|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 022 > بحوث ودراسات

أزمة علم النفس المعاصر في النظرية ومصادر المعرفة والمنهجية والمعايير

نزار سعيد العاني

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 2538   عدد الاصوات: 133 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
   
ليس علم النفس وجده في أزمة ، فالعلمانية بكل أوجهها عامة والطريقة العلمية التي تقوم كلية عليها خاصة تمر في أزمة نقد ذاتي أولاً، ونقد خارجي ثانياً، ونقد واقعي- أي في أرض الواقع والتطبيق والمشاهدة- ثالثاً. وعلم النفس قائم على العَلمانية والطريقة العلمية ويستند إليها في كل نظرياته وفرضياته واقتراحاته ومسلّماته.ولكني سأركز في هذه الورقة على أساسات أربعة اعتبرها حجر الزاوية في الأزمة التي يعيشها علم النفس والعلوم الاجتماعية عامة في الوقت الراهن. هذه الأساسات هي : النظرية، ومصادر المعرفة، والمنهجية ، والمعايير والمحكات.
وربما لايوجد في أدبيات علم النفس المعاصر منهجية نقدية على غرار كما يعرضه هذا البحث، ولكن هدف الدراسة هذه هو الذي يحتم المنهج النقدي الذي يلتزم البحث به.
تتحدّث كتب علك النفس الحديثة عن أزمات كثيرة يواجهها علم نفس اليوم ولاسيّما القضايا المستعصية التي بدأت منذ فجر تاريخ علم النفس في الربع الأخير من القرن الماضي حتى اليوم.ومن هذه القضايا المطروحة قضية الوراثة مقابل البيئة: ما نصيب كل منهما في سلوك الفرد؟ وما نصيب التداخل بينهما؟ ثَمّة منظورات متطرفة باتجاه واحدة منهما ومنظورات تحاول التوفيق.ومنها قضية الشعور مقابل اللاشعور:ما تأثير كل منهما في السلوك؟ومادورهما كمحددين للسلوك الإنساني؟ وكيف تتناقض في ضوء لك وبسببه المنظورات تناقضاً تاماً؟ ومنها قضية السلوك الملاحظ مقابل العمليات العقلية الداخلية: ومن يدخل في تفصيل الأزمـة

الخاصة بهذه القضية يظنّ أن هناك عِلمَين مستقلِّين لعلم النفس لا علاقة لأحدهما بالآخر. ومن هذه القضايا أيضاً قضية حرة الاختيار مقابل الحتمية (أي الجبرية): وهذه قضية فلسفية انعكست في علم النفس وكل العلوم الاجتماعية الأخرى، ولم يستطع احد منهم الخروج منها حتى أهل الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي . ومن هذه القضايا كذلك الفروق الفردية مقابل الخصائص المشتركة:
كم سلوكاًَ يختص بالفرد ذاته دون غيره؟ وكم سلوكاً مشتركاً بين أبناء البشر عامة؟ مع العلم بأن البشر جميعاً يشتركون في التكوين البيولوجي نفسه، ولهم خبرات مشتركة.
وهكذا يدلي كل منظور يدلوه في هذه الأزمات الخمس وغيرها ليفسِّر بطريقة تُعقِّد الأزمة في الغالب وتدفعها إلى مزيد من التباين.
ولكي نستبين هذه الأزمات بصورة أوضح، ألخص كل وجهات نظر المدارس أو المنظورات النفسية لهذه الأزمات في الجدول الآتي1 للتأكيد على مدى الأزمة التي يمر بها علم النفس المعاصر وحقيقتها.

المنظور النفسي
الأزمة التحليل البيولوجي التحليل النفسي التحليل المعرفي التحليل السلوكي التحليل الإنساني
1 الوراثة مقابل البيئة وراثة وراثة وراثة وبيئة بيئة بيئة
2 الشعور مقابل اللاشعور لاشعور لاشعور شعور ولاشعور شعور شعور
3 سلوك ملاحظ مقابل عمليات عقلية داخلية تأكيد داخلي تأكيد داخلي تأكيد داخلي سلوك ملاحظ تأكيد داخلي
4 بين التخيير والتسيير تسيير تسيير تخيير تسيير تخيير
5 فروق فردية مقابل خصائص إنسانية مشتركة (عامة) عامة عامة فروق فردية فروق فردية فروق فردية

ويشير الجدول أعلاه بوضوح إلى الأزمة الحادة التي يعانيها عل النفس كما تظهر في اختلاف مرجعياته الفكرية وتناقض نظرياته.
وتهدف هذه الورقة إلى النظر في معطيات علم النفس المعاصر، وبيان عناصر


الأزمة التي يعاني منها، كما تتبدّى في كل نظريات علم النفس، ومصادر معرفته ومنهجيته في جمع البيانات وتفسرها، وأخيراً في معاييره ومحكاته .وسوف يستخدم الباحث من أجل ذلك منهجية نقدية يلتزم بها.
أولاً: النظرية
يشير تاريخ علم النفس ونظرياته التي تم تطويرها حتى الفترة الأخيرة، إلى الأزمات التي يعانيها هذا العمل وإلى الاختلاف النظري بين علماء النفس ومدارسهم النفسية. وتتبنى هذه الورقة موقفاً يرى أن أشد أزمة يعيشها علم النفس هي غياب الإطار النظري العام الموحد عن الرؤية النفسية. والإطار النظري مرهون بفلسفة محددة لها منطلقاتها وتصوراتها للإنسان وللكون والوجود. ولأن علم النفس التزم من يوم مولده بالفلسفة العلمانية التي يُغيَّب أساسها (صمتاً أو هروباً) ويظهر تطبيقها (إعلاناً وإشهاراً) فإن إطاره النظري بقي يتأرجح مابين الفلسفات المتباينة ووجهات النظر المختلفة. والتأكيد فإن وجهات النظر الشخصية لايمكن أن تبني عِلماً تجريبياً أو تطبيقياً يأخذ مكانه بين العلوم (حتى بتعريف الفكر الغربي للعلم). والذي ينظر في تاريخ ومنظوراتة علم النفس يمكنه أن يلاحظ ببساطة أن الأشخاص هم الذين كونوا النظريات ثم تَلْمَذَ لأيديهم مجموعة من الناس ساروا على نهجهم، إما التزاماً واعياً وإما مجرد تبعية عمياء، كما يلاحظ أن من هؤلاء الأشخاص من خرج على أستاذه وتفكيره ومنظوره لأن له وجهة نظر أخرى، وكانت عنده المرأة والشجاعة لإبداء وجهة نظره الخاصة المخالفة حتى لأستاذه ، أو ساعدته ظروف شخصية أو سياسية أو إقليمية معينة لتبني منظرو جديد أو وجهة نظر جديدة لنأخذ أمثلة بسيطة على ذلك:
لقد خالف (كاتل Cattell) عالم النفس الأمريكي أستاذه الألماني (فونت Wundt)ورجع إلى أمريكا مبشراً بنظرية جديدة2 (وجهة نظر واحدة)، وخالفت المدرسة الوظيفية الأمريكية المدرسة البنائية الأوروبية- الألمانية وناقضتها (دوافع سياسية أكثر منها علمية).وخالف كل من يونجYoungوأدلرAdler فرويد، وهما من أقرب مساعيه ومؤازريه، في وجهة نظره فطردهم من مدرسته لينشئوا مدارس نفسية جديدة (وجهة نظر واحدة). وخرج واتسن من المدرسة الوظيفية ليعلن عن


نظرية سلوكية جديدة تخالف المدرسة الوظيفية التي تعلم بها وتناقضها(وجهة نظر واحدة).وأرادت روسيا الشيوعية أن تبني المادية السلوكية فعلتها بافلوفية وفيزيولوجية (مادية) محض (دوافع سياسية وعقائدية.وتناقض علماء النفس الألمان نظراءهم الأمريكيين بمدرسة (الكيشتلت)، أقرب إلى جذور فلسفتهم وعقيدتهم السياسية. وعندما نادى مانستربرج (Munsterberg) بعلم النفس التطبيقي (في أميركا)حُذِفَ من تاريخ علم النفس بعد أن كان مديراً لمختبر علم النفس في هارفرد ورئيساً للجمعية النفسية الأمريكية، وعندما توفي سنة1916فإن الجمعية لم تشر إلى وفاته بكلمة واحدة، وذلك بسبب اتهامه بالتعاطف مع النازيين وعدائه للسامية (دوافع سياسية وعقائدية).حتى المختبر النفسي الألماني (1879) في جامعة لايبزك, كان لابد من مختبر أمريكي يقابله في السنة نفسها في جامعة هارفرد مع أهداف مناقضة تماماً للمختبر الألماني (رغم أنهما مختبران نفسيان).وثمة أمثلة متعددة أخرى.
إلا أن النقطة الأساس هي أن جميع النظريات النفسية كانت في الغالب وجهات نظر شخصية ساعدت ظروف سياسية وإقليمية واجتماعية معين على بنائها وإظهارها إلى الساحة النفسية. ومن هنا غاب الإطار النظري المشترك أو الموحد عند علاء النفس، فاختلفوا بعد ذلك في كل شيء: في التشخيص، والمنهجية، والاستنتاج، والمعايير ، والتفسير.
إن الإنسان العادي (غير المتخصص) عندما يعاني من مشكلة نفسية أو مرض نفسي ويذهب إلى عيادات نفسية للشفاء ويوجه بتفسيرات وتشخيصات وعلاجات متباينة أو متناقضة تماماً أحياناً، فإنه لاشك سيفقد الثقة أو المصداقية التي وضعها عند المعالجين.
ومن هنا أرؤى ، والله اعلم، أن علم النفس باجو ماسة لأن تكون له منطلقاته النفسية الواضحة، وإطاره النظري المشترك، ومحددات منهجية عامة(بعيداً عن التفاصيل والجزئيات)، بحث يمكن أن يرسم المرجع الذي يشتق منه المسلَّمات والافتراضات وتُختَبَر في ضوئه الفرضيات وتستند إله التفسيرات . أما إذا كانت النظرية النفسية وجهة نظر شخصية أو خبرة معينة محددة شخصية/ كما هي حال فرويد الذي تعامل مع مرضاه فقط دون أي اختبار أو تجريب لأي جزء من نظريته وعمَّمَ منهم إلى جنس البشر، فإن هذا يفتح الباب أمام آلاف من أصحاب وجهات النظر والخبرات الشخصية لكي يدَّعوا نظريات جديدة في علم النفس.وفي سنة


1987 أظهرت إحصائية أمريكية أن هناك أكثر من 56000حامل دكتوراه متخصص في علم النفس في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها3. وفي ضوء هذا العدد كم ستتوقع من وجهات نظر نفسية في أمريكا وحدها إذا بنيت على وجهات النظر والخبرات الشخصية للمتخصصين في علم النفس؟!
وإذا حددنا الطريقة العلمية أو التجريبية أساساً لتكوين (المنظور) فإن أكثر النظريات النفسية (وأولها التحليل النفسي) لم تخضع لهذا المعيار، ولايمكن-في إطار توجهها- أن تخضع له. (وسو نناقش هذه الفقرة بعد قليل).
ونقطة أخيرة في هذه الفقرة أود التوكيد عليها، وهي أن المنظورات أو النظريات النفسية لاتجد مساحات اشتراك واسعة بينها. بل الغالب هو النقيض وكأننا نعيش حالة الشيء ونقيضه: المدرسة الوظيفية ناقضت المدرسة البنائية كلية؛ والمدرسة السلوكية ناقضت المدرسة الوظيفية والنبائية؛ ومدرسة التحليل النفسي انتمت إلى شيءٍ آخر تماماً؛ والمدرسة البيولوجية أو الفيزيولوجية النفسية تناقض ما عداها في كل علكم النفس..وهكذا.
ولعله لايوجد علم يشهد مثل هذا التناقض بين مدارسه ونظرياته، وسيكون من المفيد أن يقوم أهل الاختصاص في العلوم الأخرى باستقصاء مدى التناقض بين مدارس كل علم ونظرياته.
خلاصة القول: عن النظرية النفسية في علم النفس المعاصر تنطلق عادة من وجهة نظر صاحبها أولاً، وخبراته الشخصية ثانياً، والتأثيرات البيئية والاجتماعية والسياسية التي يعيشها ثالثاً، وربما /وليس أكيداً/ من التراكم المعرفي في علم النفس رابعاً. وكلها تزيد في الاختلاف وتدعو إلى التباين أو التناقض. إنّها أزمة كبيرة حقاً!.
ثانياً: مصادر المعرفة
يشير سدورو4 إلى أن مصادر المعرفة في علم النفس (وغيره من العلوم ) خمسة هي:الإحساس أو الشعور العام Common Sence،والركون إلى السلطة أو الاختصاص ، والسببية (العقلانية)، والملاحظة غير المنظمة ، والطريقة العلمية وفيما يأتي تعريف موجز بكل منها:

1) الإحساس أو الشعور العام:
عندما تعتقد الأكثرية من الناس بشيء فإن إحساسك وشعورك العام سيميل إلى الاعتقاد بما تعتقد به الأكثرية أو الأغلبية من الناس على أساس انه "الحقيقة".ويعلّق فليتشر5 على ها المصدر بقوله إنه يختلف من شخص إلى آخر بالتربة والخبرات التراثية.والغالب جداً أن مثل هذا الإحساس يقود إلى تضليل الحقيقة ذاتها (سنبحث هذه النقطة في المعيارية ). كما أن الشعور العام لا يصل إلى الفرد بوصفه شعوراً عاماً فعلاً (فهذا أمر مشكوك فيه) لأنه لايمكن عملياً وواقعياً الوصول إليه إضافة إلى هذا الإحساس أو الشعور غالباً ما يكومن قناعة شخصية يحاول الفرد أن يجد لها المبرر الخارجي.
2) الركون إلى السلطة (الاختصاص):
وإذا ا رجعنا إلى الاختصاصيين في علم النفس بوصفهم مصدراً للمعرفة ، فإن هذا لن يوصلنا إلى "الحقيقة" التي نبحث عنها، وذلك بسبب الاختلاف والتناقض البيِّن في وجهات نظرهم وقناعاته من. ومثال ذلك إذا كان لديك طفل موهوب تريد أن ترعاه رعاية خاصة لتنمية موهبته وقدراته الإبداعية وأردت أن تقرأ كتاباً في تربية الموهوبين فسنجد أن هذه الرعاية تتبع إحدى فلسفتهم :الأولى فلسفة التسريع، وهو أن يُسرَّع الموهوب خلال المراحل الدراسية دون تغيير في المهج الدراسي ليقفز هذه المراحل على قدر موهبته وإنجازه دون ضياع سنوات عمره. والأخرى فلسفة الإثراء؛ وهي أن يبقى الطالب الموهوب يعيش مرحلته الجسمية والنفسية والاجتماعية بين أقرانه (دون نقله من صفّه) مع إعطائه برامج إثرائية خاصة لتزيد من عمق تفكيره ومعلوماته ورصيده المعرفي. وكل من الفلسفتين بحوثه، وتجاربه، ومسوحه ، قناعاته ، ودفاعاته، ولكل منهما القدرة على إقناعك بان الطريقة الأخرى خطأً نظرياً وعملياً وإحصائياً.
وعند النظر إلى التخلف العقلي فستجد الشيء نفسه: فإما سياسة العزل ؛ أي عزل الطفل المتخلف في مدرسة خاصة بهذه الفئة بعيداً عن مدارس العاديين، وإمَّا سياسة الدمج؛ أي دمج الأطفال المتخلفين في قاعات دراسية واحدة مع العاديين ولكل من السياستين كما أسلفنا قناعاتها ونتائجها وبحوثها ودراستهـا. إن مثـل

هذه الاختلافات أو التناقضات النظرية ترفع أكثر من علامة استفهام بشأن إمكانية السلطة (أهل الاختصاص) في إرساء الحقيقة على شاطئ أمين.
3) السببية:
وقد اعتمد هذا المصدر ليكون نقيضاً لكل من الإحساس العام والركون إلى السلطة، وعليه قامت الفلسفة الشكلية ويمثلها ديكارت والتي ينص أول قانون لها على (عدم تقبل أي شيء على انه حقيقة ما لم أتبين بعدها يقيناً أنها حقيقة). وباعتقاده ، أي ديكارت، أن المعرفة الحقيقية لا تتأتى إلا من السببية الصحيحة ولكه هو بالذات اعتقد، بسبب أن صوت الرعد يشبه صوت الانهيار الثلجي،ولأن صوت الانهيار الثلجي يتأتى من سقوط الثلج من سفح الجبل، اعتقد بأن الرعد يجب أن يكون سببه الثلج أو الجبال داخل الغيوم6،فاعتقد بحقيقة (لسببتها) وهي غير حقيقة.
ويشير برنادورا7 إلى أن السببية طريقة غير معصومة ولايمكن أن يَعوِّل عليها مصدراً للتنبؤ المستقبلي أو المعرفي. وهو يرى أن علماء النفس يعتمدون السببية مصدراً نن مصادر المعرفة مت ما دُعٍِّمت بالبحث العلمي.
4) الملاحظة غير المنظمة:
لقد نادى (جون لوك) بان الخبرة يمكن أن تكن مصدراً لكل المعرفة. لذلك فقد اعتمد الملاحظة والمراقبة والتسجيل لهذه الملاحظات باباً من أبوبا الحصول على المعرفة والوصول على : "الحقيقة" ولكن الملاحظة غير المنظومة تعتمد على ملاحظات انتقائية ومصادفية وعلى يد أشخاص معنيين. ولذلك فهي غالباً ما تكون مصدراً غير صادق أو دقيق للمعرفة8.
ولعجز هذه الطرق الأربع، فقد تبنى علماء النفس – شانه شأن الآخرين- "الطريقة العلمية"، إما بديلاً وإما طريقاً مضافاً للحصول على المعرفة ومن ثم الوصول إلى الحقيقة.

5) الطريقة العلمية:
مصدر للمعرفة يستند إلى افتراض انم المعرفة تأتي من الموضوعية، وتعتمد الملاحظة المنظمة وقياس المتغيرات والأحداث ذات العلاقة بالظاهرة التي هي موضوع الدراسة. ويعرِّفها فلدمان9 بأنها إجراءات مؤطرة ، وربما أسئلة مجابة، تستخدم عند المتخصصين في علم النفس وأولئك المنخرطين في علوم أخرى لتحسين فهمهم للعالم. أما خطواتها فهي تحديد أسئلة مرغوبة وتطوير فرضيات واختبارها إجرائياً. وتستوعب الطريقة العلمية . مجمل أهداف البحث العلمي التي تتمثل في الآتي:
الوصف:
وهو تحديد الخصائص لحدث أو شيء أو فرد. مع وجوب أن يكون الوصف دقيقاً ملموساً غير مجرد. وهذا يستوجب القياس، وهو استخدام التقديم الكمي لتمثيل الحدث أو الخاصية. ولن القياس يتطلب تعريفات محددة واضحة، ولن مصطلحات علم النفس ذاتها غير دقيقة أو تفصيلية التعريف وغير متفق عليها، فإن القياس النفسي واجه-ولا يزال- مشكلة كبيرة في أساسه.فاضطر علماء القياس النفسي إلى ابتداع التعريف الإجرائي بدلاً من التعريف الاصطلاحي لحل الإشكال القائم.
والتعريف الإجرائي: هو تعريف السلوك أو النوع بدلالة الإجراءات المستخدمة لقياسها. فالذكاء مثلاً عُرف إجرائياً بأنه ما تقيسه لنا اختبارات نسب الذكاء. رغم ذلك فإن ماجي وولف10 يريان أنه حتى التعريفات الإجرائية مختلف عليها في علم النفس!.
التنبؤ:
لا يكتفي علماء النفس بالوصف ، وإنما يجب أن يقوموا بالتنبؤ بدلالة الفرضيات الخاصة بتغير السلوك والخبرات الفعلية والعمليات الفيزيولوجية. وتُشتق الفرضية عادة من النظرية. وهي عبارة عن مجموعة عبارات تلخص وتشرح نتائج البحوث التي يمكن من خلالها صياغة الفرضيات . وفي علم النفس، ولأننا غيـر


قادرين على معروفة كل العوامل المؤثرة في الشخص (أو الحيوان) في وقت معين، فإن علماء النفس لايمكن أن يكونوا متيقنين من تنبؤاتهم استناداً إلى فرضيات بحثهم11.وقد يكون التنبؤ في علم النفس أكر صدقاً عندما يتعلق بمجموعة من الأفراد بعمومهم وليس بفرد منهم. وهذا لايخص علم النفس فقط،فالعلوم الأخرى تعاني من الحالة ذاتها عند بناء التعميمات واستخلاص النتائج من البحوث.
السيطرة:
يهدف علماء النفس إلى محاولة السيطرة على التغيرات الحادثة في السلوك نتيجة الخبرات الفعلية والعمليات الفيزيولوجية، وذلك عن طريق معالجة المتغيرات المؤثرة أو الفاعلة فيها.
الشرح أو التوضيح:
بيان أو اكتشاف الأسباب التي تقف وراء السلوك الظاهر والخبرات العقلية والعمليات الفيزيولوجية .وربما يكون علم النفس قادراً على القيام ببعض التنبؤ والسيطرة أو التحكم، ولكنه ليس الضرورة قادراً على الشر والتوضيح أو التسبيب. فقد نستخدم في العلاج النفسي الرجّات أو الصدمات الكهربائية الشديدة لمعالجة الكآبة (Depression) ، ولكننا لسنا متأكدين حتى الآن من سبب نجاح هذه الرجّات في العلاج12.ومع أن السببية مشكلة كل العلوم، فإنها في علم النفس أشد إشكالاً، بسبب اختلاف المنظورات النفسية؛ مما يجعل الشروح (أو بيان الأسباب) هي تعبيرات عن وجهات نظر متعددة ومختلفة ومتناقضة أحياناً. فقد يبين عالم النفس المعرفي السبب من خلال العقل، والسلوكي من خلال البيئة ، والبيولوجي من خلال الدماغ أو النظام الهرموني الجسمي وهكذا...
ثالثاً: جمع البيانات وتفسيرها
تلم هي الأهداف الرئيسة التي يبتغيها علام النفس في الطريقة العلمية والبحث العلمي بحثاً عن (الحقيقة) وباعتبار الطريقة العلمية مصدراً من مصـادر

معرفته. ولكي يصل إلى تحقيق هذه الأهداف فإنه يتبع طرق البحث الآتية لجمع البيانات وتفسيرها.
1-البحث الوصفي:
ويتضمن: الملاحظة الطبيعية، ودراسة الحالة، والدراسات المسيحية، والاختبارات النفسية، والبحوث التوثيقية . الملاحظة الطبيعية عبارة عند تسجيل السلوك في بيئته الطبيعية من خلال عدم التدخل (من قبل الباحث) فيه وحتى بشيء يسير منه، وهي طريقة لا يمكنها تفسير السلوك الملاحظ بسبب ودود عوامل كثيرة جداً تعمل في الموقف الطبيعي. فعلم النفس لا يمكنه تحديد سبب قدرة الشامبانزي على اصطياد الأكثر في مكان في تنزانيا عن مكان آخر فيها بعوامل الجو أم عوامل الجغرافية أم عوامل أخرى أم بمجموعة عوامل مركبة..فمن المستحيل الإجابة عن مثل هذا السؤال بمجرد استخدام الملاحظة الطبيعية فقط.
وأما دراسة الحالة فهي دراسة فرد واحد (أو مجموعة واحدة أو مؤسسة واحدة) بعمق وتفصيل ، بحثاً عن ظاهرة شائعة وغير عادية. ولأن سلوك الفرد يتأثر بمتغيرات متعددة، فإن طريقة دراسة الحالة لايمكنها تحديد هذه المتغيرات السببية للسلوك المدروس من ناحية ولايمكن الخروج منها بتعميمات (من فرد إلى مجتمع ) من ناحية أخرى.
والدراسات المسيحية هي أكثر الطرق التي يستخدمها البحث النفسي قاطبة في بحوثه ودراسته، نجد أنها الأكثر شكاً والأقل مصداقية (احتمالاً) من غيرها. والمسوح إجراءات يقوم بها علماء النفس بغية جمع معلومات عن سلوكيات معينة أو وجهات نظر، أو اتجاهات ، أو خبرات حياتية أو خصائص شخصية متباينة لمجموعة كبيرة من الناس. وأدوات المسح هي إما المقابلة الشخصية وإما استبانة الورقية. حيث يتضمن كل منهما مجموعة أسئلة تعود إلى موضوع معين مرغوب الدراسة. والدراسات المسيحية مرهونة برغبة المستجيب للإجابة بصدق ذاتي أو رغبة اجتماعية للاستجابة بطريقة ما، ولاسيّما ي المواضيع الشخصية الخاصة والحساسة(وعلم النفس يركز بالأساس عليها). وبسبب محددات أخلاقية ومهنية وواقعية فإن الاستبانة لا تُقدم إلا لمن يرغب ف المشاركة فيها. وهذا بحد ذاته يبعد إحصائياً نتائج البحث عن المصداقية أو الموضوعية وصدق التمثيل للمجتمع الذي ينتمي إليه. رغم أن (العينة العشوائية) بذاتها لا توصل إلى يقين أو حقيقة لتتحدث عن مجتمعها الأصلي المدروس.

ويشير فلدمان13 إلى أن الدراسات المسحية تعاني من عدة أزمات؛ فالناس لا يعطون أجوبة دقيقة إما لعدم تذكرهم وإما لعدم رغبته في معرفة الباحث بآرائهم ، أو ربما يتعاطفون مع الباحث ويعرفون توقعاته مسبقاً، فيرضونه بإجابات لا تدل على قناعاتهم، أو ربما يبكون العكس لمجرد رغبة المفحوص بمعاكسة أو مخالفة أو إغاضة الباحث فقط. ومن الجدير بالذكر إن الباحث أحياناً يتحيز بطريقة صياغة العبارة أو اختياره للكلمات أو للطريقة التي يعرض بها الباحث أفكاره.
وطلبة الجامعات هم الأكثر استخداماً في البحوث النفسية لأنهم موجودون في الجامعة أساساً، وهم بالطبع لا يمثلون المجتمعات المدروسة، كما أن اتجاهاتهم لم تنضج بعد تماماً وأنهم أقل خضوعاً للسلطة أو للضغوط الاجتماعية.كما أن معظم الطلبة هم من البيض- الطبقة المتوسطة. بل حتى البحوث في غير مجال الطلبة تنزع إلى الشيء نفسه، حيث إن استخدام الأفارقة الأمريكان ليس قلياً فحسب وإنما يميل إلى الانحدار أكثر فأكثر في السنوات العشرين الأخيرة14ويرى أتكنسون ورفاقه15 أن المفردات الإنسانية تحاول أن تظهر نفسها بشك لائق أو مُفصَّل ، ومن هنا تكون الدراسة المسحية أكثر عرضة للتحيز.
والاختبارات النفسية: هي عينة شكلية محددة لسلوك الشخص يعبر عنها غنجازاً أو كتابة او لفظاً. والشروزط الأساس للاحتبار الجيد هي: المعيارية ، الصدق والثبات. والمهمة الرئيسة للقياس النفسي هي التقدير الكمي للصفة بالنسبة إلى معايير محددة. اما الهداف الرئيسة الأربعة للقياس فهي: التنبؤ، والتصنيف، والانتقاء، والتقويم.والاختبارات ع كل مالها وماعليها –ومالها أكثر بكثير مماعليها- تبقى مثاراً للجدل والنقاش على المستويين العلمي الأكاديمي والإداري.
والبحث التوثيقي (أو الوثائقي أو التاريخي) هو الاختبار المنظم للوثائق المتعلقة بالحدث أو الشخص المدرس. وقد تكون الوثائق على شكل مكتوب أو مسموع أو مشاهد أو غير ذك. والدراسة الوثائقية رغم تحليلها واستنتاجاتها إلا أنها دراسة غير تفسيرية ، أي أنها لا تستطيع أن تقدم لنا سباً للحدث أو السلوك المدروس.

2-البحوث والدراسات الارتباطية:
وهي الدراسات الكمية لتآلف بن متغيرين أو أكثر، حيث يستخدم الإحصاء لتحديد درجة علاقة (تآلف ) ظهور حدث مع ظهور أو اختفاء حدث آخر.
والارتباط يؤدي إلى معرفة العلاقة غير المسببة بالضرورة. فلا نستطيع أن نحدد السببية بين متغيرين لمرد وجود علاقة ارتباطية إحصائية بينهما. ولكننا نستطيع الخروج ببعض التنبؤات المستقبلية احتمالاً لظهور المتماثل أو المتعاكس لمتغيرين أو أكثر. وعدم قدرة الارتباط على إخبارنا بعلاقة (السبب –النتيجة) يُعَدُّ عائقاً حاسماً لاستخدامه16.
3-البحوث التجريبية:
وهي الطريقة الوحيدة التي يمكن لعلماء النفس أن يتكلموا ، من خلال تطبيقها، عن احتمالية علاقة السبب بالنتيجة بين المتغيرات مع انه لبسي ثمة يقيم قاطع بها. ويصفها سدورو17 بأنها بحوث تعالج متغيراً أو أكثر، في الوقت الذي يسيطر فيه تصميم البحث على المتغيرات الأخرى لتحديد أثر متغير أو أكثر (المتغير المعالج أو المستقبل) على متغير آخر (مُقاس أو تابع).
والتجريب يقتضي مبدأين أساسيين لابد منهما معاً لكي نصل منه –أي التجريب-إلى احتمالية السببية: تكافؤ المجموعات (التجريبية والضابطة) والسيطرة التجريبية (على المتغيرات الدخيلة). فمتى ما دخلت المعالجة على مجموعة دون الأخرى وقيس المتغير التابع بعد المعالجة واختلفت المجموعتان أو المجموعات (بعد تحقق المبدأين معاً)، فإنه يمكن أن يُعزى الفرق إحصائياً إلى أثر المعالجة في المتغير التابع.فيما يأتي عرض لهذين المبدأين أو الشرطين اللازمين للوصول على السببية.
تكافؤ المجموعات:
أي تكافؤ المجموعات التي ستشارك في التجربة (سواء أكانت تجريبية أم ضابطة) وقبل بدء التجربة. ولكي يتحقق المبدأ أو الشرط الأول فإن مفردات المجموعات يجب أن تكون متناظرة تماماً (افتراضـاً). وفي المفـردات الإنسانيـة

يستحيل التكافؤ عملياً، ولكنه يُحقق نظرياً أو افتراضياً عن طريق اتباع العشوائية التامة Complete Random Selection في اختيار أفراد التجربة من مجتمعها الأساس أولاً، واتباع العشوائية التامة مرة أخرى عند تعيين الأفراد في مجموعة (أو مجوعات) تجريبية وأخرى ضابطة ثانياًComplete Random Assignment والعشوائية مبدأ احتمالي يستوجب رد الاختلاف (الحاصل فعلاً) بين المجموعات إلى عوامل غير محددة تسمى (المصادفةChance) .وعلى افتراض أن المصادفة غير متحيزة (عشوائية) فإنه يمكن افتراض تكافؤ المجموعات في التجربة. ويشير فلدمان18إلى أن تكافؤ المجموعات عن طريق العشوائية التامة، بوصفه شرطاً أساسياً للتجريب ، إنما يتطلب لاستبعاد تحيز الباحث في الانتقاء فحسب وليس لإقرار مبدأ التكافؤ بين المجموعات!!!
السيطرة التجريبية:
وتسمى بالصدق الداخلي Internal Validity، وتعني سيطرة الباحث (خلال زمن التجربة بأكملها) على جميع المتغيرات الدخيلة ذات العلاقة بمتغيرات التربة والتي قد تؤثر فيها . فلا يمكن أن تقبل التجربة علمياً مالم يكن هناك متغير (أو متغيرات) مستقل أو معالج.والمعالجة هنا تدخل على المجموعة (أو المجموعات) التجريبية دون الضابطة. فإذا كان هناك أي عامل آخر يؤثر على متغيرات التجربة انتفت إمكانية رد تأثير المعالجة إلى المستقبل فقط19. وفي حالة التجربة على الأفراد البشر فإن السيطرة على جميع المتغيرات ذات العلاقة بمتغيرات التجربة بصورة كلية أو حاسمة يُعَدُّ (من الناحية العملية الإجرائية) غير ممكن.
ويرى فلدمان20 أن المتغيرات الدخيلة ، والتي يمكن أن تؤثر بشكل أو بآخر في استجابة المجموعات التجريبية للمعالجة أو المتغير المستقل كثيرة، وأن علماء النفس لا يملكون حتى الآن إلا معادلات وقليلة بشأن الطريقة التي يختارونها والمقاييس التي يستخدمونها والطرق الأكثر فاعلية في تحليل نتائجهم .وحتى إذا ما تحققت كل هذه الشروط فإن الحاجة تبقي إلى وجوب إتباع أساسات أخرى أولها

أخلاقيات الباحث والبحث. فإذا مانظرنا إلى سلسلة الافتراضات والاحتمالات أعلاه فإن إمكانية تحقيق شَرْطَيْ (أو مبادأي) التجريب على أرض الواقع فعلياً يكون أقرب كثيراً جداً إلى الوهم منه إلى إمكانية التحقيق. ويزيد سودورو21 في الشروط فيقول : الباحث التجريبي ليس عليه مجرد السيطرة على العوامل الدخيلة فحسب، وإنما على العوامل المؤثرة على الباحث نفسه.
يضاف إلى هذا أنه يندر إخضاع الإنسان لهذه الدراسات التجريبية مع تحقيق المبدأين الأساسيين في التجريب ليس لأسباب إحصائية فحسب ، وإنما لأسباب أخلاقية وتطبيقية كذلك. مما حدا بالباحثين إلى استخدام الطريقة شبه التجريبية (Quazi Experimental) في التجارب التي لا يمكن تحقيق تكافؤ المجموعات فيها . إلا أنها كالطريقة الارتباطية لا تؤدي إلى السببية ، وإنما إلى تحديد العلاقة بين المتغيرات.
ويشير بارنز وروزنتال22 إلى ثبوت تأثير النوعيات الشخصية للمُجرّب (كالجنس، واللباس ، والجاذبية) على سلوك المفحوص (أي الفرد الإنساني في التجربة )وبما يسميه Experiment Bias Effect كما أن المفحوصين أنفسهم لهم نزعة للاستجابة بالطريقة التي يريدها المجرب، أو حسب توقع المجرب ذاته-Self-Fulfilling prophecy. وقد وجد روزنتال أن توقعات معلمي المدرسة الابتدائية عن إنجاز طلبتهم تؤثر في إنجاز وتحصيل تلاميذهم ، وهو ما يسمى الآن في علم النفس23. Pygmalion Effect كما وجد روزنتال وفودل24 أن للباحث وتوقعاته وطريقة معاملته تأثيراً حتى في سلوك وإنجاز الحيوان . كما أن تحيز الباحث لفرضية ما تجعله ، بشعور أو لا شعور ، أكثر ميلاً إلى معاملة المجموعة التجريبية بطريقة مختلفة عن الضابطة ،سلباً أو إيجاباً ، بحسب فرضيته واحتمالاته وتوقعاته25.


لذلك فإن تحيز كل من الباحث والمفحوص يمكن أن يؤثرا كعاملين دخيلين في التجربة ، مما حدا ببعضهم إلى اقتراح"تقنية العَمى المضاعف Double-Blind Technique " والتي يكون فيها كل من المجرب والمفحوص غير عالمين بانتماء الأفراد التجريبيين إلى مجموعاتهم.
مشكلة أخرى –كما في الدراسات المسحية-وهي أنّ معظم العينات التجريبية والضابطة تسحب من المدارس والجامعات ، مما تؤثر في الصدق الخارجي للتجربة26. وحتى لو دلت الفروق إحصائياً (مع افتراض تحقيق كل الشروط السابقة) فإن الإحصاء بحد ذاته بحاجة ماسة إلى المنطق، ولا يمكن أن يقبل من غير تفسير منطقي لنتائجه. والدلالة الإحصائية وحدها لا تعني أن نتائج التجربة لها أهمية حقيقية، فقد تكون هناك فروق في المختبر ولكنها قد تكون محدودة خارج التجربة،أي في الواقع المعاش27. ويعقب سودورو28 على ذات الدلالة بقوله: إن الدلالة الإحصائية ليست دالة دلالة علمية وتطبيقية، وأن استخدام الإحصاء للتضليل أمر غير جديد في البحث العلمي.
وتتطلب أخلاقيات البحث العلمي* أن يكون المفحوص اختيارياً طوعياً،وليس في بداية التجربة فحسب ،وإنما في أي وقت يشاء فإنه يستطيع الانسحاب منها،لذلك فإن العينة المتطوعة (مع وجود مجموعة رافضة كبيرة)تؤثر في الصدق الخارجي للتجربة ذاتها [والصدق الخارجي External Validity هو المدى الذي يمكن للنتائج أن تعمم خلاله على الآخرين سواء أكانوا بشراً أم حيوانات أم مواقف


أم أحداثاً]. ولأن المتطوعين لا يمثلون مجتمعهم الأصلي تمثيلاً دقيقاً فإنه لا يمكن سحب التعليمات عليهم29.
ولتجاوز أو تفادي كل هذه التناقضات والصعوبات أو بعضها وقع الباحث التجريبي بتخبطات كثيرة عند بحثه عن حل لهذا الإشكال القائم، فمرة يحدد المجموعات وفق متغير معين فيسقط في شبه التجريب ويحرم من الوصول إلى السببية ،ومرة أخرى يجري التجارب على أفراد من الحيوان ثم يعممها على المجتمعات الإنسانية ؛مما أوقع علماء النفس في مزالق كثيرة من التعميمات واختيار الفرضيات واستخلاص النتائج. ورغم كل ما يقال عن أهمية استخدام الحيوانات في البحث النفسي ،فإن استخدامها يبقى مثاراً للجدل30. وفي السنوات الأخيرة،حاول علماء النفس تطوير تقنيات جديدة تتجنب التعويل أو الاعتماد على تجربة واحدة لاستخلاص النتائج وتعميمها . فمثلاً هناك استخدام لإجراء ما فوق التحليل Meta-Analysis ، حيث طوروا طرقاً لتركيب النتائج لدراسات منفصلة متعددة في خلاصة واحدة جامعة31.
وبعد هذا الاستعراض لطرق البحث النفسي ، ترفع أسئلة أساس لتقويم نتائج البحوث النفسية : ماهية نتائج هذه البحوث ؟ كيف يمكن تطبيق هذه النتائج؟ ما الافتراضات التي تقف بجانب تقديم النتائج لهذه الدراسة؟
يجيب فلدمان32 عن هذه الأسئلة فيقول : إننا بحاجة إلى معرفة كيفية اشتقاق الفرضية من النظرية المدروسة ،ومن ثم فنحن بحاجة إلى الأخذ بالاعتبار كذلك جودة التصميم الذي تم به اختيار تلك الفرضية ،مع وجوب الأخذ بعين الاعتبار من هم أفراد التجربة،وعدد الذين شاركوا فيها فعلاً وما الطرق التي استخدمت ،وما الصعوبات التي واجهت جمع المعلومات التي أرادها الباحث. ومن الضروري صياغة العبارات بطريقة دقيقة لتعكس لنا المعلومات الحقيقية ،وكذلك صياغة المنطق الذي استُند إليه بالمنهجية نفسها.

إن مثل هذه الاعتبارات يمكن أن تُعين كثيراً في تقدير صدق نتائج البحث الذي نريد أن نستقي منه المعرفة،سواءٌ أكان داخل علم النفس أم خارجه.
رابعاً:المعايير والمحكات
ربما تكون مسألة التمييز ما بين (الطبيعي )و (غير الطبيعي) أكثر ما شغل ويشغل علماء النفس المعاصرين سواء أكان مثل هذا التمييز في السلوك أم الخصائص أم بين الأفراد أنفسهم .فلقد اختلف علماء النفس ونظرياتهم اختلافاً كبيراً جداً في مثل هذا التمييز أو التصنيف وذلك بسبب غياب "المعيارية" أو "المحكات" التي يتم التصنيف أو التمييز في ضوئها .
يذكر أتكنسون ورفاقه33 أنه لا يوجد كتاب في علم النفس يتوافق تماماً في تصنيفه للفئات أو السلوك غير الطبيعي مع كتاب آخر . ومن ناحية أخرى فإن كتب علم النفس في التسعينات (بالنسبة إلى علم نفس غير العاديين Abnormal psychology) غيرها في الثمانينات وهي غيرها في الستينات وهكذا.
ورغم ذلك فإن ما يؤخذ به الآن في الغالب هوتصنيف:
Diagnostic and statistical Manual of Mental Disorders, 4th ed. ( DSM-IV) Formulated by the world Health Organization WHO).

وهذا التصنيف لا يظهر فيه أي تصنيف من التصنيفات العصابية أو الذهانية مما جعله مختلفاً عن الطبعات والتصنيفات السابقة .كما أن الأعراض المصاحبة قد تظهر في ثقافات أو مجتمعات لا وجود لها في مجتمعات أخرى . وبسبب اختلاف النظريات النفسية فإن الاختلاف يظهر في التصنيف والتعريف عامة والتشخيص والعلاج خاصةً.
فإذا أخذنا (التخلف العقلي )مثلاً: فإن مدرسة التحليل النفسي تركز على أهمية صراعات اللاشعور والتي هي غالباً في هذه المدرسة ما تتكون في السنوات الأولى للطفولة،على حين تنظر المدرسة السلوكية إليه من خلال موقفها من التعلم، إذ إن السلوك غير الطبيعي في هذه المدرسة(مُتعلّم)فهو لذلك يبحث في كيفية تحول المخاوف المشروطة في مواقف معينة والدور الذي يلعبه التعزيز في السلوك غير

المرغوب. وتشارك المدرسة المعرفية التحليل النفسي بالعناية بالعمليات الداخلية،ولكنها بدل أن تركز على الدوافع والعواطف والصراعات المكبوتة كما في التحليل النفسي ،ترتكز على العمليات العقلية الشعورية وهكذا.
وإذا ما أردنا أن نعرف السلوك غير الطبيعي (قبل الدخول في معاييره) ف‘نّ ديفيدروف34يعرفه بالعجز البين في الوظائف الإدراكية أو الاجتماعية أو السيطرة الذاتية نفسها ،أو السلوك الذي يخضع لوطأة حزن شديد غير مسيطر عليه. في حين يعرفه بارلو وديوراند35 بأنه السلوك الذي يخرج عن المألوف أو المعايير التي حددها المجتمع حتى إن كان مقبولاً عند بعض الأفراد وقسم منهم. ويراه لويس36 بأنه السلوك الذي تعتبره أغلبية الناس البالغين غير مناسب سواء في الشكل أو في التكرار أو شدة التركيز . ولكي نحدد السلوك الطبيعي من غيره نحتاج إلى محكات أو معايير للحكم أو للتمييز في ضوئها . والمحكات أو المعايير التي يتم في ضوئها تحديد (الطبيعي) من (غير الطبيعي) في السلوك هي: الانحراف ،وسوء التكيف والبؤس (أو الألم الشخصي)، وهي المعايير الأساس وهناك غيرها كما سيرد لاحقاً.
الانحراف:
ويسمى غير الطبيعي أو غير المألوف
Unusual or statistically Deviant Behavior ، وهو الانحراف عن السلوك المحدد للسلوك المثالي (النموذج)،ويمكن أن يكون هذا المعيار كمياً أو نوعياً؛ فغير الطبيعي(النوعي) يشتق من المعايير (Standards) المقبولة ثقافياً ربما حتى الذي يظهر بأنه شاذ (بالنسبة إلى العقل أو المنطق أو الطبيعة ). وغير الطبيعي (الكمي) يشتق من المعدلات الإحصائية (فالمرأة التي تغسل يديها ثلاث مرات في اليوم ،مثلاً تُعد طبيعية والتي تغسلها ثلاثين مرة في اليوم ربما تعد غير طبيعية). فإذا أخذنا بالنوعي (الشذوذ عن السلوك العادي العُرفي) فإن الحائز على جائزة نوبل أو صاحب الأرقام القياسية الأولومبية في مثل هذه الحالة، يعد غير طبيعي أو شاذاً عن

طبيعة الجمهور . وإن أخذنا بالكمي ،فإن الطبيب الذي يغسل يديه أكثر من ثلاثين مرة في اليوم سيعد غير طبيعي ومريضاً نفسياً.
إن ما نسميه (المعيار الكمي )أو ما يسمى بالإحصائي (Statistic) فيمكن تعريفه أساساً باعتبار طبيعة الأفراد في السلوك أو الخصائص الفيزيائية –بالأكثر شيوعاً عند الأفراد37. وبهذا يكون غير الطبيعي (عند الناس ) أي سلوك أو خاصية تنحرف عن التوسط (أو المركزية ). وبلغة إحصائية فإن هذا الانحراف سيحدد بدلالة المتوسط الحسابي والانحراف المعياري*.
فإذا أخذنا نسب الذكاء IQ ، مثلاً وفق اختبارات ديفيد وكسلر للذكاء (WAIS, WISC,WPPSI) ذات المتوسط الحسابي (100) وانحراف معياري (15) فإن الأفراد الذين تزيد نسب ذكائهم عن انحرافيين معياريين(130+) سيكونون شديدي الذكاء والذين تقل نسب ذكائهم عن انحرافين معياريين(70-) سيعتبرون ضمن فئات التخلف العقلي . أما إذا أخذنا بثلاثة انحرافات معيارية عن المتوسط فإن زيادتها (145+) ستحدد لنا فئة الموهوبين أو العباقرة (فئة غير اعتيادية أو غير طبيعية !!) ونقصها (55-) ستحدد لنا فئة متوسطي وشديدي التخلف العقلي (فئة غير طبيعية كذلك) وشتان بين الفئتين غير الطبيعتين. ولتحديد الطبيعي عن غير الطبيعي هناك من يأخذ بانحراف معياري واحد (1) أو انحرافين(2) أو ثلاثة انحرافات(3) وهكذا . والسؤال هنا : كم هو مقدار الانحراف عن المتوسط الذي يميز الطبيعي عن غيره؟ وبمعنى آخر فإن هذا المعيار (الإحصائي) بحاجة إلى معيارية أخرى لتحديده.
وإذا ما نظرنا إلى خصائص السلوك البشري: مثل القيم ،والقلق ،والكآبة، والإدراك،والشخصية،أو السعادة..الخ نجد أن المعيار الإحصائي لايزودنا بأية محددات دقيقة يؤخذ بها تقبل عالمياً بمفهوم غير الطبيعية . أي أن هذا المعيار –ومثله المعايير الأخرى اللاحقة-تفتقد محددات"عتبة القطع"(Cut-off score or point)للتمييز بين الطبيعي وغيره من السلوك أو الخصائص . لأن المعيار–وفق تعريفه-يجب أن يكون محدداً ومقبولاً عالمياً وصادقاً، وثابتاً بغض النظر عن الوقت،أو المكان،أو أية عوامل


مؤثرة أخرى. كل ذلك يؤكد ا هب إليه سدورو38 من أن معيار (الانحراف) أو غير الطبيعي لا يعد معياراً كافياً للتمييز بين ماهو طبيعي وغير طبيعي.
سوء التكيف: Maladaptive behavior
يعد سوء التكيف علامة من علامات المرض النفسي. وسوء التكيف في المفهوم النفسي هو ما يفسد على الشخص حياته الاجتماعية أو الأكاديمية أو المهنية. ولكن كثيراً من السلوك الذي يدخل في سوء التكيف لايمكن أن يُعَدُّ علامة للمرض النفسي؛ فالذي لا يحب أكلة عينة ويعيش في مجتمع يحبها، والذي يسوق سيارته خارجاً عن الحد المسموح به في طريق خارجي، والطالب الذي لا يقبل الانضمام إلى إضراب طلابي بشأن مدرس معين أو مادة معينة الخ. كلها سلوكيات يجب أن تفسَّر ضمن مجال سوء التكيف، ولكنها لايمكن أن تعتمد كعلامة من علامات المرض النفسي لصاحبها.
ويحدد أتكنسون ورفاقه39 السلوك غير الطبيعي بأنه السلوك الذي له تأثير شديد على حياة الفرد أو مجتمع. ويضربون أمثلة على ذلك؛ منها أن الشخص الذي يشعر بالخجل الشديد سواء في الأماكن العامة أو بين الأصدقاء المقربين، وكذلك الشخص الذي لايمكن أن يحتفظ بوظيفته طوياً بسبب إدمانه السُكْرَ أو المخدرات .الخ. وكل ما قيل عن المعيار الإحصائي في (أولاً) أعلاه يمكن أن ينسحب كذلك على هذا المعيار والاعتبار نفسه.
البؤس الشخصي: Personal Distress
وهذا المحك يفترض أن الذي يشعر ببؤس أو ألم شخصي يدخل ضمن سلوكيات المر النفسي أو علاماته . فمثلاً حتى سنة 1973 صنفت جميعة الأطباء النفسيين الأمريكيين (APA) الشاذين جنسياً، كمرضى نفسيين وَفْقَ العيارين السابقين أعلاه (غير طبيعي، وسوء التكيف). ونتيجة للتجمعات والتظاهرات الخاصة بحقوق الشاذين جنسياً وإعادة النظر من قبل الإخصائيين في المرض العقلي (الذين لم يجدوا علاقة محدودة بين الشذوذ الجنسي والأمر النفسي)،قررت الجمعية عدم اعتبار الشاذين جنسياً ضمن المرضى النفسيين أو غير الطبيعيين في مجموعهم


العام سوى الذين يشعرون منهم بألم وبؤس بسبب كونه شاذاً نفسياً (احتقار ذاتي)، وحينئذ يمكن تصنيفهم من المرضى النفسيين.
ويعقب بارلو وديوراند40 على هذا المعيار يمثل بقول فيه: إذا كنت بقرب شخص عزيز عليك يموت فجأة، فمن الطبيعي أن تشعر بالبؤس والألم الشخصي، وهو أمر وسلوك طبيعي، وهنا يكون عدم البؤس أو الحزن هو السلوك غير الطبيعي وليس العكس. وهذا المحك كذلك ليس كافياً لتحديد ظهور أو وجود المرض النفسي41.
ويرى أتكنسون ورفاقه42 أن السلوك غير الطبيعي (سوء التكيف)والمصاحب لبؤس شخصي يمكن (احتمالاً) ان تكون جميعها (أي مجتمعة في شخص واحد وفي آن واحد معاً) مؤشراً لإصابة ذلك الفرد بمرض نفسي، ولكنه ليبس واحداً فحسب. وفوق كل ذلك يجب أن تكون هناك درج معينة من وصول مثل هذا السلوك (التجمِّع) إليها قبل أن تعد مؤشراً للمرض النفسي. يضاف إلى ذلك أنه حتى لو اتفق علماء النفس على محكات السلوك غير الطبيعي، فإنهم يختلفون في تفسيره، وكل منظور نفسي يختلف كثيراً وربما كثيراً جداً عند تفسيره لأسباب المرض النفسي.
والمعيار الشخصي عند أتكنسون ورفاقه يكون بدلالة شعور الشخص أو حزنه بدلاً ن سلوك الشخص. ومثل هذا الشعور الشخصي لايمكن أن يكون معياراً للتمييز مابين الطبيعي وغيره أولاً، وبعيداً عن الدقة والاتفاق بدرجة كبيرة.
والسؤال أو الأسئلة هنا: كيف يمكن أن يؤخذ حكم شخص يقع تحت وطأة حزن أو قلق شديد مثلاً ليقوِّم نفسه وسلوكه أو مشاعره؟ وكمن شخصاً (من عباقرة الشعراء أو الفنانين) يبحثون عن المعاناة والألم لإبداع أعظم مافي قدراتهم ومواهيهم الموسيقية والشعرية وغيرها؟ وكم إنساناً يكون إنجازه أفضل ما يمكن وهو تحت وطأة ضغوط نفسية؟ كوطأة الوقت المحدد للإنجاز أو أهمية الإنجاز الآتي لأن فواته يعني خسارة كل شيء مثلاً. وكنم فرداً عنده الجرأة والشجاعة ليتكم عن نفسه صدقاً وبوصف دقيق لمشاعره ورغباته ومكبوتاته؟

أسئلة كثيرة وغيرها تثير كثيراً من الشك والجدل في مصداقية هذا المعيار للحكم في ضوئه على طبيعة السلوك. والحقيقة أن عدداً من بعض علماء النفس توقفوا عند هذه المعايير، سواء بالمسميات نفسها أو غيرها، وناقشوا مدى إمكانية اعتمادها والركون إليها. فهذا فلدمان43يرى صعوبة التمييز بين ماهو طبيعي وغير طبيعي أدى إلى اختلاف التفسيرات لتحديد تعريف علمي دقيق لسلوك غير الطبيعي وينتقد المحكات الخمسة التي يأخذ بها علماء التنفس في الغالب لتمييز السلوك غير الطبيعي وهي:
1-المحك الإحصائي، أي الانحراف الشديد عن المتوسطات الحسابية، ويفند هذا المعيار بمثل الذي لا يحب أن يفطر على بيض المائدة صباحاً في حين الجميع، أو الناس، يفطرون عليه. وعلى حسب هذا المعيار سيكون هذا الشخص غير طبيعي أو شاذاً أو مريضاً نفسياً.
2-المحك "النموذج"، وهو انحراف الإنسان عن النموذج، والنموذج هنا عبارة عن معايير ومقاييس اجتماعية. والنموذج بحد ذاته غير معروف أو محدد إضافة إلى أن الانحراف عنه (أي المدى) غير محدد أو معروف كذلك.
3-الإحساس بعدم راحة أو سعادة شخصية كما وردت سابقاً في موضوع البؤس أو الألم الاجتماعي.
4-عدم القدرة على الإنجاز بصور فاعلة . وكما هو معلوم فإن الفروق الفردية قائمة أساساً بسبب اختلاف الأفراد في القدرة على الإنجاز. والإنجاز هنا ليس محكوماً بمتغير واحد لكي يحكم في ضوئه ، بل يخضع للكثير من العوامل والمتغيرات الفاعلة فيه، مما يبطل إمكانية الحكم على الإنجاز بوصفه محكاً للسلوك غير الطبيعي أو للمر النفسي.
5-اتفاق المحكمين (الصدق الظاهري أو السطحي face Validity كما يسمى في القياس النفسي). والاتفاق عند بعض الأشخاص/أربعة أو عشرة أشخاص/ في ظرف وزمن ومكان ومجتمع معين لايمكن أن يكون الحكم الفصل لتحديد السلوك الطبيعي من غير الطبيعي منه.
ويستخلص فلدمان انه شيء من هذه المحكات يرسم لنا عتبة القطع (cut-off point) يبن ماهو سلوك طبيعـي وغير طبيعـي . فلا يـزال التمييـز

/برأيه/ غامضاً حتى عند المتخصصين المهتمين له. كما أن مصطلح (السلوك غير الطبيعي) قد خضع للتأثير الثقافي بدرجة كبيرة جداً، ويقتر طريقة أفضل للتعالم مع مصطلحي (الطبيعي )(وغير الطبيعي) بمحاولة إيجاد مسطرة مدرجة ذات طرفين بدلاً من التحدث عن حالتين متطرفتين. وينتقد تصنيف /(DSM-IV) المذكور سابقاً/ بأنه يركز كثيراً جداً على (النموذج الطبي)* للمرضى النفسانين وأنه أعد أساساً من قبل أطباء نفسيين.
ويناقش كل من بارلو وديوراند44 المعايير أو المحكات المعتمدة في علم النفس المعاصر وينتقدانها واحداً واحداً.فالمعايير الاجتماعية (Social norms) غير مقبولة لديهما، ويرفضان اعتبار الخارج عن أتابع هذه المعايير أو السلوكيات من ضمن المرضى النفسيين. كما أنه ماهو طبيعي في مجتمع قد لايكون طبيعياً في مجتمع آخر. أما معيار الاختلال الوظيفي(Dyslunction) وتعريف السلوك غير الطبيعي به لا يمكن قبوله كذلك مالم يكن ممارسة هذا الاختلال مصحوباً بألم شديد أو حالة انفعالية شديدة.
ويرى ليفرانكويس45 أن النتائج أو المعايير التي تُشتق من البحوث النفسية نادراً ما يمكن الحكم على قطع صحتها من عدمها من ناحية، وأن عدم القدرة على تعميمها تجعلها محدودة الفائدة والاستخدام جداً من ناحية ثانية.
كما أن بعض المعايير أو القواعد النفسية تشتق من دراسات مسحية محددة ولكنها تصبح (قواعد) بعدها.مثلاً دراسةKnsey,Pomeroy,&Martin (1948) ودراسة Kinsy, Pomeroy, Martin & Gebhard (1953) عن كيفية سلوك الناس جنسياً (في مقابلة مع أفراد عينة عن كيفية السلوك الجنسي على حسب القانون، والدين، والمجتمع) حيث خرجت هذه الدراسة (بقواعد) للسلوك الجنسي يعتمدها علماء النفس في كتبهم حتى الوقت الحاضر وكأنها هي السلوك الطبيعي للجنس البشري (فيما يتعلق بالسلوك الجنسي).
وتعليقاً على المعيار الاجتماعي (بحكم الأكثرية) فإن شبه التعري أو التعـري

التام على شواطئ البحر وفي أيام الصيف القائظ يعد مقبولاً اجتماعياً ومدنياً في بعض الأماكن وفي أميركا وأوربا مثلاً، ولكنه مرفوض تماماً في مجتمعات أخرى (إسلامية وغير إسلامية بالطبع) عرفاً وقانوناً، بل تُخرج الشخص أحياناً عن الأهلية المدنية أو العقلية. وفي نفس أميركا وأوروبا فإن التعري المقبول في أماكن معينة غير مقبول في الدوائر الوظيفية أو الشركات وغيرها. كما يكن أن يكون التعري في الأماكن التي يرفض فيها الآن مقبولاً في زمن آخر، بعد عقد او عقدين من الزمان مثلاً، كما حدث للشذوذ الجنسي أو الجنسية المضاعفة (المتعددة) وغيرها. ومن ثَمَّ فإن هذا العرف الاجتماعي يكون بعيداً عن مواصفات المعيار أو المحك المقبول علمياً لاختلافه باختلاف الزمان والمكان والوضع وغيرها.
ويحدد وايتن46ثلاثة محكات يمكن أن تستخدم لتمييز السلوك غير الطبيعي، الأول هو الانحراف وهو يعرِّفه بالانحراف عن قيم المجتمع أو ما يتطلبه المجتمع . فلكل مجتمع في العالم معاييره وتوقعاته، فعندما تهمل من قبل بعض الأفراد فإنهم يُشخصون كمرضى عقليين أو نفسيين. ويضرب وايتن مثلاً على ذلك (بالمتخنثين والمسترجلات) وكيف يختلق الحكم عليهم م مجتمع إلى آخر. وحتى في المجتمع نفسه يمكن أن يحدث مثل هذا الاختلاف. حيث يشير إلى أن (الاسترجال/وهو تشبه النساء بالرجال) مقبول في المجتمع الأمريكي على حين (التخنث / وهو تشبه الرجال بالنساء) قد يقبل في الساحات العامة وفي أماكن الله، ولكنه غير مقبول في الوظائف العامة أو في مراكز الشركات وغيرها. والمحك الثاني هو السلوك الإدماني، ويهاجم Weiten هذا المحك ويرفض كونه بين المحكات لكن في حالة تأثير الإدمان على حياة المدمن الاجتماعية والوظيفية فقطك. أما المحك الثالث فهو الألم الشخصي. ولا يختلف الناس إلى طبيعي وغير طبيعي كحدود قاطعة لصعوبتها وتطرفها..ويرى أنها مسألة درجة وليست وجد. ثم يعل على مجموعة الضغط (اللوبي: وهو تجمع اجتماعي أو سياسي مؤثر للدفاع عن قضية معينة) الذي ظهر في الولايات المتحدة لمساندة الشذوذ الجنسي، وكيف استطاع هذا (اللوبي) أن يغيّر الاعتبار الرسمي ثم الاجتماعي (وليس العكس كما يفترض) من الشذوذ إلى الطبيعية بشأنهم.

ويشير كاس ورفاقه47إلى مجموعة ضغط نسائية أمريكية أخرى للدفاع عن السلوك الماسوشوخي(نسبة إلى: Masochistic Personality Disorders)* للمطالبة بعدم جَعْل هذا السلوك غير طبيعي، لأن النساء الأمريكيات يرين أن هذا الفرز غالباً ما يستخدم ضدهن أو للومهن عندما يقمن بمثل هذا السلوك خلال عملهن الجنسي، حتى لو كان رد فعل لاعتداء شريكها الجنسي عليها.
ويثير كيرك وكتشينز48 نقطة جوهرية بشأن هذه المحكات وكيفية تشخيص غير الطبيعي، فهما يريان أن مثل التشخيص يتضمن حكماً قيمياً بشأن ما يمكن جعله سلوكاً طبيعياً أو غير طبيعي. فمحك تشخيص المرض النفسي غيره في تشخيص المرض الجسمي (المتحرر من الحكم القيمي). فالقلب العاجز أو الكلية العاجزة لا يدخل فيها الحكم القيمي في حين الأمر النفسي –من الطرف الآخر- تدخل في القيم الثقافية والنزاعات الاجتماعية وحتى القوة السياسية.
ويضيف ويكفيلد49 مشكلة أخرى لهذه المحكات المعيارية وهي اختلاف التشخيص المعياري للمريض نفسياً واختلاط المعايير عند القائمين عليه مما يعكس العوز أو النقص في الإحساس العلمي للطرية التي يجب تعريف مفهوم المرض العقلي بها.
وربما يكون البحث الذي أجراه روزنهان50 الباحث النفسي في جامعة ستانفورد عن تحديد الطبيعي من غير الطبيعي في غاية الأهمية والطرافة آناً واحداً، حي افترض أن مفهوم الطبيعي وغير الطبيعي غير دقيق الاستخدام في الحياة العملية كما يعتقد الكثير من الناس (فرضية ويكفيلد أعلاه). والاختبار فرضيته هذه اتفق مع ثمانية أشخاص طبيعيين جداً(ذكر في مكان آخر أنهم من طلبته في الدراسات العليا) ومن غير أي تاريخ مرضي في سجلاتهم الطبية، اتفق معهم على

الذهاب إلى مستشفيات أو مصحات عقلية ونفسية مختلفة موزعاً إياهم على اثني عشر مصحاً حيث قام أربعة منهم بتكرار العملية لمرتين في مصحين مختلفين بأوقات مختلفة (أي أصبح لديه اثنتا عشرة حالة) ، موزعة –هذه المصحات- على خمس ولايات أمريكية متفرقة، طالباً من كل منهم الادعاء بواحد فقط من أعراض مرض نفسي(وهو سماع أصوات غير محددة). وما عدا هذا فقد أعطى لهم الأوامر بأن يقولوا كل شيء على حقيقته بدقة تامة عند سؤالهم من قبل الأطباء. كما كانم عليهم ان يتصرفوا تصرفاً طبيعياً جداً في لوكهم العام في المصح. كذلك أعطيت لهم التعليمات بالتوقف عن الاستجابة للعرَض المرضي والتصرف بشكل طبيعي تام حال إدخالهم إلى المستشفى أو المصح.
وأراد (روزنهان) معرفة نسبة من سيُدخل منهم إلى المستشفى للعلاج بعد تشخيصهم بالإصابة بمرض نفسي وماهية المرض النفسي الذي شخص به كل منهم. وبعد الفحص تقر إدخال الحالات جميعاً اثنتي عشرة حالة إلى المستشفيات الخاصة بالأمراض النفسية بعد التشخيص المؤكد بالإصابة بمرض الفصام –الشيزوفرينيا- لـ 11 حالة منهم حالة واحدة فقط شخصت باضطراب نفسي شديد جداً. واستغرقت فترة علاج كل الحالات (12 حالة) مابين 7-25 يوماً، وكان متوسط المكوث في المستشفى أو المصح للعلاج (19) يوماً للحالة الواحدة. ويذكر روزنهان أخيراً بأن الغريب في الأمر أن بعض المرض النفسيين الآخرين (من نزلاء مستشفى هذه الحالات المزيفة) اكتشفوا طبيعة هؤلاء المرضى المزيفين في حين لم يكتشف أي طبيب من الأطباء أو الممرضات زيف مرضهم. ويعلق روزنهان على نتائج بحثه بقوله: إن الفرد ليتعجب كم من الناس المعافين يعالجون كمرضى في المصحات أو المؤسسات النفسية.
يتضح لنا مما تقدم أن المعايير والمحكات التي يقف عليها النفس المعاصر غير مركون إليها حتى من علماء النفس أنفسهم ويتبعونها (رغم معارضتهم وانتقاداتهم المستمرة لها أو التجريح بها) ويؤسسون عليها . مما يوقع علماء النفس في الحيرة والتناقض الذي يمكن أن يلاحظ حتى عند غير المتخصصين فيه.
خاتمة
إن كانت الأزمة كما ظهرت في كل من النظرية ومصادر المعرفة والمنهجية والمعايير والمحكات،على الشكل الذي عرضته الصفحات السابقة ،فإن أزمة المنظور النفسي كما ظهرت في الجدول في مقدمة هذا البحث ،تكون أمراً متوقعاً ونتيجة

لازمة . فعندما يغيب الاتفاق على الإطار النظري وتكون مواقف علماء النفس من مصادر معرفتهم متباينة غير مؤكدة ووسائل جمع البيانات وتوثيقها وتفسيرها غير مأمونة أو مقطوعة عندهم وعندما تتباين المعايير والمحكات التي يفسرون ويحكمون في ضوئها السلوك الإنساني :دوافع وأسباباً، فإن الأزمة التي يعيشها علم النفس المعاصر ،ستظهر للمتخصص وغير المتخصص في علم النفس على حد سواء وإن كانت عند المتخصصين أكثر عمقاً من غيرهم.
إن هذه الأزمة لا تقلل من أهمية علم النفس المعاصر وإنجازه في ميادين متعددة ولاسيما في ميدان القياس النفسي والتربوي لكن الهدف من هذه الورقة هو التأكيد على أن علم النفس المعاصر لا يتعامل مع الحقائق المطلقة أولاً ولا ينتجها بصورة قاطعة ثانياً . فالاحتمالات والتناقضات والآراء الشخصية والخبرات الفردية والعوامل السياسية والثقافية والاجتماعية تؤثر فيه إلى درجة كبيرة وهي تؤثر في جميع العلوم الإنسانية ،لتحدث فيها هذه التناقضات والتباينات التي تتحول لاحقاً وبالتبعية إلى أزمة حقيقية في المعرفة العلمية وفي مصادرها ومنهجيتها وقدرتها التفسيرية .
إن أساس أزمة علم النفس المعاصر يكمن في إطاره النظري العلماني المادي ،الذي أُسقط عنه الجانب الروحي أو الإيماني الغيبي، والذي يشكل الجزء الحتمي المتمم الآخر من دوافع الإنسان وسلوكه ومعتقداته ونظرته للحياة من ناحية ولنفسه من ناحية ثانية ولعلاقاته مع الآخرين من ناحية ثالثة.
وربما يكون الحديث عن هذا البعد الغائب (الإطار النظري والمنهجي ) في علم النفس المعاصر ورقة أخرى لاحقة بإذن الله.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 2538   عدد الاصوات: 133 تعليقات: 0 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: