|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 022 > بحوث ودراسات

تحليل مقارن للنماذج المعرفية الإسلامية والغربية

احمد داود أغلو

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 2568   عدد الاصوات: 145 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
   
1.النموذج الغربي : التحديد المعرفي للحقيقة وعلمنة المعرفة:
تتصل الأسئلة الفلسفية التالية : على ماذا يقوم معتقدك؟ وكيف تبررّه؟ وكيف يتأتى لك أن تعرف ذلك؟ وما إلى ذلك من أسئلة ، مباشرة بمسألة المصدر الأساسي للمعرفة وتحتاج إلى إجابات مرجعية تحدد وتدافع عن الأسس التي يستند عليها المرء في اعتقاده بشيء ما، أو ادعائه معرفة ذلك الشيء؛ مرجعية تتعلق بالوحي أو بالتقاليد أو بالتجربة أو بغير ذلك1.
ثمة وجهة نظر مقبولة تقول إن تاريخ الفكر الغربي هو إلى حد كبير تاريخ محاولات الدفاع عما تدعيه تلك المرجعيات، وتقول أيضاً إن العقلانية –التي ترى أنّ المرجعية الوحيدة المسموح بها هي المرجعية القائمة على وحدة العلم-ليست ردّ فعل للتراث المرجعي ، بل هي جزء لا يتجزأ منه2.
إن الافتراض المستتر لهذه المحاولات هو أن المرجعيات أو المصادر المعرفية هي بدائل أكثر مما هي مصادر يكمل بعضها بعضاً.وهذا الافتراض هو أساس تحديد الحقيقة في تاريخ الفكر الغربي ، في حين تعدّ عملية علمنة المعرفة إعلاناً عن سيادة

العقل مصدراً أساسياً للمعرفة مقابل المصادر الأخرى –لاسيما الوحي –ضمن سياق تحديد الحقيقة. وكانت البنية الثنائية للفلسفة واللاهوت في بواكير المسيحية مؤثراً قوياً –بوصفها تراثاً سابقاً على المسيحية –في صياغة عقلية محددة خلال العصور الوسطى قائمة على تحديد ثنائي للمعرفة ، وفي صياغة سمات المؤسسات التعليمية في العصور الوسطى. إن الفلسفة ثنائية المعرفة والتعليم التي جاء بها كريسوستم (Chrysostom) في قوله : إن هناك نوعين من التعليم: أولهما التعليم الإلهي وثانيهما التعليم الإنساني ، استطاعت أن تصمد في النظام التعليمي المسيحي ، ثم انتقلت فيما بعد إلى التعليم العلماني الحديث3، وإن الأساس الفلسفي لهذه الاستمرارية منذ القدم وحتى العصر الحديث ، مروراً بالمسيحية ،هو في جوهره ثنائية المعرفة . ولقد أوجد هذا الإدراك التعليمي في عهود ما قبل المسيحية حالة عقلية معينة، ذلك أن الناي الذين أصبحوا مسيحيين، كانوا قبل ذلك قد خضعوا للمناهج التعليمية الخاصة بالعلم اليوناني /الروماني4.
إن السمة الازدواجية التي تسم التحدي القائم بين العقل والوحي هي سمة ديناميكية للموروث الفكري الغربي . وهي مغامرة بدأت من فكرة عبثية (بمعنى لا عقلانية) الوحي، وانتهت بمحاولة عقلنة المعتقدات ، أو أنها بدأت من عقلانية غير مألوفة إلى عقلانية مبررة غيبياً (أوميتافيزيقياً). ولقد تنامت هذه الازدواجية بين العقل والوحي من تصور المقاربة الوجودية التي تمكن الفلاسفة من استخدام معايير شائعة أو مقاييس حكم لقياس نواتج كل من العقل والوحي . وهكذا فإن هذه المقاربة الوجودية تؤدي إلى تعادل المجالات المعرفية إذا لم نحدد نظرية المعرفة في مجال إعادة البناء العقلاني للمعرفة.
ومثل هذه المعيارية يعدّ إعلاناً عن سيادة العقل منذ البداية، وإعلاناً عن الفشل إحكام المحاولات التي جرت عبر تاريخ الفلسفة في العصور الوسطى لجعل حقائق الوحي المعلنة في الدين المسيحي مقبولة عقلاً5.ولقد تبع هذا الفشل سيطرة الفلسفة العقلية التي أعلنت على يدي مارتن لوثر في قوله:"إن كل ما يتناقض مـع العقـل

يكون بالتأكيد أكثر تناقضاً مع الرب ، فكيف لا يتناقض مع الحقيقة الإلهية ذلك الذي يتناقض مع العقل والحقائق الإنسانية6.
ويمكن أن نؤكد على عاملين لهذا الفشل هما :الأول غموض تعريف الوحي، والثاني: عقيدة اللاهوت المسيحي بالغة التعقيد التي تُعَدٌّ جوهر الوحي.ولقد جاء كل من هذين العاملين من تصور المقاربة الوجودية من تحديد مسألة الألوهية.ولم تجر معاملة قضية الوحي بأسلوب يتوافق مع اللاهوت المسيحي من البداية إلى العصر الحديث.
فالوحي وفقاً للكاثوليك يمنحه الرب باستمرار تحت قيادة القديسين ، على حين يقول البروتستانت إن الوحي نزل مرة واحدة في الكتاب المقدس.ولا شك في أن قدراً كبيراً من التأثير الإسلامي قد أسهم في تطور وجهة النظر البروتستانتية عن الوحي.أما جماعة الأصحاب(Quakers)فيرون أن الله (جل جلاله) يتكلم مع العباد كأفراد.
لكن التحدي العلمي الجديد أجبر علماء الدين على إعادة تفسير فكرة وجوهر الوحي ليتغلبوا على المفارقات البينة بين الأحكام المتعلقة بالتفسير الكلاسيكي للوحي والإبداعات العقلية . ويمكن اعتبار تصنيف "وود" للوحي إلى أربع مجموعات مثالاً موضحاً لإعادة التفسير هذه. والمجموعات هي : الوحي من خلال الطبيعة ، والوحي المباشر ، والوحي من خلال الكتاب المقدس ، والوحي من الابن المسيح7.
وقد هدفت فكرة الوحي من خلال الطبيعة خاصة إلى التوفيق بين الفهم المسيحي للوحي وبين افتراض آلية التكيف الذاتي للطبيعة التي طورتها الإبداعات العقلية. إن الوحي من خلال الطبيعة ينسجم تماماً مع الوحي الذي يأتي عن طريق الابن لأن المسيح (عليه السلام) والطبيعة يوحيان بنفس "الأب" ولكن كل من جانب مختلف عن الآخر "وود":ص6، وهذا يبين خاصية التعليل العقلي لهذا التوافق .
ولقد قوى تفسير الوحي هذا في الوقت نفسه نزعة التقارب والتماثل في مجالات المعرفة الخاصة بالإله ذي الطبيعة البشرية،وذلك امتداداً للمقاربة الوجودية.
وقد فتح التفسير الكاثوليكي للوحي الذي دعمه القديس بولسSaint paul:
"نحن لدينا عقل المسيح" الباب إلى اللاهوت مسيحي غاية في التعقيد يقوم على ما تركه القديسون الأوائل الذين قبلت معتقداتهم على أنها جزء من الوحي الإلهي .

وقد نجم عن هذا التصور لمصدر وسطي للمعرفة فيما بين الوحي والإنسان تحويل تعاليم المسيح الميسرة إلى مجموعة متناقضة من المعتقدات يرتبط كل منها بقديس أو رجل كهنوت ، له مصدره الخاص من مصادر المعرفة التي تعد جزءاً من الوحي .وإضافة إلى ذلك فإنني أؤكد أن غياب تعريف محدد لطبيعة الوحي في الدين المسيحي هو الذي أدى إلى تحويل ما تركه القديسون الأوائل إلى معتقدات لم تلبث أن تحولت إلى منافسة بين العقل والوحي كلما تناقضت المبتكرات العقلية مع هذه المعتقدات . حتى إن "لوثر" يقر في كتابه:"بيان تفسير الوحي للكالاشيين" Exposition of Epistleto Calatians بأن جميع بنود ديننا المسيحي التي أوحى بها الرب إلينا تغدو عند الاحتكام إلى العقل مستحيلة وعبثية وخاطئة8. والكالاشيون نسبة إلى جان كالاس "Jean Calas " الذي اتهم زوراً بأنه قتل ابنه ليمنعه من الإساءة إلى مواطنيه من البروتستانت الذي ينظر إليهم على أنهم أعداء المذهب الكاثوليكي الغالب في فرنسا . الذي قبلت معتقداتهم على أنها جزء من الوحي الإلهي.
هذا وقد وصلت عملية تحديد الحقيقة إلى ذروتها حينما بدأ ذلك التناقض واضحاً بعد أن فقدت الفلسفة الأكاديمية في القرون الوسطى بريقها . فعملية علمنة المعرفة كانت قد تسارعت بشكل تدريجي متماشية مع انتصارات العقل ؛ مما أدى إلى التساؤل حول " ماهية كلمات الرب" وإن إعادة التفسير البروتستنتي للوحي الذي سبقت الإشارة إليه هو إستجابة لضرورة الإجابة على هذا السؤال في وجه المأزق الذي نتج عن التناقضات بين التحليل الكاثوليكي للوحي وأسلوب التفكير العقلاني الجديد.
لقد أصبحت السمة الجوهرية للفلسفة الغربية بعد عصر النهضة هي إقامة دعائم علم الوجود على أسس معرفة محددة محورها إنسانية المعرفة . وهكذا أصبحت نظرية المعرفة مركز الفلسفة وعاملاً محدداً يقوم بدور صياغة المعرفة في نظام . إن أنسنة المعرفة حول الإدراك البشري سواء على أساس المذهب التجريبي أو المذهب المادي،أو الصيغ المنطقية بعد عودة ظهور الفلسفة القديمة خلقت علاقة إعتمادية بين علم الوجود ونظرية المعرفة في الموروث الفلسفي الغربي . وخلافاً لما هو شائع فإن فكرة علم الوجود المحدد معرفياً والتي ظهرت بعد عصر النهضة كان

مصدرها اللاهوت المسيحي وكذلك فكرة تحديد الألوهية أخذت من البنية الاعتقادية الانتقائية أو الأيقونة الرومانية (pax Romana) وتشكلت ضمن اللاهوت المسيحي الغنوصي ، وهي تتضمن التجسيد وأبوة الإله بوصفها موروثاً من الأديان الغامضة إلى المسيحية ، وتأليه المسيح ضمن عقيدة التثليث المشابهة لعقيدة الأفاتار (Avatar)) التي تجسد الرب على هيئة بشر في الهندوسية ، وغير ذلك من المسائل الوجودية المعقدة في اللاهوت المسيحي)*.
وقد أدى هذا التحديد في النهاية إلى تقارب وتطابق بين عالمي الوحي والإنسان. وفيما عدا بعض التصورات الباطنية والغنوصية ، فإن فكرة منتظمة ومحددة مثل (عالم الغيب) تفرق تماماً بين المستويات المعرفية للإنسان والإله الخالق،لم تظهر في نظرية المعرفة المسيحية كما ظهرت في الإسلام.
إن فكرة تأليه الإنسان،كما وردت في النظام الإمبراطوري في روما القديمة ، وتجسيد الإله كما في الموروث الإغريقي الروماني القديم، قد قامت على مبدأي الشرك ووحدة الوجود أي أن الإله والطبيعة واحد،وأن الظواهر الكونية للإنسان إن هي إلا مظاهر للذات الإلهية وقد بقي ذلك اللاهوت المسيحي ضمن صيغ جديدة سهلت مقاربة المستويات الوجودية والمعرفية من خلال عدم السماح ببناء أفكار خاصة بالترتيب الهرمي للوجود، كما في مبدأ التنزيه في الإسلام.
إن التعقيدات الدينية اللاهوتية المتمحورة حول تحديد الألوهية والعوامل الغامضة في الوجودية المسيحية لها نتيجتان جوهريتان: أولاهما مرتبطة بمقاربة المستويات المعرفية الوجودية التي أوجدت علم وجود محدد معرفياً ، والأخرى تتصل بعملية تعميم المعتقد من خلال بعض الوسطاء أو المنظمات المستقلة وهي الكنائس التي نحت إلى تفسير هذه التعقيدات الألوهية . والتفسير الكاثوليكي للوحي ذو معنى مؤكد من خلال هذا المنظور . وإذا ركزنا على التأثير الأول فإن مقاربة المستويات الوجودية هذه أدت وسارعت في عملية أنسنة المعرفة وعلمنتها بعد عصر النهضة والإصلاح. ومن هذا المنطلق فإن هناك علاقة استمرارية بين الفلسفة القديمة والمسيحية والفلسفة العصرية. ولقد حملت المسيحية ضمن بنائها اللاهوتي مصادر تناقضاتها . لذا فإن الإصلاح في المسيحية كان متوقعاً حيث كان

تطوراً من وجودية غامضة باتجاه وجودية مُعَرَّفة منهجياً . والأمر ليس كذلك في الإسلام وكما سنبين فيما بعد فإن جميع المحاولات الإصلاحية في الإسلام كانت تجابه بسهولة بسبب شفافيته وبسبب قوة التماسك الداخلي في مسائل الوجود والمعرفة.
وبوجه عام فقد اتفق على أن هناك مصادر ثلاثة للمعرفة العادية في الإسلام متساوية في القدر هي "العقل والتجربة والوحي". فطبيعة الوحي كمصدر للمعرفة أدت إلى تركيز المعرفة على المصادر البشرية وهي العقل والتجربة . فمعادلة فرانسيس بيكون :"المعرفة هي السلطة" التي كانت أول إعلان عن المعرفة المتمحورة حول أن الإنسان هو الغاية النهائية للكون، وأصبحت فيما بعد محور الفلسفة الغربية في العصر الحديث . وتعريف لوك (Locke) بأن المعرفة ليست سوى إدراك لارتباط أفكارنا والموافقة عليها أو العزوف عن أي منها9، وأن هذا الإدراك يؤخذ من مصدرين: الإحساس وإدراك عمل العقل10، كان تنظيراً جديداً للمعرفة كأفكار في إطار تحديات المنهج التجريبي . أما توسيع"هيوم" لهذا التركيز المعرفي الجديد ليشمل مواضيع ميتافيزيقية، فقد كان الضربة القاضية لكون الوحي مصدراً للمعرفة في المدارس الفكرية الغربية.
إن الجزء الخاص بالمعجزات في كتاب هيوم: Hume
"Concerning Human Understanding" عن قدرة الفهم عند الإنسان يمكن أن يعد نقطة تحول في الموروث الفكري الغربي . إن رأيه الذي يفيد:"إن أدلتنا عن الحقيقة في الدين المسيحي أقل مما تقدمه حواسنا من أدلة عليها ، ذلك أن هذه الأدلة حتى عند أوائل مؤلفي هذا الدين لم تكن أفضل حالاً ومن الواضح أنها تناقصت في أثناء انتقالها منهم إلى الحواريين والتلاميذ فلا أحد يستطيع أن يركن إلى شهادتهم بمثل ثقته بحواسه مباشرة"11. وكانت هذه الفكرة الإعلان النهائي عن تأكيد وسيادة النظام المعرفي الذي جاء به الإنسان حيـث إن

الإنسان هو الغاية النهائية للكون . وإن فكرة هيوم القائلة "بأن الإنسان الحكيم هو الذي يوفق بين معتقده وبين الدليل" يمكن اعتبارها محاولة لفهم جديد للوحي . وكما يؤكد بولاني12 فإن الإيمان بكفاءة الشك في إقصاء الأخطاء منذ هيوم حتى رسيل Russel ظل قائماً على أساس الشك في المعتقدات وعلى نبذ التعصب الديني .
ولقد سارع تطور علم الكون المتمحور حول الطبيعة كما في مبدأ كوبرنيكس حول مركزية الشمس ، وفي علم المعرفة المتمحور حول الإنسان سارع من عملية صياغة نموذج جديد من خلال السمات الوجودية الجوهرية في المسيحية ومن خلال تأثير الفلسفات القديمة . وبالتدريج أفسح علم الوجود القائم على أساس ديني وعلى الوحي كمصدرين للعقيدة أفسح المجال أمام الفلسفة التي غايتها النهائية الإنسان وتلك التي مركزها الطبيعة . وعلى الرغم من أنه يمكن قبول منهج"كانط"Kant المتمركز حول الإنسان على أنه استجابة لنظرية كوبرنيكس حول مركزية الشمس في الكون إلا هنالك ارتباطاً مستمراً بين هذه الفلسفات من منظور تأثيرها على النظريات الاجتماعية والسياسية . فنظرية كوبرنيكس في الكون كتفسير كوني جديد قد دفعت مكانة الرب والإنسان وجودياً في الفلسفة من موقع المركز إلى موقع الهامش . ولقد فتح هذا التصور العقلي –والذي هو تفسير أولي يركز على الطبيعة –الباب لتحديات ليست من منظور كوني فحسب،ولكن أيضاً من منظور وجودي معرفي وقيمي واجتماعي.
إن المبدأ الأساسي للتشخيص principium Individuationis حول تصور الإله المسيطر هو أنه إرادة غبية حاضرة في الكون أكثر من كونها إرادة علوية مسيطرة عليه كما في الوجودية الإسلامية . ومن هذا المنظور فإن ذلك التصور العقلي الشامل ينطوي على عناصر جوهرية متعلقة بوحدة الوجود. ولقد فسر الإدراك البشري المستقل عن الوحي على أنه الوسيلة المعرفية الأساسية لتفسير الكون ويصبح تفوق المعرفة الإنسانية محور علم المعرفة المتمحور حول الإنسان حسب المنهج الوجودي الكوبرنيكي المتمحور حول الطبيعة ، ويصبح ذلك بدوره أساساً لعلمنة المعرفة . وهكذا فإن علم الكون الكوبرنيكي وظهور علم المعرفـة

المتمحور حول الإنسان هما خطوتان فلسفيتان متكاملتان.
وقد أصبح علم المعرفة المتمحور حول الإنسان مركز الفلسفة الغربية الحديثة وفكرة لوك (Locke) حول أن المعرفة تأتي من التجربة وفرضية كانط (Kant) القائلة بأن المعرفة نتاج مشترك للعقل والعالم الخارجي ووضعية كومت بخصوص المرحلة العلمية مقابل المرحلتين الميتافيزيقية واللاهوتية، وراديكالية جيمس التجريبية ، كلها أفكار قائمة على الأسس المعرفية التي قدمها مذهب أرسطو التجريبي وبالتوازي مع نظرية المعرفة هذه التي مركزها الإنسان ،فإن مقاربة مستويات الوجودية النابعة من الأجواء التوفيقية لفكرة الأيقونة الرومانية pax Romana والتي كانت عنصراً جوهرياً في المسيحية قد تم دمجها فلسفياً خطوة بعد أخرى . وإن تفسير هيوم للرب بوصفه روحاً مادياً للعالم ، ومادية هوبز في الغيبيات ونظرية ملز في الربوبية غير المطلقة وفكرة جيمس عن التوحيد المحدود، كل هذه مراحل تسترعي الانتباه إلى صياغة علم الوجود المحدد معرفياً الخاص بالموروث الفلسفي الغربي ، الذي استقر على صورة نموذج جديد.
وهكذا فإن عملية تحديد المعرفة أدت إلى علمنتها فقد كانت حقائق المسيحية محصورة في نطاق الكنائس، فيما أصبح تعريف المعرفة الجديدة أساساً للعلمنة الفكرية والقيمية والحياتية . ويفترض التعريف الجديد أن مهمة "علم المعرفة" هي إعادة البناء العقلاني للمعرفة . فجميع النظريات الحديثة عن الحقيقة كنظرية المقابلة Correspondence ونظرية التماسك Coherence لبناة الأنظمة المثالية العظيمة مثل سبينوزا Spinoza وهيجل Hegel وبرادلي Bradly وغيرهم من الوضعيين المنطقيين، وكذلك النظرية الذرائعية والنظرية الأدائية كلها نواتج لهذا المنهج في نظرية المعرفة فكل نظريات الحقيقة هذه كان لها تأثيراتها الجوهرية في تشكيل التصور الاجتماعي وفي النظريات التي نحت نحو علمنة المعرفة الجوهرية في تشكيل التصور الاجتماعي وفي النظريات التي نحت نحو علمنة المعرفة كنتيجة إدراكية وأدت كذلك إلى علمنة القانون والحياة كظواهر قيمية وباستخدام معادلة "إلس Ellis"13نستطيع أن نعمم القول إن جميع المعرفيين المحدثين يتفقون في وجهة النظر القائلة إن الإنسان مخلوق عاقل ، يعمل طبقاً لمبادئ مسبقة في التفكير، ويتعامل مع معلومات معطاة أو كما في تعبير بوبر (popper) "على أسـاس مـن الحـدس"

والمعتقدات التي يتم اكتسابها بالمشاهدة " ويعتقد بوبر مثله في ذلك مثل غيره من علماء المعرفة المحدثين14 أن المعرفة العلمية نوع من البناء الفكري الشامل أقمناه بشكل أو بآخر على أسس ثابتة من بنود المعرفة ، أو على معتقد مكتسب مباشرة من التجربة الحسية . إن المأزق الجوهري لهذه الفرضية المعرفية يتضمن فكرة أن الإنسان وهو العالم المفكر منفصل عن العالم المادي الذي يحاول أن يفهمه . وهذا الاستدلال غير مقنع كما هو واضح من حيث إنه يجعل العامل العاقل (أي الإنسان) وهو جزء من العالم المادي، يحاول أن يفهم الكل، مما خلق دائرة مفرغة من منظور علاقة الذات بالموضوع في نظرية المعرفة المتمركزة حول الإنسان.
2-الوحدة المعرفية للحقيقة وانسجامية المعرفة:
ثمة ثلاث سمات هي الأكثر أهمية فيما يتعلق بنظرية المعرفة الإسلامية وهي : العلاقة الاعتمادية بين الوجود والمعرفة والتي تؤدي إلى علم معرفة محدد وجودياً ،والاختلاف في المستويات المعرفية ،وتجانس المصادر المعرفية لإنجاز وحدة الحقيقة.
كل هذه السمات في حقيقة الأمر لها ارتباطات متداخلة صورية ونظرية تكوّن شبكة كلية ونظرة شاملة للوجود أو رؤية للعالم"Weltanschauung ".
يتوجب علينا البحث عن مصادر المعرفة في الإسلام في سياقات معاني القرآن الكريم ،فإنه حتى عدد تكرار المصطلحات القرآنية المستخدمة في الكتاب الكريم يؤمن لنا دلائل جوهرية على هذا الارتباط المحدد بين التصور المعرفي والوجودي .
فالكلمات القرآنية الست الأكثر وروداً في القرآن الكريم هي:لفظ الجلالة "الله"جل جلاله:(2800مرة)،وكلمة "قل"(1700مرة)،وكلمة"نحن"(1300مرة) وكلمة "رب":(950مرة)، وكلمة "آمن"(888مرة)وكلمة "علم":(750مرة).
ومن ضمن هذه التكرارات ما معدله 450إلى500 تكراراً لكل من المصادر الاربعة الآتية ومشتقاتها (أتى ، كفر، رسل، أرض). هذه المصطلحات تكون شبكة من المعاني تحدد الاختلافات الموجودة بين الله(تعالى شأنه وكماله) وبين المخلوقات في الكون كافة؛ من حيث معنى"الكينونة" وأنواع العلاقة بين الله (سبحانه وتعالى )والمخلوقات كافة كمثل الارتباط المحدد بين الكلمات: قل، رسل، وعلم، في :(الله-الإنسان) والارتباط المحدد في :آمن،كفـر (الإنسان-الله)، فالعلاقـة الصرفـة بين

"عِلْم"أي معرفة وبين "عَلَم" أي علامة أو دلالة ، وعالمُ"دنيا أي كون"، لدليل واضح على هذه الاعتمادية بين التصورات المعرفية الوجودية انظر المفردات للأصفهاني (345-344).
إن تعريف البغدادي لكلمة "عالَم" على أنه كل شيء يمكن معرفته وله إدراك حسي وتفسير الزمخشري للكلمة على أنها : مجمل الأجسام والمواد والأحداث التي يعلمها الخالق (جل جلاله) لأمثلة للمقارنة والربط بين:"علم" و "عالم" . أما إمام الحرمين الجويني فيضع رابطاً متصلاً بالمعنى بين علم وعالم بتعريف العالم على أنه :دليل على وجود من بيده ملك العالم ألا وهو الله سبحانه15. ويجب ألا يغيب عن البال أن من أسماء الله" جل وعلا" الحسنى اسم :العليم(الأنعام:96)،(يس:38) مثلاً وفي إطار هذه المعاني فإنه من المستحيل أن نفصل سياق المعرفة عن سياق الكينونة. ومن ثم فإن تعريف المعرفة وأصلها وتصنيفها في التاريخ الفكري الإسلامي قد ضم كل السوابق الوجودية.
إن الهرمية الوجودية-بالغة التميز-المذكورة آنفاً فرضت وجود اختلافات على المستويات المعرفية ،مما يجعل من المستحيل تفسير مقولة "العلم من الله"، بنفس المستوى المعرفي لعلم الإنسان. وتشكل مثل هذه الاختلافات في مستويات المعرفة ثباتاً داخلياً قوياً مع مبادئ التوحيد والتنزيه كأسس للعقائد؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو وحده العالم المطلق العلم. وهو (عز وجل) أصل العلم والمعرفة . والاختلاف في المستويات المعرفية يسنده الإيمان بالغيب في النظام القرآني ، حيث جاء في القرآن الكريم  وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو  (الأنعام:59). وهكذا فإن علاقة النفاذية المشتركة بين هذه المستويات تكون مستحيلة (استحالة مطلقة) فتطبيق مجموعات مختلفة من المعايير لكل مستوى معرفي يمنع حصول معايير عامة يمكن تطبيقها على كلا المستويين بحيث يؤدي إلى ظهور قاعدة علمانية محورها الإنسان .
إن ربط المحاسبي رحمه الله للمستويات الوجودية والمعرفية من أجل جعل عملية تصنيف المعرفة أمراً منهجياً، هو مثل ذو دلالة كبرى على العلاقة الاعتمادية والتمييز بين دلالتي الاختلاف المعرفي والوجودي . ويرجع المحاسبي أنواع المعرفة الثلاثة إلى المستويات الكونية الثلاثة:الدنيا والدار الآخرة والعلم بالله عـز وجـل . فالمعرفـة


الأولى : خارجية بطبيعتها ، ومناسبة لهذا العالم وتتعلق بالقانون وتطبيقاته، وثانيها معرفة داخلية تتعلق بعبادة القلوب أو العبادة الباطنية ،والمعرفة الثالثة هي العلم بالله عز وجل وأحكامه (أو تدبيره)في خلقه في الدارين ، والمعرفة الأخيرة هذه فلما تذكر لأنها أزلية16.
وفي هذا النظام فإن كل نوع من أنواع المعرفة يتجه صوب أحد مستويات الحقيقة الثلاثة حينما يتعلق الأمر بعلم الكون ثلاثي المستوى . فتقسيم البغدادي للمعرفة إلى : إلهية وحيوانية، ضمن إطار هرمي يمكن ذكره كمثال آخر على عملية تنظيم هذا المبدأ الخاص بالتمايز المعرفي17.
إن تفسير ابن رشد للعلاقة المتداخلة للتمايز المعرفي والوجودي واضح تماماً، حيث يقدم لنا مثلاً واضحاً حول المعرفة المحددة وجودياً في الإسلام ، وعلى حسب منطقه فإن المعرفة الإنسانية يجب ألا تخلط بالمعرفة الإلهية ،وأن اختلافاتهما جوهرية ،وأن المعرفة الحقيقية هي معرفة الله(جل جلاله)18. مما يقطع بوجود هرمية معرفية في الفكر الإسلامي نتيجة للهرمية الوجودية ويغلق الباب أمام صياغة معايير عامة للمعرفة الإنسانية والإلهية الأمر الذي قد يكون المرحلة الأولى لعلمنة المعرفة فالتفكير الإسلامي يعتمد على هذه الرابطة المحدودة بين الوجودية والمعرفية من خلال النبوة .إن ماتؤمن به القوانين الدينية في وقتنا هذا بخصوص هذه المسألة هو إرادة الله(سبحانه وتعالى )، والطريق الوحيد لمعرفة معنى إرادة الله سبحانه من هذه القوانين هو النبوة19. ويبين ابن رشد أن هذه المعرفة تنقسم إلى قسمين: المعرفة المجردة مثل القوانين الدينية الخاصة بتصور الله(جل جلاله) والمعرفة العملية مثل الفضائل الأخلاقية التي تأمر بها . وهذا الفهم للنبوة هو واحد من اختلافات ابن رشد مع أفلاطون في معرض تعليقه على جمهوريته. وإن تقويم روزنتال القائل : إن الاختلاف في الأفكار الدينية بين المسلم والإغريقي هو الفـرق


نفسه بين الوحي والأسطورة ، وهو بالضبط الاستنتاج المثالي من هذا المنظور ويدل نقد ابن رشد لأفلاطون من حيث إنه كان مشوشاً وإنه (ابن رشد) ترك بعض الأجزاء من كتاب الجمهورية دون تعليق على وضوح الفرق بين الوحي الإسلامي والأسطورة اليونانية .
إن الاختلاف بين النص (وهو البرهان القاطع) والاجتهاد (وهو البحث المضني للوصول إلى قاعدة قانونية) في المجال القيمي يمكن أن يفهم فقط من خلال منظور تمايز المستويات المعرفية في المنهج الفقهي الإسلامي فمحاولات الإصلاح في الإسلام بتغيير القواعد الشرعية الإسلامية لا يمكن أن تكون ناجحة على المدى البعيد بسبب ثبات الإسلام من الداخل وتركيزه على التمايز في المستويات المعرفية والوجودية . الأمر الذي يلغي بسهولة حالات الاجتهاد التي تتعارض مع النص كمصدر نهائي للفقه.
فمقاومة المسلمين القوية لمحاولات الإصلاح البنيوي والهرمي يجب أن يقيّم ضمن سياق البعد المعرفي والوجودي في الإسلام . فالثبات الداخلي بين علم الوجود في الإسلام وعلم المعرفة جاء متكاملاً مع أفكار الوحي ورسالة النبوة .
وتصنيفات أسباب المعرفة في علم اللاهوت الإسلامي يفترض أولوية مطلقة للوحي الذي هو ما بلغنا عن الرسول (عليه السلام) في نصوص معجزة بينة دعت إلى المعرفة الاستدلالية . وهذه المعرفة المستندة إلى الوحي تماثل المعرفة القائمكة على مبدأ الضرورة من حيث الحاجة إليها ومن حيث ثبوتها20، وإن مجموعات المعارف الثابتة المتعلقة بهذه المسألة المحدودة هي كتب الله(جل جلاله) التي نزلت على أنبيائه وفيها بين الله (سبحانه وتعالى )أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده)ص135، فالقرآن الذي هو الوحي الخاتم الأكمل جاء ) من لا نهائية (المعرفة القدسية ؛ أي من العلم (اللدني) المطلق ، من العليم (جل جلاله) الذي يمثل قمة الهرم المعرفي . وكما يذكر نيون هوزي21 فإن الوحي في الإسلام مستمر لا يتوقف بمعنى أنه متكرر ومستمر في طرح الأفكار ، فهو (الوحي ) مصاحب للجنس البشري من آدم (عليه السلام) إلى محمد (عليه الصلاة والسلام )، وإلى يوم الساعة . وهكذا فالأنبياء يُكَوِّنُـون أخـوة

روحية كما يذكر الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أحاديث متعددة . ويؤكد القرآن الكريم على استمرارية وديمومة الوحي . ذلك لأن التنزيل في نقائه الكامل كان على الدوام جوهر الإسلام (آل عمران:66 و 78 و 79؛ النساء :64؛ النمل 2925؛ الشورى :13)  لا نفرق بين أحد منهم  : البقرة :136 و 285 ، آل عمران 33 و 83.
إن انتصار مؤيدي الرأي القائل: إ القرآن كلام الله مقابل قول المعتزلة إن القرآن مخلوق قد قوّى الرابطة بن علم الوجود وعلم المعرفة، وذلك بالمحافظة على هذه الميزة في التعريف. إن فكرة النبي كرسول وليس كبطل أو مخلوق شبه إلهي يتجسد فيه الرب أو أنه ابن الله (جلت أسماؤه) جنباً إلى جنب مع تفسير القرآن على أنه كلام الله (جل جلاله) قوّى الميل إلى التمييز بين المستويات المعرفية والوجودية. وعند المقارنة بين الإسلام والمسيحية يجب ألا يغيب عن البال أن كلام الله (تعالى شأنه وكماله) هو تنزي موحى له على شكل قرآن، في حين يُعَد المسيح (عليه السلام) في المسيحية هو الوحي. وقد أثر هذا الاختلاف الجوهري على النتائج المعرفية والوجودية في الموروث الديني في كلتا الديانتين. فمكانة الرسول بوصفه قناة الاتصال الوحيدة قد بينها القرآن بوضوح: قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين (الملك : 26). وقد ذكر علماء الكلام هذا التحديد القرآني بقولهم: "إن في إرسال الرسل حكمة وإن الله أرسل رسله لبني البشر مبيناً ومبشراً ومحذراً ومفسراً للناس(على ألسنتهم "عليهم السلام" (وما يتوجب عليهم معرفته من المسائل الدنيوية ومن الأحكام )التفتازاني ص 127.
وهناك افتراض مهم آخر يتعلق بهذا الموضوع وهو رفض الخلاف بين مستويات المعرفة هذه. وقد حاول العلماء والفلاسفة المسلمون أن يبينوا هذه المستويات المعرفية ويحافظوا على التوازن فيما بين الوحي كمصدر للحقيقة المطلقة، والعقل كوسيلة لتفسير الوحي. فمن ها المنظور يصف الوحي مجال ووظيفة وتحديات مصادر المعرفة المختلفة ووظيفتها وحدودها. وكامتداد للوحدة الوجودية فإن احتمال التناقص الكامل بين الوحي والعقل الخالص قد أنكرتها المدارس الإسلامية التي تؤكد على أن وحدة الحقيقة تنبع من وحدة الألوهية المطلقة. فلقد أكد المسلمون وبقوة على وجود علاقة تكاملية لا تنافسية بين الوحي والعقل الخالص.فالكندي أبو الفلسفة يعدَّ رائداً فغي فعمن التجانس بين مصادر المعرفة هذه، فهو يقول: إن الحقيقة التي جاء بها النبي (عليه السلام) مماثلة لمـا قدمـه الفلاسفـة

المتمكّنون22، وتحفة ابن طفيل الرائعة "حي بن يقظان" من أفضل الأمثلة التي تحاول بين التكاملية بين الوحي والعقل. ومما رود فيها قوله: "حينما فهم أحوال الإنسان وان معظم بني آدم يشبهون الحيوانات المتوحشة، عرف عندئذ أن الحكمة والحياة والفلاح أتت فيما جاء به الأنبياء (عليهم السلام) عن خالقهم (جل جلاله) ومن الشرائع التي جاؤوا بها وأنه ليس هناك طريقٌ آخر سواها وليس ثمة شيء يضاف إليها"23.
ويخرج ابن طفيل من هذه الجدلية بسؤاله عن ماهية الله (جل جلاله) وبأنه هو (لا إله إلى هو) يتفضل علينا بهدايتنا إلى المعرفة الحقيقية المؤكدة عن ذاته (سبحانه وتعالى عما يصفون)؛ لأه هو (تعالى شأنه وكماله الكريم الجزيل العطاء بال حساب) ص.69: ويحمل مثل ها الاستنتاج في طياته هرمية معرفية مستنده على أس راسخة تؤمن بشمول المعرفة الإلهية (المقدسة). وهذا ماشبه لتصنيف البغدادي الذي يُعَدُّ من جهابذة علم الكلام.
ومن جهة أخرى فإن رأي ابن حزم في كتابه "الملل والنحل" القائل "إن القرآن حق يعرف من الكلام الوارد فيه، مؤسس على العقل والإحساس معاً، وهما القاعدتان السليمتان والوحيدتان للمعرفة، وحينما ينزل الله (جل جلاله) الوحي فإنه يخلق في متلقيه معرفة بحقائقه24، يبين مكانة العقل كأداة لإثبات صحة الوحي وتكامل أصوله. ويحاول الأشعري أن يضمن المحافظة على هذا المبدأ الأساسي للتجانس الجوهري بن مصادر المعرفة عند وجود صعوبات في التجانس الفكري للمصادر المعرفية، فيقول: و" وحينما تظهر أسئلة جديدة محددة متعلقة بالمعتقدات الأساسية، فإنه يجب على كل سلم أن يرجع في الأحكام الصادرة بحقها إلى مجموعة المبادئ المقبولة على أسس عقلية وحسية تجريبية وبديهية، ولا يخلط العقلاني بالموروث (المنزل) ولا الموروث (المنزل) بالعقلاني".
وهكذا فقد تم تحديد علم المعرفة بالسوابق الوجودية في الطريقة الإسلامية في التفكير. فالعلاقة بين الأسس المعرفية السليمـة والأسس الوجوديـة تجعـل مـن

الضروري فهم وحدة الحقيقة معه من خلال توافق مصادر المعرفة. فقضايا الوجود التي محورها الدين ونظرية المعرفة هذه، هما أساس الوحدة النموذجية في معظم أدبيات النظرية الإسلامية. وحتى المدارس الكلامية والفلسفية توافق على هذا المبدأ في الشفافية الوجودية، وعلى تقويم المعرفة الإسلامية المستندة إلى هذا المبدأ الجوهري. لقد منعت عملية تحديد مكانة العقل والإحساس جنباً إلى جنب مع الوحي في تاريخ الفكر الإسلامي من أجل الوصول إلى الحقيقة النهائية، من تجزئة المصادر المعرفية المستندة على فرية التناقض النهائي كالتالي حدث في الموروث المعرفي الغربي.
3-نسبية المعرفة والعلم:
إن الافتراض الأساسي في نموذج الحداثيين، الذي أصبح أيضاً مصدراً للفلسفة الحديثة، هو أنهي مكن التوصل إلى الحقيقة النهائية فقط من خلال المعرفة المتمحورة حول الإنسلن. ويتواءم هذا الأمر مع الموقع الهامشي للوحي في العصر الحديث بالنسبة إلى كل من العقل والتجربة، وهي المصادر الثلاثة المتكاملة للمعرفة في المنظور الإسلامي. إلا أن دقة لك الافتراض وحسمه يخضعان لإعادة نظر في أيامنا هذه، إذا ما تعلق الأمر بالسيادة النهائية لنظرية المعرفة المتمركزة حول الإنسان.
إنَّ المشكلة الأساسية التي تواجه نظرية المعرفة عند الحداثيين هي تلك المتعلقة بالتمايز المزدوج بن مصادر المعرفة المؤدية إلى تحديد الحقيقة وتجزئتها؛ لأن هذا التمايز ماهو إلى ظاهرة مسيحية أوروبية بحتة، ولا ينطبق هذا الشيء على المعرفة في الإسلام. وعلمنة المعرفة كنتيجة تاريخية ومنطقية لهذا التحديد كانت دائماً أمراً مناظراً لعلم الكون المتمركز حول الطبيعة. فمهبا العقلانية والتجريبية أصبحا طريقين أساسيين لتحليل العلم الحديث. لن هذا النموذج الجديد عند الحداثيين أرسيت دعائمه على افتراض أن أفكارنا مشتقة من مصدرين: الإحساس، وإدراك عمل العقل25؛ فالأسس المعرفية لنموذج الحداثيين هي إعادة تركيب وبناء المعرفة عقلياً وتجريبياً. ويفترض في لك أن الإنسان ليس سوى كائن عاقل يعمل وَفْقَ مبادئ عقلية مسبقة عند التعامل مع أية معلومات معطاة أو معتقدات مكتسبة عـن

طريق الملاحظة، من اجل بناء صرح من المعرفة العلمية الموضوعية. وكل النظريات الحدية كنظرية التوافقية، والترابطية، واليقينية، والبراجماتية، والأدآئية، هي نواتج هذا الفهم لنظرية المعرفة. ففكرة تراكمية العلوم وتقدمها كإحدى الظاهر الأساسية للنموذج الحدي نتاج طبيعي للاعتماد بدقة وحسم المعرفة الناشئة من علم المعرفة الجديد)*. ولقد أدى الجمود في الإطار العلمي الحديث إلى تطوير مفهوم "المنطلق" بصورة نظرية ومنهجية، لاسيما بعد القرن التاسع عشر حينما نجحت الوسائل المعرفية والمنهجية في خلق تحولات تقنية هائلة. فالمعادلة السحرة للتقدم العلمي التقني كانت نتاجاً لحالة الإعجاب بالذات.
لم يكن تطور البنية النظرية المتماسكة للأيديولوجيات الحديثة في نفس القرن مجرد مصادفة، بل كان تمشياً مع التطور المنهجي والمعرفي. فباستخدام عملية التصور المفاهيمي التي يقترحها Stite نستطيع أن نقول إن الوحي مطروحاً منه نظرية المعرفة ينتج أدياناً لا تؤمن بالله، لها طقوس مناظرة لما يعرف في الأديان المعروفة، "فالإنسان" البروميثيني Promehean ، وآلاته، كانت شعارات طبيعية للدعوة والتحول إلى الدين الجديد. ففي الثناء على الإنسان بأسلوب عاطفي جاد فإن المحلف (Reisner Mikhail) كان واثقاً بأن الإنسان بأدواته الصلدة قادر على جعل الأرض كلها حديقة غناء،إذا ما أعلن الحرب على الرب،وحينما بدا الجرار الآلي الملحد بالظهور في الثلاثينات من القرن الماضي وصف بأنه يستحق الصلاة له "صلوات فوق محراث" واستخدم في ملصقات تظهره في صراع مع الصليب.وكانت سكة الحديد رمزاً مؤثراً آخر قبل الثورة ، فقد صور معارضو الحداثة من أمثال ليونتيف Leontiev في إحدى القصص الرمزية سكة الحديد السوداء تسد الطريق أمام مسيرة دينية ، فهي رمز للشر

حسبما ورد في الاستعارات الأدبية. أما بعد الثورة، فقد كان القطار الذي كان يتهادى في ربوع روسيا الرحبة، بما يحمله من أخبار حسنة عن الكون الذي لا رب له، رمزاً آخر لتلك النظرة، حتى لقد سمي أحد قطاراتها السريعة الإكسبريس الذي لا رب له. وقد حبذ ياروسلافسيكي Yaroslavasky إقامة احتفالات ثورية مضادة جدية رائعة ومسيرات بأغان وموسيقى ثورية، ومحاضرات ، وتقارير، وألعاب مناسبة كلها أقتت مع دورة الفصول لتنافس عطل الكنائس26.
إن عل النفس الثوري هذا ضمن إطاره الاجتماعي هو مجرد انعكاس لقانون (كومت Comte) الخاص بالتطور الفكري كتفسير تطوري وتقدمي للمعرفة الإنسانية ولفلسفة العلم، وبناء على هذه النظرية فإن فروع الفهم الإنساني قد مرت بثلاث مراحل: الأولى هي المرحلة الدينية أو المرحلة التصورية، التي يحاول بنو البشر بواسطتها تفسير الظواهر بالرجوع إلى القوى الخارقة؛ والثانية هي المرحلة الغيبية أو الميتافيزيقية (ماوراء الطبيعة)التي حاول الفلاسفة فيها تفسير الأشياء بالاستناد إلى قوى غامضة فطفقوا يرجعون إلى تفسيراتهم عوضاً عن الأفكار المجردة المنتقاة، فعلى سبيل المثال افترضوا موجودات سميت بمصطلحات محددة مثل الحقيقة المطلقة، والعدالة المطلقة، والحركة المطلقة، أما الثالثة فهي المرحلة اليقينية أو العلمية، التي يتخذ التفسير فيها شكل ارتباطات بين الظواهر الملاحظة ذاتها.
وعند عملية التحول التاريخي هذه أخذ نموج الحداثيين يواجه موقفاً مأزقياً ، فعلى سبيل المثال، فإن عملية الانتعاش الدينية في روسيا قد هزت أسس الإيديولوجية الشيوعية العلمية، التي يفترض فيها أن يكون اللادين في مكانة أعلى من التقدم العلمي المحتوم. وبناء على ذلك فإما أن تكون كتابة التاريخ بطريقة عقائدية مثل هذه خطأً وإما أن يكون الانتعاش الديني خطأً . ولما كانت عودة العقيدة في روسيا حقيقة واقعة فقد بقي تفسير واحد لهذه المشكلة. فتحليل كومت Comte كان نتاجاً لبيئته الفلسفية والفكرية أكثر من كونه حقيقة مطلقة صالحة بمعزل عن أبعاد الزمان والمكان.
يفترض مثل هذا الاستنتاج بالضرورة عنصر النسبية في التحليل العلمي. والنسبية في التحليل العلمي لا تصل قط إلى استنتاج تاريخي بمعنى نهاية التاريخ. في الحقيقة وكما يقول (سوسر) بصدق فإن كومت "يصوغ المعايير العلمية البرجوازيـة

للمعرفة صياغة ماديَّة ويصوِّر الغطرسة الأوروبية27.وهاهم أولاءِ أتباع كومت المعاصرون، وما يزالون ينطلقون من روح الغطرسة الأوروبية في تحليلاتهم.
لقد أسس نموذج الحداثيين ارتباطاً دائنماً بين الأسس المعرفية هذه وبن الآليات الاجتماعية من خلال مناهج معيارية متفق عليهعا,. ويمكن تتبع هذه المحاولات للوصول إىالأسس الفلسفية في القرن التاسع عشر. في سنة 1844كتب ماركس في "مخطوطة في الاقتصاد والفلسفة" “Economic and Philosophical manuscript” جاء فيه أن العلوم الطبيعية سوف تضم العلوم الإنسانية بمرور الوقت ، كما أن العلوم الإنسانية ستضم العلوم الطبيعية". وأمنت هذه المحاولات أيضاً طريقة الآليات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فالارتباط بين العلوم الكونية التي مركزها الطبيعة، وعلم الكون الاجتماعي الميكانيك واضح للغاية في الافتاراضات المنهجية والمعرفية للعلوم الاجتماعية التي تمت صياغتها على يد دنسوف كمايلي28:
1-هناك نظام يمكن الإحاطة به في الكون وفي المجتمع.
2-إن الانسجام في المجتمع أو النظام الاجتماعي أمر يمكن ملاحظته.
3-يمكن اختيار صدق قوانين السلوك الاجتماعي وتحويلها إلى أنماط من خلال الملاحظة والوسائل الأخرى للعلوم الطبيعية.
4-يمكن للعلوم الاجتماعية أن تتطور حتى تصل إلى نفس المستوى من التقدم والثبات.
ولما كانت المعرفة الإنسانية تتعلق بهاتين الظاهرتين : الطبيعية والكونية الاجتماعية، باعتبار أن الموضوعات هي نفسها في العلوم الطبيعية والاجتماعية، فإن منهجية محددة تكون شاملة وصادقة يمكنها إنتاج نظريات عامة ودقيقة، تفسر كل ماهو مجهول في الطبيعة والإنسان والمجتمع. لقد حدث تغير نوعي في علاقة المعرفة العلمية بالعملية التاريخية مع ظهور علم الطبيعة الحديث، وإن احتمال السيطرة على الطبيعة الذي مهد لها علم الطبيعة الحديث لم يكن سمة عالمية لجميع المجتمعات ، ولكن كان لابد من التوصل له في وقت ما على أيدي فئة من الأوروبيين ثم أصبح المنهج العلمي ملكاً للعقلانيين من البشر، يمكن أن يكون تحت تصرف أي

إنسان بصرف النظر عن ثقافته وهويته بعد التوصل له ، فقد أمّنت أسرار العلوم الطبيعية الحديثة المستمرة والمتقدمة آليات تتجه لتفسير عوامل متعددة للتطورات التاريخية الناتجة29.
والأيديولوجيات الحديثة في الحقيقة هي أنظمة لادينية كانت قد نشأت عن الأسس المعرفية والمنهجية، فاتباع نظريات نهاية التاريخ مثل ماركس كانوا قد توصلوا إلى نفس الاستنتاجات الخاصة بحركة التاريخ الأحادية الاتجاه. وهكذا فإنه إذا كان ثمة أزمة في الأسس المنهجية أو المعرفية للماركسية، فإن نفس الأزمة تنطبق على التفسيرات الناتجة عن الظواهر التقدمية، وتجنب الأزمة في الأسس المنهجية والفلسفية فإن اتباع نظريات نهاية التاريخ هذه بمن فيهم (فوكوياما) يلقون من شأنها بإرجاعها لعوامل بنيوية وفكرية وليس على أصول فلسفية.
إن التطبيق المكثف لمناهج العلوم الطبيعية على العلوم الاجتماعية والإنسانية، من أجل إيجاد منهجية عالمية واحدة هو أمر يقوّي المذهب الخارجاني Externalism والبنيوي في الفكر الاجتماعي، من خلال ما يلائم ذلك من نظرات المعرفة التي تحدّ من الإبداع التقدم. ويستند (هوسرلHusserl) إلى هذه المسالة المنهجية عند تحليله لأزمة الإنسان الأوروبي فيقول: "إن الأمم الأوروبية مريضة، وأوروبا ذاتها كما يقولون في حالة حرجة. ولايوجد فيها من لاتنقصه كل أنواع العلاج الطبيعي، فنحن في الحقيقة مأخوذون إلى حد كبير بتأثيرات الاقتراحات الساذجة والمغالية للإصلاح. فلماذا إذا فشلت العلوم الإنسانية البالغة التطور في أداء الدور الذي اطّلعت به العلوم الطبيعية في مجالاتها الخاصة؟ إنّ عظمة العلوم الطبيعية تكمن في رفض العلماء الاقتناع بمذهب الملاحظة التجريبي؛ لأن جميع أوصاف الطبيعية عندهم ليست إلا خطوات منهجية للوصول إلى تفسيرات صحيحة، وهي في نهاية المطاف تفسيرات فيزيوكيميائية. أما في العلوم الإنسانية، فإن الموقف المنهجي لسوء الحظ مختف تماماً لأسباب داخلية في طبيعتها، ولو أن العالَم يتكون من جزءَين ، من مجالين متكافئين مثلاً: الطبيعة والروح، ليس لأي منهما موقف مفضل منهجياً أو واقعياً، فإن الموقف سيكون مخلفاً، ولكن الطبيعة وحدها يمكن التعامل معها على اعتبار أنها عالم قائم بذاته، والعلم الطبيعي وحـده


هو الذي يمكن بثباته الكامل أن يتجرد من كل ماهو روحي، وتبقى الطبيعة نقية كما هي. ومن جهة أخرى، فإن تجرداً تاماً عن الطبيعة مثل هذا لايؤدي بالنسبة على ممارسي العلوم الإنسانية المعنيين بالجانب الروحي إلى عالم روحي مستقل بذاته، له علاقاته الروحية المتداخلة الخاصة به، ويمكن أن يكون محور العلوم الإنسانية العالمية في موازاة العلوم الطبيعية البحتة30.
إن المأزق الأساسي لافتراض المعرفيين الحداثيين يكمن في فكرة أن الإنسان وهو الكائن العاقل منفصل بطريقة ما عن العالم المادي الذي يحاول أن يفهمه.إن هذا المعنى ليس صحيحً كما هو واضح. لن الإنسان العاقل نفسه هو جزء من العالم المادي. بالموضوع في نظرية المعرفة المتمركزة حول الإنسان. وهناك ثلاثة عوامل مهمة يبدو لنا أنها تتحدى افتراض أن الحقيقة النهائية يمكن التوصل لها فقط من خلال المعرفة المتمركزة حول الإنسان ضمن إطار حاسم.فالعلم في ذاته أولاً لم يثبت موضوعيته ولا صحة نتائجه، ففكرة النسبية والآفاق الجديدة في كل من الكون الواسع والوجود المتناهي في الصغر بينت أن كلَّ إبداع علمي جديد يعقد المسائل لنه يخل متغيرات جيدة غير معروفة من قبل، بدل أن يقود إلى حقيقة حاسمة. والأمر الثاني أن التمييز الذي يقوم به المتخصصون في نظرية المعرفة في ما بعد الحداثة بخصوص الحقائق المتداخلة بين النظريات والحقائق المتداخلة ضمن النظريات قد أدّى إلى انحراف الخيال من الحسم الدقيق إلى مسألة الاعتمادية على النظرية Theory-dependency الأمر الثالث أن الأحياء الديني الملحوظ بعد الستينات ولاسيّما في الثمانينات، أدى إلى إيجاد نزعة باتجاه المصادر المعرفية الغيبية الميتافيزيقية
إنَّ المناقشات الحديثة حول المعرفة والعلم قد هزت أسس الإعجاب الذاتي بالعلوم بوصفها ظاهرة تراكمية وتقدمية، كما أنها هزت البنية التحتية للنشاط المعرفي. وقد فشل الهدف الطموح في إيجاد علوم اجتماعية مطلقة قادرة على التنبؤ بالمستقبل الحتمي للجنس البشري. فعلى سبيل المثال فإن ملاحظة فياراباند (Feyerabend) التي تقول إن فيزياء كوبرنيكس العصرية لم تبدأ كمشروع يقوم على الملاحظة ، بل كانت تفكيراً غير مدعوم ولا متوائم مع قوانين مثبتة تماماً؛ الأمر


الذي يعدّ تحدياً للعقلانية المنهجية الحتمية للعلوم الطبيعية المتجهة صوب التقدم. ويوضح ذلك عملياً أنه قد توجد علاقة مستقلة بين المصادر المعرفية والأدوات المنهجية واستنتاجات العلوم الحديثة، فالأفعال الصحيحة من النادرة أن تتم لأسباب صحيحة. ومن الواضح إذن أن أتباع كوبرنيكس أرادوا أن يفعلوا شيئاً بعينه ولكنهم انتهوا إلى شيء آخر., ونيوتن أراد أن يصل إلى اليقين ، ولكن الذي أنجزه كان تقدماً لا توقف. وفي هذه الحالة فقد تصرفوا بعقلانية لأسباب غير عقلانية، وكانت عقلانيتهم مسألة حظ أو مصادفة، أو نتيجة التناسق بالملائم للأسباب اللاعقلانية.
والمؤلفون الذين يركزون على السمات الداخلية العائدة ربما لنتيجة قائم على مجرد المصادفة يتركون هذه الاحتمالات دون اختبار. ويضيفون بذلك انطباعاً زائفاً عن الشعور الغامر بعقلانية العلوم الحديثة31.
إن نقد شيلر لفلسفة كومت الوضعية يجب أن يذكر كمثال آخر على الاتجاه إلى إعادة بحث نظرية المعرفة عند الحداثيين في القرن التاسع عشر، وذلك بسبب تأكيد هذا النقد على رفض إعطاء العلم تفوقاً معرفياً على الدين والغيبيات . فالدين والغيب والتفكر والتعرف الإيجابي ليست كلها راحل تاريخية لتطور المعرفة ، بل هي اتجاهات دائمة للعقل وأشكال للمعرفة لايمكن لأي منها أن يحل مكان الآخر32. ن كل هذه التوجهات هي ضربات للتصورات الاجتماعية – السياسية من مدلول المذهب التاريخي الذي يفرض ضرورة وجود حسم مستقبلي. لكننا اليوم لسنا في موقف يمكن أن نقول فيه عن التجديدات العلمية تفترض بشكل مسبق نظاماً سياسياً أو عالمياً مثل ما فعلت الماركسية. بل عن السؤال قد تحول باتجاه: أية افتراضات يمكنها أن تؤثر في فلسفة العلم، وأية قيم يمكن أن تحكم وتوجه نتائج العلم المتمثلة في أشكال التكنولوجيا؟.
إن التمايز القاطع في الموروث المعرفي الغربي قد خلق بالتأكيد اتجاهين متطرفين. الاتجاه الأول ادعى احتكار الحقيقة بإعطائه دوراً حاسماً لأحد مصادر المعرفة، ومن هذا الاتجاه فإن المطلقية المعرفية للحداثة تشترك مع الكنيسة في نفس الموروث العقائدي المطلق. لقد احتكرت هامشيـة المصـادر الأخـرى في هـذا

الموروث،كالاعتقادية المطلقة والعقلانية المطلقة والتجريبية المطلقة، مسار الحقيقة، كما قوّت التمايز المطلق؛ مّما سرّع من الأزمة المعرفية والنقد الذاتي. إن نظريات النهايات (نهاية التاريخ) القائمة على الأسس المعرفية ظهرت كمقابلات لهذه التصنيفات الصارمة الخاصة بعلم المعرفة. إن نهاية الاعتقاد قد تبعتها نهاية العقل، في حين فتحت المطلقية المثالية في مذهب "هيجل " الطريق لسيادة المادية الماركسية . إن السمة المطلقة للمعرة يمكن تتبعها في الماضي إلى فكرة الوحي فيلا الكنيسة الكاثوليكية . فالسمة الإلهية للمسيح (عليه السلام) وعلاقته الروحية بالكنيسة أعطت الكنيسة وضعاً خاصاً، ومكّنها من التوصل على إنتاج معرفة مطلقة. إن ربط المعرفة المطلقة بمجموعة خاصة في المجتمع، يمكن اعتباره على أنه الخلفية المتعلقة بالظواهر الطبيعية والفلسفية العائدة للعلاقة الاعتمادية بين السلطة والمعرفة. واعتماد المعرفة على السلطة ظل جلياً طوال عهد الإقطاع. وحينما تغيرت مراكز السلطة في الحضارة الغربية برزت ضرورتان؛ الأولى : تشكيل مؤسسة فلسفية قادرة على إنتاج معرفة متوائمة مع توزيع السلطة الجديدة؛ والأخرى: تصور ديني جديد قادر على إزالة التناقض بين مراكز المعرفة/ القوة الجدية والقيم الروحية. وقد عبرت عملية الإصلاح وحركة التنوير عن هذا التحول الحضاري لميادين المعرفة ، وتولّت مراكز السلطة الجديدة في الحضارة الغربية وظيفة إنتاج المعرفة المطلقة، كما تزامن تطور كل من مذهب الحداثة العلمي العلماني والمذهب الرأسمالي، الأمر الذي حدد الأدوار الوظيفية الجديدة لإنتاج المعرفة المطلقة واستخدامها. وهكذا كانت هناك علاقة استمرارية بين الكاثوليك المتدينين والحداثيين العلميين من حيث المأسسة الاجتماعية للمعرفة المطلقة، الأمر الذي يجعل هذه المعرفة المطلقة متغيراً تابعاً لبنية السلطة.
أما الاتجاه الثاني لهه المطلقية فهو مذهب نسبية مابعد الحداثة، التي تنكر مشروعية صياغة الحقيقة. ويؤدي ها الاتجاه دوراً ذا معنى كقوة سلبية؛ لنهى يبين مأزق مطلقية المعرفة في المنهج الحداثي. ومع لك فإنَّ هذا الاتجاه لم يستطع أن ينتج نظرية مطلقية معرفية إيجابية للحقيقة قادرة على تقبل القيم الكليّة الضرورية للتحول الضاري العالمي. ومن جهة أخرى فإن التناقض المنطقي كامن في إصرار مذهب الحداثة على النسبية، لأن هذا الإصرار يؤدي بسهولة إلى خلق طريقة مطلقة أخرى في التفكير ، فأي نسبية مطلقة ، هي أيضاً نوع آخر من المطلقية.
إن نظرية المعرفة الإسلامية تقدم بديلاً لهذه المواقف المتطرفة ، هذا البديل نشـأ


من التعريف الواضح للوحي والتفرقة بينه وبين ما عداه بوصفه المصدر الوحيد للمعرفة المطلقة. وبعكس المسيحية فإنه عد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم) انقطع الخط المميز في الإسلام بين القرآن وهو المعرفة التي أوحى بها وبين شخصية النبيّ (عليه الصلاة والسلام) كونه الموصل الوحيد لهذه المعرفة . وبذلك أوصدت الأبواب بعد وفاته صلى اله عليه وسلم في وجه أي ادعاء بالمقدرة الروحية للوصول إلى المعرفة المطلقة. فحتى مأثور النبي (عليه الصلاة والسلام) لا يصل بحال إلى نفس المستوى من القيمة المعرفية للوحي، ومن ثم لم تتمكن أي شخصية بعد وفاته من الادعاء بأي سلطة معرفية معادلة للوحي أو أنها استمرارية له.
إن المبدأ الأساسي للمعرفة الإسلامية هي افتراض التناسق بين مصادر المعرفة، وها المبدأ ينسجم مع مبدأ التوحيد الكامل، وهناك علاقة تصورية ومنطقية بين الوعي الوجودي بالوحدة والتناسق المعرفي والتوازن، يعزى إلى حقيقة هي أنه على الرغم من وجود مصادر معرفية مختلفة، فإن المعرفة كلها تأتي في نهاية الأمر من الله العليم مالك المعرفة المطلقة (جل جلاله)، فمن أسماء الله الحسنى للمولى (سبحانه وتعالى) "العليم-وهو الفتاح العليم"- (سبأ : 26)، "وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو" (الأنعام: 59) ومن ثم من غير المقبول منطقياً ونظرياً أن نفصل سياق المعرفة عن سياق الوجود، بعكس حالة علمنة المعرفة في تاريخ الفكر الغربي.
إن عدم قابلية مجالات المعرفة للانقسام واضح تماماً في النظريات المعرفية الإسلامية التي تطورت خلال مرحلة تشكل النموذج الإسلامي. فتعريف البغدادي للعالم على أنه "كل شيء يعرف ويدرك بالإحساس"33، وتعريف الزمخشري للعالَم "على أنه مجموعة الجسام والأحداث التي يعلمها الخالق" هي أمثلة على العلاقة القوية بين العلم والعالَم، على حين يقيم الجويني علاقة لغوية بين "علم" و"عالَم" بتعريف العالَم على أنه دلالة وجود مالك الملك وهو الله سبحانه وتعالى34.
لقد حدّدت هذه الأسس المعرفية مجالات المعرفة والأحكام النسبية والمطلقة. ويسّر البناء العقلاني للتشريع وضع هذا الحد الفاصل كسمة مميزة للنموذج الإسلامي. وإضافة لذلك فإن موضوعية الوحي وقفت دون قيام أي نوع من أنواع

اعتمادية المعرفة المطلقة على طبيعة السلطة وتركيبها. إن سوء استخدام المعرفة الموضوعية المطلقة قد صُوِّر على الدوام على أنّه إساءة استخدام، وليس كإفادة مقبولة واستخدام شرعي لسلطان المعرفة، م تلك الجهود التي بذلتها الكنيسة الكاثوليكية في عهد الإقطاع. وإن التمييز بن النص وهو الدليل الذي لا يتأتى الجدل في صحته، والاجتهاد وهو الجهد المكثف للوصول إلى قاعدة صحيحة من قواعد التشريع، يمثل أيضاً الخط الفاصل بين المعرفة المطلقة وبين الأحكام الشخصية النسبية. إلا أن على تناسق مصادر المعرفة فإن ها التمايز بينها لم يتحول إلى علمنة قاطعة. ومنذ بواكير عهد بناء القوانين وحتى العصور الحديثة فإن السابقين (زمنياً) للنموذج الإسلامي يمثلون مدارس فكرية مختلفة حاولت أن تبين أن مصادر المعرفة تكاملية، عوضاً عن أن تكون أقساماً وبدائل محددة، فالمقدرة العقلية ضرورية لفهم الوحي، في حين الأحكام النسبية القائمة على الأحاسيس والعقل وإمكانية إساءة استخدامها يمكن توجيهها وضبطها بالوحي وحده، وأن جميع المدارس الفكرية الإسلامية قبلت مبدأ تكامل مصادر المعرفة ومبدأ التماسك أو الاتساق على أنّها سمات نموذجية للمعرفة الإسلامية.
وقد أثَّر هذا التكامل والاتساق أيضاً على تصنيف العلوم بوصفه تحليلاً بديلاً للمعرفة، كما أثَّر على المنهجبات التي هي وسائل تفعيل للمعرفة في التاريخ الفكري الإسلامي. والمحاولات الحالية التي تهدف إلى أسلمة المعرفة كتحدّ لتنظيمات العلمانيين يعكس حركية جديدة في المحيط الفكر الإسلامي. ومن الواضح أن هناك أسئلة متعددة ومشكلات في هذه العملية، إلا أن البحث عن بدائل هو أمر لازم ومتأصل في هذه الحركية الفكرية، وهذا الأمر نفسه هو أهم متطلب لحيوية الحضارة.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 2568   عدد الاصوات: 145 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: