والأطروحات

برزت قضية أسلمة علم التاريخ في الربع الأخير من القرن العشرين للميلاد نتجة لدافعين رئيسين : أحدهما ذاتي عقائدي والآخر خارجي ايديولوجي. ويتمثل الدافع الذاتي العقدي في قول عماد الدين خليل:

إن ]هناك[ ثمة حقيقة أساسية تبرز واضحة في القرآن الكريم، وتلك هي أن مساحة كبيرة في سوره وآياته خصصت (للمسألة التاريخية) التي تأخذ أبعادها واتجاهات مختلفة وتتدرج بين العرض المباشر والسرد القصصي (الواقعي) لتجارب عدد من الجماعات البشرية، وبين استخلاص يميز بالتركيز والكثافة للسنن التاريخية التي تحكم حركة الجماعات عبر الزمان والمكان، مروراً بمواقف الإنسان المتغيرة من الطبيعة والعالم، بالصيغ (الحضارية) التي لا حصر لها والتي تتأرجح بين البساطة وبين النضج والتركيب. ةتبلغ هذه المألة حدّاً من (الثقل) و (الاتساع) في القرىن الكريم بحيث أن جل سوره لاتكاد تخلو من عرض لواقعة تاريخية، أو إشارة سريعة لحدوث ما، أو تأكيد على قانون أو سنّة تتشكل بموجبها حركة التاريخ".

وبهذه الكيفية يرى عماد الدين خليل ومن وافقوه الرأي أن معارف الوحي (القرآن والسنة) يمكن أن تقدم قاعدة صلبة لتأسيس تقسير إسلامي للتاريخ يتجاوز به المؤرخون اخفاقات المدارس التاريخية الوضعية،ويعطون من خلاله قراءات جديدة لطبيعة العلاقة الثلاثية بين اللّه واإنسان والنواميس الكونية ، فاعلية دورها في تحديد مسار حركة التاريخ البشري. أما الدافع الخارجي الايديولوجي فيتبلور في ظاهرة قصور رؤية المنهج الغربي الحديث عن إعطاء قراءات كلية لطبيعة العلاقة الثلاثية بين اللّه والإنسان ووالوجود، وضعف نظرته العلمانية في تقديم فهم موضوعي لدور هذه العوامل الثلاث في صياغة حركة التاريخ البشري وتشكيل البناء الحضاري.ويرى أصحاب هذا الرأي أن أوجه قصور المنهج الغربي تكمن في إقصاء القيم الغيبية والروحية والركون إلى التجربة والعقل في تفسير وقائع التاريخ البشري. وللخروج من هذه الإشكالية اقترحوا ضرورة البحث عن منهج علمي تتكامل فيه قيم الوحي مع الواقع المشاهد ويوازن فه بين دور الإنسان وبين الظروف البيئية المحيطة به. ومن أوائل الذين أسهموا في بورة هذا التوجه الدكتور عناد الدين خليل، الذي أصدر عدداً من الأطروحات العلمية الحادة، التي انطلقت من فرضية مؤدها أن المساحة الواسعة التي جصصها القرآن للمسألة التاريخية كافية لأن تضع الأساس لتفسير إسلامي للتاريخ، تفسير يربط بين قيم السماء والأرض، يؤطر لمسألة خلق الإنسان ودوره في عالم المحسوس، للصراع بين قوى الخير والشر، وللمصير المحتوم الذي ستؤول إليه هذه القضايا.

وانطلاقا من هذه الفرضة يبدأ خليل بقضية البعد الغيبي في صياغة الحدث التاريخي، وذلك البعد يعتبره أحد الملامح الأساسية التي تميز التفسير الإسلامي للتاريخ عن سائر التفاسير الوضعية الأخرى (المثالية والمادية والحضارية). ومن ثم يقسّم دور الفعل الإلهي في صياغة الحدث التاريخي إلى قسمين: أحدهما مباشر يأتي في تناسق مع النواميس الكونية والقوى الطبيعية، أو يتجاوز النمط العهود ويتبلور فيما يعرف بخوارق النواميس الكونية. وهذه الخوارق نفسها تأتي في شكل قوة طبيعية مادية محسوسة كالسيل والجفاف والغرق والطوفان، أو تتجسد في شكل قوة روحة غير مرئية مثل التأييد الذي يمد به اللّه سبحانه وتعالى عبادة الصالحين عن طريق الملاكة أو عن طريق رفع الروح المعنوية عند الإحن والشدائد. وفي كلتا الحلتين فإن غاية الفعل الإلهي المباشر هي تذكير الناس بأن كلمة اللّه هي النافذة في هذا الكون وأن قدرته هي القدرة اللانهائية في تشكيل الحدث التاريخي . ويستشهد الكاتب في هذا المضمار بقوله تعالى: ( إذ قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون ).

أما القسم الثاني لدور الفعل الإلهي في صياغة الحدث التاريخي فيتكثل في الفعل الإلهي غير المباشر،الذي يحدث عن طريق الحرية الإنسانية التي كرم اللّه بها بني آدم، وبلورها في قوى العقل والإرادة والانفعال والحس والحركة، ثم جسد استجابات هذه القوى في الفعل الإنساني المؤثر بالبيئة والمتأثر بها. زلذا يرى الكاتب أن هناك ثمة "تناغم وتشابك وتداخل بين إرادة اللّه سبحانه وتعالى وإرادة الإنسان يصعب التفرق والفصل بأن هذا عمل اللّه وهذا من عمل الإنسان" ، بل إن القاعدة الإساسية هي ان الكل "منعند اللّه". ولكنه في نفس الوقت يؤكد أن للإنسان حرية كاملة في صياغة الحدث التاريخي. وذلك في حدود قدراته وإمكاناته الذاتية والمؤثرات البيئية التي يعمل فيها، لذا فإن النتيجة التاريخية لتجربته الفردية أو الجماعية الي رتبتها المشيئة الإلهية تأتي متناسقة مع روح الفعل البشري وطبيعة التجربة نفسها ومع مفهوم استجابة الإنان لقوى الخير والشر، والثواب والعقاب، والتحدي ورد الفعل الموازي، والحركة والمقاومة .

وبهذه الكيفية يضيف خليل بعداً آخر لقراءة الحدث التاريخي وينفي القول بأن تصرفات الإنسان هي عبارة عن انعكاسات للصراع الجدلي بين القوى المادة أو انبثاق لمسيرة العفل الكلي تجاه الوجود المطلق، بل يمضي في الاتجاه الذي يؤكد ان للإنسان دوراً ريادياً في صياغة الحدث التاريخي. ويقر أيضاً بأن هذا الدور الناتج عن تبادل أفعاله وردوج أفعاله مع الطروف البيئية المحيطة، وعن خصوصية وضعه المتميو على سائر المخلوقات (ولقد كرمنا بني آدم). وتقود هذه الفرضية خليلاً إلى القول ضمناً بأن الإسلام يعطي مساحة لنظرية التفسير البطولي للتاريخ لأنه يفسح "الطريق أمام المتفوقين الذين تجاوزوا مواقع ضعفهم وانتصروا على قوى الشر التي تشدهم (تحملوا) مسؤولية توجيه التاريخ وتشكيل حركته، شرط أن يضمنوا مسيرة الجماهير وراءهم، إلا فإنهم سيصعدون وحدهم، وسوف تتسم تجربتهم بالفردية ولا تنعكس بشكل كاف على مسيرة الأمة كلها في إطار النظام والفكر الإسلامي" . وواضح أن الكاتب قد تأثر في هذا المنحى برأي الفيلسوف البريطاني توينبي الذي يرى أن الصفوة المبدعة هي أساس البناء الحضاري، لأن سلوكها دائماً موضع تقدير واقتضاء بابنسبة للكثرة الغالبة التي جبلت على محاكاتها.

ويخصص خليل الجزء الثاني من كتابه "للمسألة الحضارية" بحجة أنها تمثل القاسم المشتك في شرح مفردات الواقعة التاريخية والنقطة المحورية ف أدبيات المدارس الفكرية التي تطرقت إى عوامل نشوء الحضارات وأسباب سقوطها. لذا نجده يربط المسألة الحضارية بقضية خلق آدم، متعللاً بأنها قضسة أساسية في فهم الوجود الإنساني واستيعاب طبيعة الصراع البشري الذي يتجسد في علمية نشوء الحضارات سقوطها. ولا نحصر الصراع من وجهة نظره في صراع النقائض في عالم الأفكار أو في وسائل الانتاج عند الماركسيين أو في مفهوم التحدي والاستجابة عند التوينبي بل يتجاوز هذه الفرضيات العلمانية ليشمل ضروباً وأصنافاً شتى من الصراع والتناقض أو التقابل أو الثنائية في الأفعال وردر الأفعال، ويرى أن القاسم المشترك لهذه الضروب يستند في جوهره إلى الصراع الذي نشب بين آدم وإبليس (أو الشيطان) وفق معايير تعكس قيم الإيمان والكفر وتجسد أدبيات الحق والباطل. ومن ثم فإن اتجاهات الصراع من وجهة نظره تتمثل في بعدين: أخدهما بعد "ذاتي عمومي" يرتبط بمواجهة الإنسان لنفسه في إطار القوى البيئية والمؤثرات الوراثية، وآخر خارجي أفقي يتعلق بالقضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويبرهن كلا من هذين الاتجاهن أن وجودهما وجود سرمدي ليس مربوطاً بأجل معن كما يراه المثاليون والماديون والحضاريون ، وأن حركتهما ليست حركة لولبية تصاعدية حتمية بل هي حركة تجمع بين الصعود والهبوط، وحركة تتخللها أفعال إلهية مباشرة تتجاوز قدرات الفعل الإنساني .

وزبدة القول أن خليلاً قد استطاع أن يضع بعض الضوابط الكلية للتفسير السلامي للتاريخ. وهذه الضوابط الكلية قد استقت مفاهيمها المعرفية من المادة التاريخية الواردة في القرآن على سبيل العرض المباشر والسرد القصصي لتجارب عدد من الجماعات البشرية وعلى سبيل الإشارات التي تبرهن أن هناك قانوناً إلهياً يحكم حركة النواميس الكونية ويوجه نشاط الوجود البشري. وفي هذا الإطار القآني يحاول خليل أن يشذب بعض فرضيات المدارس العلمانية (لمثالية والمادية والحضارية)، ويضيف إلها بعداً آخر يتجسد في إثبات دور العنصر الغيبي في صياعة الحدث التاريخي، ودو الإنسان الريادي في توجيه مسار حركة التاريخ البشري، يؤكد في نفس الوقت مدى فعالية الإنسان وتأثيره في الظروف البيئية المحيطة به وتفاعله مع مفرداتها. وبهذه الكيفية يبدو أن الكاتب ينطلق من فرضية مؤادها أن التفسير الإسلامي للتاريخ يقوم على علاقة ثلاثية بين اللّه والإنسان والوجود، وأن المسألة الحضارية تبدأ بخلق آدم وتصعد وتهبط بفعل الصراع السرمدي بين البعد الذاتي الإنساني والبعد الخارجي المرتبط بالظروف الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والبيئية المختلفة.

التفسير الإسلامي للتاريخ بين الأسلمة والتأصيل

واضح من هذا العرض أن الدكتور خليلاً من دعاة أسلمة عم التاريخ الذين يقرّون ضرورة الاستفادة من نتائج البحوث التاريخية المعاصرة وفق مرجعية مستقاة من معارف الوحي. ولذا نجده يعتبر قضية الصراع قضية محورية في فهم الواقعة التاريخية والمسألة الحضارية، فلا عجب أن هذا الافتراض قد قاده إلى دائرة انتقادات بعض دعاة التأصيل الإسلامي للتاريخ، الذين يرون أن تبني "قضية الصراع الجدلي" باعتبارها قضية محورية وقانوناً مجمعاً عليه في فهم القضايا التاريخية أمر "يؤدي إى اختلاط الفهم ويضطر صاحبه إلى ادخال معاني القرآن في الخلق والكون والحياة" في إطار ضيق لابتناسب مع استخدام المصطلحات القرآنية مثل "الجهاد والفتنة والابتلاء والزوجية ودفع الناس والاختلاف" باعتبارها صوراً من صور الصراع. ويتبلور اعتراض هؤلاء في قولهم أن الفرق الشاسع بين "الاختلاف والتناقض، وبين الجهاد والصراع، وبين الزوجية للسكن والرحمة ووحدة المتناقضات" . ويكثلهم في هذا المنحى الأستاذ يوسف كمال محمد الذي ينتقد أطروحة خليل بحجة أن صاحبها قد "طبق الصراع الجدلي بالمفهوم الهيغلي على حركة التاريخ. ولم يخالف الجدلية إلا في أمرين": أحدهما يتمثل في اعتبار الصراع غير تقدمي بصفة حتمية بل هو في حالة صعود وهبوط، وثانيهما في وجود الصراع عى نسق سرمدي لا يتلاشى قي أية مرحلة من مراحل التطور الحضاري البشري . ويغيب فريق آخرالأطروحة بحجة أن مؤلفها قد عوّل على القرآن "وأهمل السنة النبوية مع أنها مصدر هام للتفسير لأن السنة كما هو معروف تأتي مفسرة للقرآن كما أنها تعد المصدر الثاني لحقائق الإسلام وشرائعه وفيها كثير من الإشارات والتوجيهات التي تصح للتفسير التاريخي، كما أنها أحاطت بالدقائق المختلفة التي تؤثر في حركة التاريخ" . ويعضد هذا الرأي الدكتور عويس بقوله إن محاولة خليل "تنحصر في القرآن بحيث يبدو وكأنه لا وجود للسنة". ولهذا السبب فإنه يطلق عليها "التفسير القرآني للتاريخ" لأن التفسير الإسلامي من وجهة نظره "يجب أن يعطي للسنة الشريفة دوراً أساسياً عند رسم أبعاد صورة التفسير الإسلامي للتاريخ" .

ويحاول هذا التوجه في مجمله ان يحصر نشاط التفسير الإسلامي للتاريخ في إعادة قراءات مفردات التراث الإسلامي دون التاريخ العالمي وذلك من خلال أهذاف جديدة وضوابط بحث منهجي تؤسس على هدى الكتاب والسنة .
فمعظم دعاة هذا التوجه ينطلقون من فرضية مؤداها أن الإصلاح في منهج البحث التاريخي يجب أن يبدأ بالتنقيب في الكتاب والسنة وكتب التراث الإسلامي دون الاعتداد بما جاءت به المناهج الغربية التي بنت توجهاتها الأساسية عى إقصاء الوحي من مصادر المعرفة التاريخية.

خاتمة

هذه الانتقادات من وجهة نظرنا ليست في موضعها المناسب وأطروحة خليل هي أكثلر الأطروحات نضجاً وموضوعية، لأنها قذ أفلحت في وضع إطار عام للتفسير الإسلامي للتاريخ وفق منهج بحثي يقوم على ثوابت التصور الإسلامي للإنسان والقوى الغيبية والوجود، وتتكامل فيه معارف الوحي مع الواقع المشاهد وتوظف في إطاره الأسس المعرفية للتراث الإسلامي والفكر الغربي. إلا أن هذا الإطراء لا يمنعنا من انتقاد تجربة المشروع الإسلامي لتفسير التاريخ بصفة عامة، تلك التجربة التي مازالت شائكة وتفتقر لكثير من الوضوح في مفاهيمها وآليات تطبيقها على جزئيات الحدث التاريخي ومفردات المسألة الحضارية. وأوجه هذا القصور تكمن في النقاط التالية:

أولا: أن الأطروحات الإسلامية الموجودة في الحقل الأكاديمي الآن لازالت مشغولة بالعموميات ولم تتجاوزها إلى معالجة الأسس التفشيلية لمنهج البحث التاريخي. ولذا نجد معطم اهتمامها منصباً حول قضايا قد تجاوزها الزمن وقتل بعضها بحثاً، مثل قضية خلق آدم واخفاقات النظرة الداروينية، والمادية الجدلية، والنظرية المثالية، والنظرية الحضارية عند التوينبي.
ثانيا: تفتقر أكثر محاولات الذين كتبوا عن أسلمة علم التاريخ إلى العمق العلمي والنقد المعرفي، الشيء الذي يجعل معدلات النمو والتقدم في الدراسات التاريخية المناصرة لهذا التوجه محدودة ولا تستطيع أن تجذب اهتمام الباحثين في مجال التاريخ بالصورة المرجوة.
ثالثاً: ضعف النتفاع من وسائل المعرفة التاريخية والبحث العلمي السائد في العالم الغربي بحجة أنها معارف تقوم على قيم علمانية لا تتوافق مع ثوابت الفكر الإسلامي أن أنها كتبت بلغات غربية ليس بوسع بعض الباحثين الإسلاميين الاطلاع على أصولها.
رابعاً: التنازع بين النظرة العالمية والنظرة العقدية في تأسيس منهج إسلامي لتفسير مفردات التاريخ البشري واستيعاب حركة التطور الحضاري. ونعني بالنظرة العالمية موقف الذن يودون إعادة قراءة تاريخ العالم من خلال منظور إسلامي، بالنظرة العقدية موقف الذين يرون ضرورة حصر التفسير الإسلامي في معالجة قضايا التراث الإسلامي ذات الصلة بعلم التاريخ.
خامساً: بعض البحوث التي أعدت في هذا الشأن يغلب عليها الخطا الوعظي والتوجه العقدي الصارم الذي يبعدها عن تقديم رؤية معرفية متكاملة لدراسة حركة التاريخ البشري واستيعاب المسألة الحضارية. ويبدو أن موطن الداء يكمن في الخطاب الوعظي الذي البسها ثوبا قدسيا جعلها أقرب إلى أحكام الدين الأزلية، لأن أصحابها لا ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم باحثين يتكيفون حسب نوعية المعرفة التاريخية المتاحة لهم وحسب درجة تفاعلهم مع الهدى الأول الذي يتضمنه الوحي وتبينه السنة النبوية.



ولتجاوز هذه النقائض نعتقد أن المخرج يتجسد في تبني أطروحة خليل وتثقيف مسارها لأنها كما أسلفنا من قبل – قج أسست على ثوابت التصور الإسلامي لإنسان والقوى الغيبية والوجود وفق منهج حاول المؤلف أن يكامل فيه بين قيم الوحي والواقع المشاهد وأن يوظف في إطاره الأسس المعرفية للتراث الإسلامي والفكر الغربي.

ويقتضي الانتقال من هذا الاطار العام إلى مرحلة استخلاص النتائج والنظريات والمفاهيم توفر فهم موضوعي للعلوم الإنسانة والوصفية الموصلة أو المساعدة في فهم الواقعة التاريخية نفسها واستيعاب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي شاركت في تخلفها. فهذه النظرة الشمولية تقتضي الإلمام بشتى العلوم والقوانين الوضعية التي أنتجتها البشرية والتي تعكس المناهج العقلية والحسية والتجريبية التي تقودنا إلى المعرفة التاريخية القائمة على إدراك عقلاني موضوعي. وتقودنا هذه النظرة الشمولية إلى القول بأن الفعل الإنساني ليس نتاج ظروف اقتصادية محضة كما لايزعم الماركسيون، أو ظروف اجتماعية-سياسية لنظام العلاقات السلطوية حسب رلأي بعض علماء الاجتماع السياسي، أو وضعية بنيوية ثانة وفق معايير علم الانثروبولجيا. بل إن هذه الجزئيات يجب أن ترشد ويصاهر بين جوانبها الإيجابية لكي نستخلص منها قوانين ونظريات ومفاهيم تقودنا إلى استيعاب الواقعة التاريخية الناتجة من الفعل الإنساني المتشعب وسائر الظروف المحيطة به, فمثلاً استيعاب مسا حركة التاريخ الحديث في العالم الغربي يستوجب توفر فهم علمي ونقدي لمذهب الرأسمالي الذي ما زال يتحكم في ضبط مسارات حركة التاريخ الغربي، وعلى ذات النسق يحتاج المؤرخ الذي يود دراسة المجتمع الاشتراكي إلى الإلمام ببعض أدبيات النظرية الماركسية التي كانت تتحكم في تحديد مسارات حكة المجتمعات التي تؤمن بفرضياتها.

وبالنسبة لدراسى التاريخ الإسلامي يقتضي الحال أن يكون لدى الباحث إلمام بالقيم الإسلامية التي تحكم المجتمع المسلم ودرجة تفاعلها مع الموروثات المحلية. وبهذه الكيفية يمكن أن تتسع قاعدة التفسير الإسلامي للتاريخ إذا استوعب الباحثون المرتكزات المعرفية الإنسانية في إطارها الواسع. إلا أن هذه لا يعني أن التفسير الإسلامي للتاريخ سيعطي نظرات ومفاهيم جزئية لقراءة مفردات أحداث التاريخ بل يجب أن نرجح القول بأنه يعطي إطارا عاما لتوظيق المعارف الوضعية ذات الصلة بعلم التاريخ في إطار الفهم الإسلامي للعلاقة الثلاثية بين اللّه سبحانه وتعالى والإنسان والنواميس الكونية.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 2056   عدد الاصوات: 196 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: