|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 016 > قراءات ومراجعات

عظمة الإسلام ومظاهر ضعفه

محبوبة بن نصر

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 1340   عدد الاصوات: 120 تعليقات: 1 - أضف تعليقك
   
المؤلف: روجيه جارودي
الناشر: Alphabeta & Chama
الطبعة الأولى، باريس، 1996م (151 ص من القطع الصغير).

تمهيد
تجدر الملاحظة قبل عرض الأفكار الواردة في الكتاب الذي بين أيدينا إلى أنه يتنزل في المشروع النقدي الذي بدأه الكاتب منذ أكثر من عشرين سنة للحضارة الغربية التي تميزت في السنوات الأخيرة بما يسميه الكاتب بأحادية السوق (Monotheisme du marche)، والتي في علاقاتها الاستكبارية مع العالم الثالث أفرزت الحركات المتطرفة على اختلاف انتماءاتها الإيديولوجية.
فمنذ سنة 1779م، كتب جارودي في "نداء إلى الأحياء"(1): "إننا بصدد اغتيال أبنائنا... إن نموذجنا التنموي بدد في جيل واحد الثروات المتراكمة في أحشاء الأرض منذ ملايين القرون... إن هذه السياسة تقتل في كل سنة خمسين مليوناً من البشر في العالم الثالث... وتدفع بالباقي إلى الإبادة أو الثورة بدون تغيير جذري".
"الحفارون"(2) كتاب آخر لنفس الكاتب يواصل فيه نقده للحضارة الغربية، كتبه سنة 1992م. هذه السنة التي يعتبرها جارودي المحطة التي تم فيها مشروع الغرب الحضاري الذي أسس على فلسفة الاستعمار والإبادة للآخر، والذي دشنه منذ عدة قرون. فخلال سنة 1992م تم إحياء ذكرى إبادة هنود أمريكا والتي تسمى زوراً "اكتشاف أمريكا" وهي ذكرى افتتاح العصر الاستعماري.
وسنة 1992م كانت أيضاً ذكرى سقوط غرناطة آخر مملكة للثقافة الإسلامية في إسبانيا وآخر جسر معرفي يصل الشرق بالغرب.
فقبل خمسة قرون (1492م) قررت أوربا أن تقطع صلتها بالحضارة العربية الإسلامية المصدر الثالث لحضارتها بعد الثقافة اليهودية والمسيحية، والثقافة الإغريقية الرومانية.
سنة 1992م هي سنة مجزرة الخليج، التي يعتبرها جارودي المحطة التي تم فيها إتمام مخطط تقسيم العالم إلى جزئين وهي كذلك حسب رأي الكاتب سنة انهيار المنظومة الاشتراكية (الفشل الثالث بعد 1871م و1917م) لإيجاد بديل للنظام الرأسمالي الذي جعل من السوق الضابط الوحيد للعلاقات بين الناس.
أما الكتاب الثالث في المشروع النقدي والذي يمكن أن يعدّ محاولة مهمة للكاتب أهمية الإسلام في تحديد مستقبل الإنسانية- إنسانية ما بعد الاستعمار وما بعد الحداثة- على حد تعبير الكاتب هو كتاب "وعود الإسلام"(3) حيث يقول: "إن المقصود من هذه الدراسة هو مستقبلنا ومستقبل الجميع. إن هذا الكتاب ليس كتاباً تاريخياً، بل هو اقتراب جديد من الإسلام ومن كل ما اتفق على تسميته بالعالم الثالث، الذي يلعب فيه الغرب بمصير هذا الكوكب... وقد حاولنا استدعاء الإسلام لأنه قوة حية لا في ماضيه فقط، بل في كل ما يمكن أن يقدمه اليوم لصنع غد أفضل، وحتى ندرك ذلك علينا ألا ننظر إلى الإسلام من خلال ما طرأ عليه من تصلب وتوتر وانغلاق يحجب عنا روحه وفكره".
على الرغم من أن الكتاب الذي بين أيدينا "عظمة الإسلام ومظاهر ضعفه" يعود بنا إلى كل هذه القضايا التي ناقشها الكاتب في الكتب الثلاثة السابقة، فإنه يمكن تحديد الإشكالية الأساسية في إمكانية تجاوز الأزمة التي يعيشها العالم اليوم وذلك بتضافر جهود وإسهام كل الحضارات.
في مقدمة الكتاب يلفت الكاتب نظر القارئ إلى أن موضوع الكتاب ليس تاريخاً للإسلام كما يمكن أن يتبادر من قراءة العنوان، في وقت أصبح فيه الإسلام ومظاهر تشويهه يحتل مكانة مهمة في الحياة السياسية والوسائل الإعلامية.
"إنه محاولة لإعطاء الفكر معالم تمكنه من الحكم الرصين على الإسلام وعظمته من ناحية ومظاهر ضعفه وأسبابها في الماضي من ناحية أخرى ثم مظاهر الغموض التي اكتست الحكم عليه في الوقت الحاضر. إن هذا الموقف ليس من باب الترف الفكري أو الدفاع عن الإسلام وإنما هو ضرورة موضوعية باعتبار أنه يمثل على المستوى السكاني خمس الإنسانية (ص7).
فالعالم اليوم حسب رأي غارودي، يمر بمرحلة خطيرة، إن لم يتجاوزها بسلام، فأن الإنسانية مهددة بانتحار كوكبي جماعيز فـ80% من الثروات الطبيعية يستعملها 20% من السكان، هذا وعليه فإن حالة اللاتوازن الخطيرة هذه سبب سوء التغذية والمجاعة.
وهذا يكفي شاهداً على أن مثال التطور الغربي فشل في أن يحقق للإنسانية الحياة الكريمة.
هناك مخرج واحد، حسب رأي روجيه غارودي، وهذا المخرج بإمكانه أن ينتشل الإنسانية من هذه النهاية المحزنة، ألا وهو إعادة تقسيم الثروات تقسيماً عادلاً.
فهل نستطيع أن نحقق في الوقت المناسب هذا المشروع: تغيير العلاقات الاستعمارية بعلاقات متبادلة ومتوازنة بين حضارات العالم؟
والسؤال يحتوي على نقطة أساسية، وهي أن إسهام حضارات العالم لن يكون إسهاماً مادياً فحسب وإنما كذلك روحياً وهذا هو جوهر إشكالية روجيه غارودي.
إن الغرب الذي تجاهل الجانب الروحي للإنسان، وظن أن السعادة تكمن في توفير الإنتاج، أفسد نظام العالم بفرضه هذه النظرة الضيقة للإنسان وللكون.
كيف يرى جارودي بوصفه مفكراً غربياً عاش تجربة مسيحية ثم تجربة ماركسية- من أهم منظري الفكر الاشتراكي الفرنسي- وتجربة إسلامية يعتقد أنه وجد فيها أجوبة متكاملة للبعد الروحي والمادي للإنسان، البديل الذي يمكن أن يخرج الإنسان الغربي من استلابه المادي وافتقاره للبعد الروحي؟
والعنوان الذي اختار لمقدمة كتابه يعبر عن حقيقة موقف الإنسان الغربي بصفة عامة والفرنسي بصفة خاصة من الإسلام.
فالكتاب في جملته إجابة عن هذا العنوان "السؤال" الذي في ذهن كل فرنسي لا يعرف من الإسلام إلا الصورة المشوهة التي يعطيها الإعلام عن كل المسلمين فرادى وجماعات. خاصة مع ظهور الحركات المنادية بمعاداة المشروع الغربي، واعتبار الإسلام هو البديل، وأصبح يُنظر إلى الإسلام في مقابل الحداثة والتقدم، على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي.
فكيف يجيب جارودي عن السؤال القضية: هل يحمل الإسلام آمالاً أم مخاوف؟
للإجابة عن هذا السؤال يرى الكاتب أنه لا بد أن نفرق بين تعاليم الإسلام كما وردت في القرآن وكما طبقت في بعض الحالات (تجربة الرسول  مثلاً) من ناحية وتاريخ الإسلام الذي ظهرت فيه بعض الانحرافات عن المشروع الأصلي.
ولإيجاد أرضية ينطلق منها هذا المشروع، يستدعي الكاتب فكرة جوهرية في مشروعه البديل، حتى يتسنى له الحوار مع الآخر (أصحاب الديانات الأخرى ومنهم المسيحيون) وهي أن الدين الإسلامي ليس ديناً جديداً بدأ مع بعثة محمد ، وهي الفكرة التي سيدور حولها الفصل الأول:
ماذا يعني الإسلام؟ الصحوة الدينية: إبراهيم، عيسى، رسل الإسلام
بهذه العناوين المختلفة أراد الكاتب أن يؤكد فكرة دافع عنها في أكثر من موضع، وهي أن "الدين الإسلامي ليس ديناً جديداً، ولا يمثل قطيعة مع ما سبقه من الرسالات وإنما هو خاتم الأديان وهو تواصل الرسالات الإلهية التي بدأها إبراهيم  ومحور هذه الرسالات، واحد هو توحيد الله سبحانه وتعالى خالق الكون وخالق الإنسان. فالله تعالى الذي يعبده المسلم، ليس خاصاً بالمسلمين إنه الإله الذي يعبده المسيحي، وكلمة (الله) باللغة العربية لها نفس معنى كلمة (Dieu) باللغة اللاتينية. فالمسيحي العربي في صلاته ودعائه يستعمل نفس الكلمة التي يستعملها المسلم العربي. فكلمة إسلام تعني التسليم الإرادي والحر لله وحده، وهذا هو القاسم المشترك بين كل الأديان السماوية، اليهودية، والمسيحية، والإسلام، منذ أول الخلق: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(الحجر:29)
وذكر الكاتب كثيراً من الآيات القرآنية للتأكيد على رأيه. ولئن كان محمد  هو خاتم الأنبياء، فإن إبراهيم  هو أبو الأنبياء وأبو كل المؤمنين إذا نظرنا إليه انطلاقاً من هذه النظرة الشمولية للرسالة التوحيدية، متسامين عن النظرة التجزيئية والتبسيطية لكل ديانة على حدة.
ويواصل الكاتب تقصي الأمثلة المستوحاة من القرآن لإبراز هذا التواصل، ويذكّر بما جاء في القرآن عن عيسى .
والجدير بالذكر في هذا التحليل أن الكاتب وعلى خلاف كل المفسرين المسلمين عندما يصل إلى قول الله تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (المؤمنون:52) ؟؟؟ يعتبر أن الله تعالى لا يخاطب المسلمين، يعني أتباع محمد وإنما يخاطب "كل المؤمنين منذ إبراهيم مروراً بموسى وعيسى انتهاءً بمحمد ، فالكاتب يعتبر "أمة واحدة" هي الأمة التي توحد الله مع اختلاف الانتماء الديني الضيق. فالأمة العالمية التي قصدها القرآن يجب فهمها حسب الكاتب انطلاقاً من الآية: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (البقرة:136) .
ولأهمية هذه النقطة، إذ هي الأرضية الفلسفية التي لا بد أن يسلم بها كل من يحمل مشروعاً مستقبلياً بديلاً عن الواقع الراهن، فهو يأتي بكل الآيات التي تشير إلى هذه الفكرة وتساعد القارىء على الاقتناع بهذه الفكرة الأم.
ويرى جارودي أن الذين فهموا هذا من المسلمين هم الصوفية فهو عندهم رمز الخلق وهو الكاشف عن "الواحد" و"الكل" وهو رمز المحبة الذي هو التعبير عن هذه الوحدة. فالصوفية تعتبر أن محور رسالة عيسى هو الحب (أو المحبة) في أسمى تعبيراته، الحب الذي يأتي من الله ويعود إلى الله مثل كل الكائنات.
فمفهوم المحبة في الإسلام نابع من الفكرة الرئيسة للرؤية الإسلامية وهي التوحيد. هذا الوعي بأن الله هو سبب وجود الإنسان وأنه لا يفعل إلا بقدرة من الله. وعن هذه الفكرة تتفرع علاقة الإنسان بالكون ليتخلص من أنانيته الضيقة ويفسح المجال إلى الواحد في إطار الكل.
هذا الفهم للإسلام جعل مفكراً مثل ابن عربي يرى أن فعل الخلق هو فعل محبة، فحب الله هو الذي يعطي معنى حبنا لبقية الكائنات ويفتح الآفاق أمام هذه العلاقة السامية بالكائنات. فحبنا للآخرين ينبع أساساً من حبنا لله وعينا بذلك أم لن نعِ.
"فقوة الحب لله فوق كل خوف من العقاب أو طمع في الجزاء" (ص15).
ولعل الكاتب بربطه لحبنا للآخرين بحبنا لله تعالى أراد أن يكشف عن افتقار العلاقات الإنسانية في المجتمع الغربي القائم على اللائكية (العلمانية) وعن هشاشة أرضيتها الشيء الذي جعلها تتصل إلى الواقع المتردي الذي وصلت إليه.
وذكر الكاتب أمثلة كثيرة تعبر عن الالتقاء بين الفكر المسيحي والفكر الإسلامي في تحديد مفهوم الحب الإلهي وانعكاساته على العلاقات الإنسانية.
هذا المفهوم المحوري في العقيدة الإسلامية وهو التوحيد، قد عبر عنه المسلمون في كل مظاهر الحياة، في الشعر، وفي الخط، والهندسة المعمارية.. وغيرها من مظاهر الحياة الثقافية للحضارة الإسلامية.
"فجامع قرطبة يعبر تعبيراً عميقاً في كل شكل من أشكال بنائه، وفي تناسق ألوانه ورنوّه إلى السماء، إلى المتناهي، يعكس هذه الوحدة بين المحبة والتوحيد (ص17). فالإسلام لما فهم كما جاء في القرآن، في عالميته الواسعة غير مرتبط بخصوصيات ضيقة لشعب معين، عرف إشعاعاً كبيراً لأن قبوله لم يكن بالنسبة لمن كان يؤمن (بإحدى الديانتين: اليهودية والمسيحية) يمثل قطيعة مع دينه فكل منها في صورتها البسيطة والمباشرة تمثل في دعوة التوحيد. وتطبيق الإسلام في كل ميادين الحياة اليومية يجعل الله حاضراً لدى كل فرد على مستوى كل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.
فدعوة الإسلام في المشرق بهذه ا لصورة وجدت قبولاً لدى المسيحيين واليهود، وكذلك في الأندلس فقد قبله (أهل التوحيد) بسهولة إذ مثّل دخولهم الإسلام إحياءً لعقيدة التوحيد التي شوهها التطرف المسيحي خاصة بعد ظهور فكرة الطبيعة الإلهية لعيسى وقرار الإمبراطور قسطنطين أن يوحد الإمبراطورية على مذهب "عقيدة التثليث" وانقسام المسيحيين حول هذه القضية. ويختم الكاتب هذا الفصل بتذكير القارىء بأن الإسلام عندما دخل العالم المسيحي الذي كان في قمة الانحطاط العقيدي والاجتماعي أقبل عليه الناس بكثير من الأمل في أن يجدوا فيه ما فقدوه في عقائدهم المشوهة، فهو بذلك الدين الذي أعطى صحوة وحياة روحية جديدة لهذه الشعوب فاعتبروه تواصلاً وتصحيحاً لدينهم الذي بدأ ينحرف عن عقيدة التوحيد.

الثورة الاجتماعية: مثال تاريخي: الإسلام في الأندلس
يتمحور هذا الفصل حول فكرة يعتبرها الكاتب جوهرية في الفهم الصحيح للرسالة الإسلامية والنهضة التي شهدها الإسلام والتي بنى عليها حضارته هي الدعوة الاجتماعية لمسلمي المدينة متمثلة في تطبيقهم لمبدأ أساسي في العقيدة الإسلامية هو: "الله هو المالك الوحيد". وعن هذا الإيمان نتج مجتمع المساواة، فكل التعاليم القرآنية الاجتماعية تدعو إلى عدم تكوين طبقة غنية بيدها كل وسائل الثراء في مقابل طبقة فقيرة. ويذكر الكاتب ثلاثة عناصر أساسية دعا إليها الإسلام للمحافظة على التوازن الاجتماعي.
1- الزكاة: وحتى يبين الفرق بينها وبين الأداءات يذكر الكاتب بأنها حسب التعاليم القرآنية فإنها تتمثل في دفع 2,5% على رؤوس الأموال والأرباح وقد يتبادر إلى ذهن القارىء الفرنسي أنها مثل الأداءات على الأرباح.
ويعتبر الكاتب أن هناك فرقاً كبيراً بينهما إذ أن الأداءات تحافظ على رؤوس الأموال أما الزكاة فتدخلها.
ويستخلص الكاتب أن مفهوم الزكاة يهدف إلى تقسيم الثروات إذ أنه بهذه الطريقة لا يمكن لرأس المال أن يحافظ على قيمته بعد 40 سنة تقريباً.
2- العامل الثاني الذي حرص عليه القرآن هو الربا فحرمه لأنه يسهم في تكريس وضعية غير صحية في المجتمع.
3- منع امتلاك الأراضي لغير العاملين فيها.
ففي البلدان التي دخل إليها الإسلام كانت الأراضي تؤخذ من الملوك ورجال الكنيسة وتعطى لمن يخدمها في مقابل أثمان بسيطة. وهذا ما يفسر – حسب الكاتب- قبول الشعوب للإسلام على أنه دين آتى ليحررهم من الظلم السياسي والكنسي من ناحية واعتبار المسلمين رجال عقيدة تحترم عقيدة الآخرين وإحيائها على ضوء تعاليم آخر الأنبياء. أما كل ما كتب عن الفتوحات واعتبارها حروباً إنما كانت مع الملوك وكبار المستغلين المقطوعين عن شعوبهم، وباعتبار أن الدين الجديد يحرمهم من هذه الامتيازات (ص21).
وباعتبار أن الكاتب يهدف إلى إعطاء صورة موضوعية عن الإسلام فإن اختياره للأندلس ليس من باب الصدفة وإنما لتوضيح مدى تأثير التاريخ على فهم المسيحيين للإسلام. فقد اعتبرت الكنيسة ورجال الدين قيام دولة إسلامية في إسبانيا احتلالاً لبلد مسيحي غربي وهذا ذنب لم يغفره الغرب للمسلمين وهذا ما يفسر إلى حد كبير غياب النظرة الموضوعية للتاريخ الإسلامي لتحل محلها الأساطير والخصومات (polemiques).
فالمسلمون دخلوا إسبانيا بعد قرنين من الظلم السياسي والاقتصادي فالأقلية الحاكمة كانت تملك ثلثي الأراضي، كذلك على المستوى الديني، فإن غير المسيحيين ليس لهم نفس الحقوق فمثلاً سنة 693م أصدرت الكنيسة قراراً بمنع اليهود من حقهم في التجارة، وسنة 694م اتهم اليهود بأنهم يمثلون خطراً على الدولة وهُدِّدُوا بسلب لممتلكاتهم إن هم لم يتراجعوا عن دينهم ويقبلوا المسيحية. على الرغم من أن هذا القرار لم يطبق إلا أنه يمكن أن يفسر القبول الحسن الذي قوبل به المسلمون، ثم اعتناق الكثير من السكان الأصليين للإسلام إذ لا يمكن أن نتصور أن عدداً محدوداً من المسلمين استطاعوا أن يحتلوا إسبانيا احتلالاً عسكرياً في أقل من ثلاث سنوات وليؤكد هذا الرأي يأتي الكاتب بشواهد بعض المؤرخين. نذكر على سبيل المثال المؤرخ (Dozy) في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا" قدوم العرب إلى إسبانيا كان له إيجابيات عديدة فقد أحدث ثورة اجتماعية تجاوزت بذلك كثيراً من الأمراض التي كان يُعاني منها البلد منذ قرون... فالضرائب انخفضت بطريقة ملموسة، كما أن العرب انتزعوا الأراضي من الأغنياء الذين اغتصبوها من أصحابها ووزعوها على من كان يعمل بهذه الأراضي مما زاد في الإنتاج. وكذلك ازدهرت التجارة بعد رفع الحظر عنها وكثرة الضرائب. كذلك تحرر كثير من العبيد باعتبار أن القرآن يشجع على تحرير العبيد بمقابل مبلغ مادي وهذا أعطى للمجتمع حركية... كل هذه الإجراءات أحدثت حالة شعور بالارتياح لدى الناس الشيء الذي جعلهم يستقبلون العرب استقبالاً حسناً ويدينون بدينهم" (ص23)(4).
ويستطرد الكاتب في ذكر المؤرخين لهذه الفترة حتى يبين المغالطة التاريخية للكنيسة أساساً في اعتبار ازدهار الحضارة الإسلامية قامت على الحروب، إلا أننا نكتفي بذكر مؤرخ ثانٍ حرص الكاتب على نقل كلامه وهو الإسباني بلاسكو إيبانيز (Blasco Ibanez) حيث يقول: "إسبانيا لم تأتها النهضة من الشمال، بل جاءت من الوسط مع العرب... إنها بعثة حضارية... فعن طريقهم دخلت إلينا ثقافة قوية. استطاعت أن تتعامل مع بقية الثقافات... إنه دخول الشرق إلى أوروبا من إسبانيا التي كانت تحت سيطرة الملوك المسيحيين والرهبان وفي سنتين استطاعت أن تكسب إسبانيا. لم يفرض العرب أنفسهم بقوة السلاح، وإنما قبلهم الشعب انطلاقاً من المبادئ التي جاءوا بها... ومن بين هذه المبادىء مبدأ الحرية الذي هو حجر الأساس لكل أمة... فمنذ بداية القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر ميلادي نشأت أجمل حضارة وجدت في أوروبا في القرون الوسطى، ففي حين كانت شعوب الشمال تعيش حروباً دينية مدمرة، كان سكان إسبانيا على اختلاف أجناسهم وثقافاتهم وأديانهم يساهمون في بناء حضارة غنية ومتناسقة (ص24).(5).
فالكاتب عمد إلى الإطالة في سرد هذه الشواهد التاريخية، ليرد رداً غير مباشر على الفكر الغربي الذي تناسى الدور الذي قامت به الحضارة العربية الإسلامية في ميدان العلوم والفلسفة ومساهمتها في تكوين الفكر الغربي، حتى أنه في تاريخ الفكر الفلسفي قليلاً ما يشار إلى الفلاسفة العرب والمسلمين إلى جانب تشويه أسمائهم في الترجمة اللاتينية.
لكن من أين جاء الغموض، وكيف نفسر الصورة القائمة في الفكر الغربي عن الإسلام والمسلمين في بلاد الغرب بما فيها إسبانيا؟
للجواب عن هذا السؤال يتقصى الكاتب بعض النصوص التي كتبها رجال الكنيسة الكاثوليكية.
يعتبر روجيه جارودي أن الغرب وخاصة فرنسا لم تعرف الإسلام على وجهه الحقيقي إذ أن السمة الأساسية لعلاقة المسيحية بالإسلام هي علاقة توتر وهذا يرجع إلى زمن بعيد، فالإسلام هو الدين الوحيد الذي أوقف انتشار الدين المسيحي في القرن السابع الميلادي وزعم بعض رجال الكنيسة أن الإسلام جاء لمحاربة المسيحية. فقد زعم البابا أسون الثالث بأن محمداً  كان ضد المسيح، وهذا الموقف العدائي إزاء شخصية الرسول والدين الذي جاء به نجده متفشياً بين الكثير من الكتاب والمفكرين الغربيين.
فلقد كتب المستشرقون كثيراً عن "الطبيعة السلطوية والفردية للدين الإسلامي" وقدموا الإسلام والمسلمين على أنه الوجه الآخر للغربي فهو الجاهل والمتأخر.
"ولعل أهم ظاهرة تبين هذا العداء للإسلام زعم أحد رجال الكنيسة الأرثوذكسية أنه عثر على كُتيّب بعنوان حياة نبي (Nefaste) مؤلفه مجهول ورداً على هذا الخطر دعا إلى ما يسميه بـ "نظرية الشهيد لمحاربة عدو المسيح". وكتب عدة كتب فيما بين 851 و857م تدفع كلها إلى مقاومة انتشار الإسلام فمنذ ذلك الوقت بدأت حركة مضادة للإسلام، وبدأ أتباع سان إيلوج (Saint Euloge) يتكاثرون" (ص28).
إن كتاب حياة نبي (Nefaste) كان له تأثير سلبي على مجرى العلاقة بين الإسلام والمسيحية في إسبانيا وصدرت بعد ذلك عدة كتب تستعيد هذه النظرة ومنذ ذلك الزمن بدأ التكلم عن الاحتلال والزحف العربي الإسلامي على إسبانيا.
أما الباب الثاني من الفصل الأول فقد خصه الكاتب لدراسة مساهمة الحضارة الإسلامية.
ثورة ثقافية: مساهمة الإسلام الحيوية في الحضارة الكونية
يعتبر الكاتب أن الفهم الصحيح للقرآن في بداية التاريخ الإسلامي ولّد عند المفكرين المسلمين عقلية مرنة مفتوحة على الآخر (الفكر اليوناني والهندي) ففي سنة 815م، في حين كان الغرب لا يعرف القراءة (إلا الأرستقراطيين ورجال الكنيسة) أسس المأمون مكتبة بغداد: دار الحكمة، وكانت تضم أكثر من مئة ألف كتاب وكما كانت المكتبات منتشرة في العواصم والمدن العربية.
وحرصاً من الكاتب على إعطاء صورة واضحة للحركة العلمية والثقافية لم يبخل عن ذكر عدد من المكتبات الخاصة والعامة وعدد من الكتب التي تحتويها ومقارنتها بالوضع في فرنسا. فهو مثلاً يقارن بين شارل الخامس (Charles V) القرن (XIV) ملك فرنسا الذي لم يكن له إلا ما يقارب 900 كتاب في حين كان للخليفة العزيز في مصر (القاهرة) مليون وستة مائة ألف كتاب (ص36).
ويرى الكاتب أن حركة الترجمة هذه لم تكن سلبية بل استطاع المفكرون المسلمون أن يستثمروها انطلاقاً من عقيدة التوحيد، فتجاوزوا بذلك فلسفة أرسطو: الكائن والموجود، القائمة على الثنائية إلى فلسفة التوحيد القائمة على الفعل.
ففي حين قامت الحكمة الإسلامية على فلسفة الغايات مما جعل العلوم الإسلامية تحافظ على الغاية الأساسية وهي الإنسانية حيث قامت العلوم الغربية على فلسفة الأسباب، التي تكون في نفس الوقت غايات انتهت بنسيان الغاية الأساسية وهي الإنسان وحنطت العقل في الأسباب المادية.
فعقيدة التوحيد هي المصدر الثالث لفهم الكون وقد أسقطها الغرب من دائرة معارفه، فلا العلوم في بحثها عن الأسباب ولا الحكمة في بحثها عن الغايات قادرة على معرفة السبب الأول، ولا الغاية القصوى... فالعقيدة تبدأ بالوعي بحدود العقل والحكمة وهي الفرضية الضرورية لعلم العقل.
أما الباب الثاني فيخصصه الكاتب للكلام عن ما يسميه بمظاهر انحطاط الإسلام.
مظاهر انحطاط الحضارة الإسلامية
إن بداية الانحطاط كانت مع ظاهرة فساد الطبقة الحاكمة التي أصبح همها السلطة والمال.
كذلك من مظاهرها أن بعض الفقهاء الذين أسهموا في إيجاد أرضية قانونية لتسلط الطبقة الحاكمة، يذكر الكاتب على سبيل المثال الفتوى التي ارتكز عليها الخلفاء الأمويون في إسبانيا ليكون المذهب المالكي هو المذهب الرسمي للبلاد ويتبعه كل القضاة، ويذكر الكاتب مثال ابن تيمية الذي يقرّ بالحديث "إن السلطان ظل الله في الأرض".
ويساند فتوى الإمام مالك:
"ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بدون سلطان"(6).
"وبدأت دعوات إلى نوع من الاستسلام والقدرية والرضا بالظلم فغابت عقلية البحث وحب المعرفة وحل محلها الجهل والتواكل، مما يسر ضرب الإسلام في إسبانيا (ص68).
أما المظهر الثاني من مظاهر انحطاط الحضارة الإسلامية فهو إقصاء المذهب المعتزلي وعزله عن تكوين العقل المسلم" (ص69).
يعتبر جارودي أن المذهب المعتزلي كان بإمكانه أن يجعل من الحضارة الإسلامية حضارة تستمد من الله والإنسان، فالمذهب المعتزلي يرتكز على مبدأين أساسيين في بناء حضارة إنسانية. الأول التعالي والتوحيد، والثاني حرية الإنسان في اختيار أفعاله ومسؤوليته أمام اختياره، إذ بدون هذه الحرية والمسؤولية، فإن مفهومي الجزاء والعقاب يفقدان معنييهما، سواء في الدنيا أو الآخرة.
وهذا هو القانون الإلهي الذي يخضع له كل إنسان وبهذا المفهوم يكون معنى استخلاف الإنسان الذي يتميز عن بقية الكائنات.
الإنسان هو الكائن الوحيد الذي له القدرة على معصية الله، إلا أن الالتزام بالإسلام هو التزام بأن يقتدي حسب الأمر الإلهي ومثاله في ذلك إبراهيم ، ويسلم أمره لله كنتيجة حتمية للفهم الصحيح لمعنى "التوحيد" (ص56). ويعتبر جارودي أن التجربة الإسلامية تميزت عن بقية الدعوات التوحيدية بأن أصبح الرسول  قائداً سياسياً عندما أسس الدولة الإسلامية بالمدينة، وهي أول مرة تلتقي فيها المبادىء الموحدة لكل الديانات السابقة التي تبين علاقة الإنسان بالله (العبادة) بتشريع قانون يحكم علاقة الإنسان بالإنسان في مختلف مستوياتها لتنظيم العلاقات التي كانت حتى ذلك الوقت تتميز بالفوضى (Chaos).
وهكذا منذ هذه التجربة، "يدخل مفهوم التعالي في التاريخ، دون أن يحدث قطيعة مع الماضي ولكن بإزاحة ما شاب مفهوم التوحيد من غموض، فالرسول  كان عميق الوعي بأنه مبعوث الله وبأنه بشر مثل بقية الناس في نفس الوقت (ص57).
فخاصية الشريعة الإسلامية أنها لا تفصل بين علاقة الإنسان بالآخر وبالطبيعة عن العلاقة بالله، وأن كونها إلهية المصدر لا يعني تحجرها. فعلى العكس فلكونها وحياً وصالحة لكل زمان ومكان يجعل منها تشريعاً حيوياً متواصلاً.
"فالقرآن يعلمنا الغاية والمقصد من أي حكم، وهذا ليس خاصية الأحكام ولكن القرآن كله يذكرنا بالغاية. والعقيدة الإسلامية قائمة على الغاية إذ بدون هذه الغاية لا معنى للخلق وللوجود، فليست الشريعة هي الأحكام ولكن كل القرآن هو شريعة".
وبناء على هذه الغايات الأساسية يمكن تكوين تيار فكري قادر على تحمل مسؤولية التجديد وتجاوز تحديات هذا العصر، ويستدل الكاتب على هذا الرأي بإعطاء عدد من الآيات في كل موضوع.
القرآن يحتوي على 6236 آية، منها 228 للأحكام (70 خاصة بالعائلة، 70 آية أحكام اجتماعية، 10 أحكام اقتصادية، 25 علاقات دولية، 30 عقوبات).
4% من القرآن للحقوق، 0,7% للعقوبات.
والبقية تهتم بالعقيدة والأخلاق، والصراط المستقيم (ص69). يقول تعالى: آلم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (البقرة:2) . وعلى الرغم من ذلك لا نرى اليوم من مظاهر الإسلام في الدول الإسلامية إلا آيات الحدود وتطبيق الشريعة أصبح يعني تطبيق العقوبات دون توفير الحقوق.
لقد حاول بعض الخلفاء أن يجعلوا من سلطتهم السياسية قوة مركزية وهذا دفعهم إلى وضع حد لحرية التفكير فمنعوا كل جديد خوفاً من أن يسهم هذا الجديد في تغيير الأوضاع السياسية. "هذا الانكفاء على الذات كان له تأثير سلبي على مستقبل تاريخ الإسلام وقد طبع هذا بموقف ابن حنبل وكثر وضع الحديث الذي يخدم مطامح السلطة السياسية" (ص66).
وفي هذا الواقع الفكري المتردي تم تهميش المذاهب العقلانية مثل مذهب أبي حنيفة الذي كانت له نظرة خلاقة للجهد العلمي وإعطاء صورة حية على كيفية التعامل مع القرآن تعاملاً حيوياً، مما جعل الإسلام ينمو ويتفاعل مع مختلف الثقافات ولا ينحصر في نظرة ضيقة حتى يحقق مفهوم عالمية العقيدة الإسلامية.
لعل من المعبر عن هذه الوضعية المرضية للواقع الإسلامي أنه بالرغم من أن في القرآن 750 آية تدعو إلى التأمل والعلم، في حين أن 150 آية فقط في الحقوق، نجد أن العلوم الإسلامية في هذه الفترة تركزت على الأمور الكلامية والفقهية، ولمدة 10 قرون وتراجع البحث العلمي والفلسفي تاركاً الميدان للتكرار وحفظ ما أنتجه السابقون فانتهى الأمر بتقديس التراث.
أما على مستوى الفكر السياسي فيشير الكاتب إلى الكيفية التي تم بها التأسيس للتسلط السياسي فنرى أن الماوردي يسقط الشورى من واجبات الخليفة (ص67).
أما على المستوى الروحي فإن الفهم الخاطىء لروح القرآن والعقيدة الإسلامية، أدى بابن تيمية إلى إدانة (condamner) ابن عربي. فابن تيمية على الرغم من تجديداته التجديدات الفقهية إلا أنه على مستوى الخط الفكري ساهم في تحنيط الفكر الإسلامي وأغلق باب الاجتهاد (67) فمكّن للمحافظة (conservatisme) وأعطى فرصة للتسلط السياسي بترويج حديث: "الملك ظل الله في الأرض".
أما الباب الثالث فيخصصه الكاتب لرؤية مستقبلية لإسلام حيوي وواقعي. كيف يرى جارودي ذلك؟
الإسلام الحيوي
يعتبر الكاتب أنه رغم المراحل الصعبة التي مرت بها الحضارة الإسلامية إلا أنها لم تخل من فترات ازدهار ومحاولات مستمرة لإحياء؟..
فالمذهب المعتزلي استطاع على الرغم من الضغط الأموي أن يعطي نفساً قوياً للازدهار الحضاري في المرحلة الأولى حتى ضعف تحت وطأة المذهبية الحنبلية والتسلط السياسي.
أما مرحلة الانحطاط الثالثة فكانت قمتها مع الاستعمار على المستوى السياسي والفكري والاجتماعي فأسدل على العالم الإسلامي كابوس الجهل والتقليد.
إلا أنه بالرغم من هذا الوضع المتردي للحالة الإسلامية، فقد قام مفكرون مسلمون بإعادة الحياة للإسلام، وربط الواقع بعقيدة التوحيد. ولم تكن المهمة سهلة أمام هؤلاء المفكرين إذ كان عليهم أن يواجهوا في منتصف القرن التاسع عشر الاستبداد المادي والثقافي للمستعمر، وتفكك وحدة الخلافة العثمانية.
وهذان العاملان ساهما في تصلب الفكر التقليدي والاحتماء بالتراث الذي يعين على رفض كل جديد. ولعل أكبر دليل على ذلك واقع التعليم في مراكز العلم التي كانت لا تحتوي إلا على كتب الفقه والتفسير القديمة فمثلاً في جامعة الزيتونة في تونس، لا نجد إلى سنة 1912م إلا تفاسير تعود إلى القرن 14 والقرن 15. وهذا ما يفسر التبعية العمياء للماضي وتوقف العقل المسلم عن الفعل كما يقول الكاتب.
ويعتبر الكاتب أن الفكرة المحورية لمفكري النهضة و"التي لا تزال صالحة إلى اليوم على الرغم من مرور قرن ونصف من الزمان" تتلخص في أن أي إحياء للإسلام لا يمكن أن يكون إلا عبر قراءة جديدة للقرآن. قراءة حية تعيد إليه دوره الريادي لتسيير الحياة الإنسانية في كل مستوياتها" (ص78).
هذه الحركة الفكرية التي أسسها جمال الدين الأفغاني وطورها محمد عبده ورشيد رضا حاولت أن تعيد إلى الإسلام قيادته الحضارية بمحاولة للربط بين مفهومين جوهريين: مفهوم التوحيد ومفهوم الواقع. أي إعادة ربط الجانب المادي بالجانب الروحي الذي أبعده الغرب في مسيرة التقدم العلمي.
فكيف يرى الكاتب إسهام الإسلام، ليس فقط في حل مشكلات المسلمين ومستقبلهم ولكن في حل مشكلات العالم والإنسانية؟
يرى الكاتب أن الإسهام الإسلامي اليوم يجب أن يتجاوز مشكلتين:
1- مشكلة داخلية: وهي تجاوز التقوقع على الذات والاحتماء بالتراث، ومواقف ردود الأفعال التي لا تتفق وروح الإسلام.
2- مشكلة خارجية: تجاوز العلمانية المتحجرة التي قطعت كل علاقة بالمفاهيم الروحية، وقوقعت الإنسان في جانبه المادي الحيواني، مما أدى إلى فقدان الحياة معناها.
لماذا غاب المسلمون عن المشاركة في الاكتشافات العلمية على الرغم من أنهم كانوا السباقين إليها وذلك في مختلف العلوم (الرياضيات، الفيزياء، الفلك، الطب.. إلخ).
من المسؤول عن هذه الوضعية؟
يجيب جارودي أن أصحاب النفوذ في مختلف القطاعات في العالم الإسلامي يتحملون مسؤولية هذه الوضعية. فهم بدلاً من أن يدفعوا بالجهود ويمولوها، نجدهم يكتفون باستيراد التكنولوجيا جاهزة من الغرب بما في ذلك الأسلحة الهدامة. والتي تستعمل في أغلب الأحيان للقتال بين المسلمين أنفسهم أو استيراد المواد الترفيهية (السيارات، مواد التجميل، الملابس الجاهزة) وبهذا يكون العالم الإسلامي قد سقط في شباك الغرب وجعل من نفسه سوقاً استهلاكية ليس لها أي اعتبار في موازين القوى في العالم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فقد حكم على عقول أبنائه بالوقوف عند حد المقلد أو الهجرة إلى الغرب والإسهام في تطوير علومه ولكن بعد أن ينزع كل انتماء ثقافي وروحي للعالم الإسلامي.
أما مسؤولية أصحاب النفوذ الديني فتتمثل في بعدهم عن الواقع والقضايا الحيوية المعاصرة واجترارهم لمشكلات تاريخية لا تفيد النمو الإسلامي بل تعرقله وتخنقه، في حين أن إسلاماً حيوياً لا يخشى على نفسه لا الأديان ولا الفلسفات ولا العلوم. فهو قادر على تجاوزها بشرط معرفتها والحوار معها، فالإسلام لا بد أن يسهم في نقد الوضع الذي وصلت إليه التقنية الحديثة مثلما فعل ذلك كبار مفكري الغرب منذ كانط إلى باشلار، ويبين ضرورة البعد الروحي لكل عمل إنساني مثلما فعل ذلك العديد من المفكرين مثل كير يكارد والغزالي وابن عربي ومحمد إقبال... فالطريق الملكي للبعث الحضاري الإسلامي حسب روجيه غارودي لا بد أن يكون عبر الانفتاح الروحي لكل الثقافات المكونة للحضارة الإنسانية. للحوار معها والتعاون على إرساء فلسفة الإيمان الروحي في مقابل المادية التقنية. هذا ما يدعو إليه الإرشاد القرآني. ويؤكد الكاتب أن زعماء الإصلاح قد فهموا هذه النقطة الأساسية بناء حضارة إنسانية توحيدية في مقابل الحضارة المادية.
إن فكرة الحوار بين الأديان فكرة جوهرية في مشروع الكاتب الذي يجب أن يقوم في مقابل الحضارة الغربية المادية وقد ركّز عليه في أغلب كتبه الأخيرة.
أما الفكرة الثانية في إطار بيان موقفه من الإسلام والحضارة الإسلامية فهي فكرة الرجوع إلى الأصل التي قامت عليها النهضة الإسلامية في بداية القرن التاسع عشر والتي تنادي بها الحركات الإسلامية المعاصرة.
فالرجوع إلى الأصل حسب جارودي – أساساً- هو الرجوع إلى القرآن وفهمه في ضوء العصر وتجاوز التراث ونقده. يعتبر روجيه غارودي أن محمد عبده وعى بضرورة الرجوع إلى الأصل وفمهمه على حقيقته أي الرجوع المباشر إلى القرآن وتجاوز التقليد حيث يذكر بأن القرآن نفسه يرفض التقليديين ويصفهم بالحمير التي تحمل أثقالاً (رسالة التوحيد، ص109).
فالاجتهاد المتجدد هو الشرط الضروري لأي تقدم.
أما تحت عنوان "الشريعة" في القرآن الكريم هي طريقة موحَّدة لكل الديانات والفلسفات.
يحلل الكاتب معنى "الشريعة" ويرى أن كلمة شريعة لم تذكر في القرآن إلا مرة واحدة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ (الجاثـية: 18)، أما في ثلاث آيات أخرى فهناك كلمات من نفس الأصل، شرع، وشرعة، فما هو المعنى الحقيقي لكلمة شريعة؟ يعتبر الكاتب أن شريعة هي مرادفة لكلمة شريعة؟ يعتبر الكاتب أن شريعة هي مرادفة لكلمة طريق Voie.
فهذا الطريق هو واحد لكل الشعوب التي بعث الله فيهم رسلاً كل منهم بلسان قومه، في حين أن القوانين التي تخص السرقة أو المرأة والزواج والإرث كلها مختلفة في التوراة والإنجيل والقرآن.
فالشريعة بوصفها الطريق إلى الله لا يمكن أن تشمل هذه القوانين إذا اعتبرناها شريعة كونية موحدة بين كل الديانات منذ سيدنا إبراهيم إلى محمد عليهما الصلاة والسلام، فالشريعة هي تعاليم الوحي التي تبين الغايات المتعالية للإنسانية في حين أن القوانين المرتبطة بالقضايا الاجتماعية هي وسائل لبلوغ الغايات وهي بالضرورة متغيرة بتغير الأزمان والأقوام. والله ترك للإنسان حرية التطبيق حسب ظروف كل مجتمع.
ولتأكيد هذا المعنى للشريعة (الطريق) يورد الكاتب أمثلة من القرآن الكريم والتوراة والإنجيل. ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ... (الفتح: 14).
كذلك في الإنجيل تقرأ نفس المعنى "لله ربك ملك السموات والأرض ولك ما فيهما".
“A l’eternal, ton Dieu, appartiennent les cieux, la terre et tout ce qu’elle renferme”.
(10/14).
كذلك في الإنجيل: "الأرض وما فيها ملك لله" (Paul, I. co.10, 26).
وأيضاً بالنسبة لفكرة "الله وحده المال"، و"الله وحده العليم" نجدها في الكتب السماوية الثلاثة.
ومن هنا يتبين لنا – يقول جارودي- أن واجبنا يحتم علينا أن نوجد الوسائل التاريخية لتحقيق هذه الغايات المتعالية (ces fins transcendantes) كما أن القرآن الكريم قدم لنا المثال واضحاً من خلال تصوير مجتمع المدينة، فيجب علينا أن نتجاوز الفهم الحرفي للقرآن إذ أنه يدفعنا للتفكير في الأمثلة لا أن نطبقها حرفياً. فالكاتب يعتبر أن آيات الحدود الواردة في القرآن ليست أحكاماً وإنما أمثلة تبين الوسائل التي اتبعها مجتمع المدينة لتحقيق هذه الغايات – طريق الله. وواجب المسلمين لا أن يطبقوا هذه الحدود وإنما أن يبحثوا عن الوسائل الخاصة بكل زمن وبكل مجتمع. فدعوى تطبيق أحكام معينة لأنها مذكورة في القرآن يعني الوقوع في الخلط بين القانون الإلهي الأبدي (eternel) وبين قوانين موجهة لمجتمع في الشرق في القرن السابع.
فكلا النوعين موجود في القرآن، ولكن المشكل في الخلط بينهما، بين ما هو تاريخي جزئي وبين ما هو مطلق كلي. وعدم فهم هذين المستويين من الخطاب القرآني يجعل أي دعوة إلى الإسلام دعوة ظلت سبيل الدعوة الحية والقرآن حي ومطلق (ص123).
"فالدعوة إلى طريق الله دعوة قادرة على توحيد كل الشعوب المؤمنة، أما الدعوة إلى تطبيق قوانين شرعت لمجتمع المدينة في القرن السابع عمل يقسم الإنسانية ويعطي فكرة خاطئة عن الدعوة القرآنية، إنها جريمة ضد الإسلام" (ص125).
والإنسانية اليوم في أمس الحاجة إلى دعوة تعمل على إبراز الجانب الروحي في الدعوة الإسلامية فكيف يرى الكاتب تجاوز هذه الوضعية؟
يحلل الكاتب العلاقة بين الإسلام السياسي (L’islamisme Politique) أو ما يسميه الغرب “L’integrisme Musulman” وبين الأفهام الغامضة عن معنى الشريعة.
"تطبيق الشريعة" هو شعار أغلب الحركات الإسلامية في مقابل القوانين والتشريعات الاستعمارية (فرنسي، أو إنجليزي) التي لم تأخذ بعين الاعتبار الهوية الإسلامية للشعوب، ولم تؤسس إلا على فلسفة مادية ترى في كل شيء يباع ويشترى.
"تطبيق الشريعة" في نظر الغربيين يعني قطع يد السارق وتغطية المرأة بالأسود من الرأس إلى القدمين.
"ولكن لا الإسلاميون ولا الغربيون طرحوا حقيقة الشريعة. فالإسلاميون لا يفرقون بين ما يطلبه القرآن وما يطلبه التراث. أما الغربيون فلا يرون في الشريعة إلا أنها النقيض لما يسمونه مغالطة "الديمقراطية" دون أن يفرقوا بين الديمقراطية وأحادية السوق (ص119).
فالمسلمون لا بد أن يرجعوا إلى القرآن ليفهموه في ضوء الواقع انطلاقاً من المفهوم المحوري للإسلام وهو التوحيد لتجاوز مظاهر الشرك الحديث في ضوء الشريعة (مفهوم الاستخلاف- الملك لله) لمقاومة العلمانية والتقنية الحديثة التي أعطت جواباً خاطئاً للسؤال: لماذا تكديس البضاعة وإرادة القوة؟ وجعلت كل مؤسسات المجتمع والدولة في خدمة هذا الشرك الأعظم، وصورت للإنسان أن الغاية القصوى هي الرفاه المادي.
فشريعة لا تعطي حلاً لهذه المشكلة الإنسانية لا يمكن أن تزاحم فلسفة السوق المادية. فشعار تطبيق الشريعة الذي يجب أن ترفعه اليوم الحركات الإسلامية يجب أن يكون الجواب عن السؤال لماذا؟ وهو السؤال المحوري والجوهري للإنسانية وربط الغاية بالمعنى. لا أن يكون فهماً ضيقاً يختزل في تطبيق الحدود. فالكاتب في هذا الفصل النقدي للحركات الإسلامية يدعوها إلى تجاوز الصراع المذهبي والفهم السطحي للآيات القرآنية. فالأصولية من الأعراض المرضية للإسلام مثل ما هي لكل الأديان والإيديولوجيات، إذ أنها تعتبر نفسها المالكة الوحيدة للحقيقة الكلية، وينتج عن هذا فهم خاطىء لدورها الذي هو إيصال ما تؤمن به للناس لا فرضه على الجميع ولو كان ذلك بالحديد والنار.
ويعتبر الكاتب أو أول مظهر من مظاهر الأصولية هو الاستعمار الغربي الذي أراد أن يفرض تصوره للعالم وللحياة على الجميع باعتباره الحضارة المثال. في البداية باسم المسيحية والكنيسة، وبعد ذلك عندما ضعفت الكنيسة وتراجع دورها، واصل غزوه باسم التقنية والمادية التي يسميها "الحداثة" (la modernite) فكل التيارات الأصولية –حسب رأي الكاتب- منذ الثورة الثقافية الصينية، والحركات القومية إلى الحركات الإسلامية هي في حقية الأمر ردة فعل ضد الأصولية الاستعمارية الغربية بهدف المحافظة على الذات والتحرر من المستعمر.
وهكذا في مقابل دعوة الغرب على أنه الثقافة الوحيدة نشأت الحركات الإسلامية دون وعي حقيقي بدورها الحضاري.
ويختم جارودي كتابه بخاتمة تحت عنوان:
نحو حداثة تعطي معنى للحياة
يرى جارودي أن الحرب القائمة بين القوى الرأسمالية التي اكتسحت نفوذها كل مناطق العالم وبين القوى التي لا تزال تحمل عقيدة وإيماناً بالله ومعنى للحياة وللإنسان تجعل العالم في خطر. إن انحطاط الغرب بأسلحته الاقتصادية ما بعد استعمارية مثل: البنك الدولي (IMF)، وأسلحته العسكرية التي تساعده على مواصلة بسط نفوذه على بقية العالم، تمثل خطراً يهدد العالم في كل لحظة بما يساوي مليون هيروشيما (Hiroshima)، عاجز عن أن يعطي معنى للحياة على المستوى المتعالي المرتبط بالتوجه إلى الله، أو أن يعترف بوحدة مصير العالم، وهذه الوضعية المتأزمة بإمكانها أن تؤدي إلى انتحار كوكبي.
هذا المصير الخطير، لا يمكن تجاوزه لا من طرف الغرب بما يحمل من تصورات مادية لمفهوم السوق والتقنية، ولا من طرف رجال الكنيسة المرتبطين بمصلحة الأنظمة، ولا من طرف الإسلام الذي يحمله القادة المرتبطون بالغرب وصنميه الأساسيين: المال والقوة.
وحدها الشعوب الإسلامية في نضالها المشروع ضد العالم الغربي وغطرسته المادية، من ناحية وضد ملوك التبعية، يتوقون إلى حياة تنظمها قيم أخلاقية روحية وليس فقط قيم السوق والربح والخسارة. هذه الشعوب التي تريد حياة تستمد معناها من الإيمان بالله.
لكن هناك قيادات تريد أن تغير غضب الشعوب المسلمة إلى مجرد بكاء على الماضي، واقتصار الشريعة على تقاليد وأوامر ونواهي، مما ساهم في أحيان كثيرة في فهم خاطىء للإسلام والوقوف ضده.
فالغرب وأمريكا محافظة على مصالحهم، لا يسمحون إلا بإسلام يخدم مصالحهم ويكرس سياستهم الاستعمارية في نهب الشعوب، فأي صوت إسلامي يفضح غاياتهم ويضرب مصالحهم سيضرب تحت شعار "مكافحة خطر الأصوليين"، ويساعدون أكثر الأنظمة استبداداً على خنق الحريات. ورغم هذه الصعوبة الواقعية "فإن قوة الدعوة الإسلامية لا تمس شعوب العالم إلا إذا برهنت على انفتاحها لبقية الأديان وعكست الفهم الصحيح لمفهوم التوحيد والعالمية ولهذا فلا بد أن تتجاوز الفهم الحرفي للدعوة القرآنية من ناحية والمادية الغربية من ناحية أخرى"، ويفتح الأمل ليس أمام المسلمين فقط بل كذلك أمام الشعوب الغربية الرازحة تحت وطأة المادية والفردية لتعيد طرح السؤال لماذا؟ وإعطاءه الحياة والموت والتاريخ معنى.
"وهكذا يكون الوعي الإسلامي الحقيقي هو محرك الشعوب نحو إعادة المعنى للإنسانية، ولن يكون هذا إلا بالفهم الصحيح لمعنى الكونية والعالمية الإسلامية" (ص133).
بهذا الفهم فقط تكون الشريعة قادرة وفي كل زمن أن تكون العامل الحيوي والمرشد لحياة المجتمع والإنسانية وبهذا الفهم فقط يمكن للإسلام أن يتجاوز المادية الغربية حيث تُعاد إلى الحياة المفاهيم الأساسية للدعوة الإسلامية في أسمى مظاهر التوحيد إنه هو العليم الخبير، ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وبهذا فقط يمكن لإسلام الحي أن يتجاوز الدغمائية السياسية المؤسسة على المذهبية التي لا تخدم إلا مصالح أصحاب النفوذ الثقافي والسياسي والاقتصادي، وتتجاوز الصورة الخاطئة للإسلام الذي تروجه بعض الحركات والأنظمة السياسية وتختزله في محرمات وواجبات لا تخدم إلا مصالحهم" (ص146).
ولإعادة الدور الريادي للإسلام لا بد أن يعي المسلمون بأن ما كان سبب قوة الإسلام (حرية التفكير ومسؤولية الإنسان أمام أفعاله) أصبح سبب ضعفه (التقليد والتواكل وفهم خاطىء للقدر).
وهكذا فقط يستطيع المسلمون المشاركة في إنقاذ العالم من الخطر الذي يهدد الجميع بسبب فلسفة السوق التي لا تعطي قيمة إلا للربح المادي على حساب مصالح أغلبية سكان العالم وعلى حساب الطبيعة (التجارب النووية والتلوث) وإعطاء العالم وجهة صحيحة لإعادة معنى الحياة وإعطاء وجه جديداً للقرن الواحد والعشرين وجه إنساني تتمظهر فيه علامات التوحيد.
فلا الغرب بقوة سلاحه التي تهدد العالم ولا الكنيسة بتصلبها ولا الأنظمة الإسلامية بتسلطها، الشعوب الإسلامية فقط، هي القادرة اليوم – حسب رأي جارودي- على تجاوز هذا الخطر، برفض علمانية الغرب وتسلط الأنظمة السياسية، وإعادة المعنى للحياة وتجاوز فلسفة السوق المادية.
ففي كل الشعوب هناك أصحاب عقيدة وهم قادرون على رفض هذا البرنامج الانتحاري للعالم، ولا يتحقق هذا الرفض إلا بتوحيد جهودهم انطلاقاً من مبادىء التوحيد الكامنة في عقائدهم على اختلافها وهو توحيد الله.
فالإسلام اليوم وأكثر من أي وقت مضى مدعو أن يسهم في إنقاذ الإنسانية، وليوفر شروط النجاح لا بد أن يعي العناصر التي ساهمت في أن يكون رائداً للحضارة الإنسانية وهي:
1- الوعي بالبعد الكوني والعالمي لدعوته هو الانفتاح على المكونات الثقافية للشعوب على اختلافها.
2- البعد الروحي الذي لا يتمظهر إلا في علاقة المحبة بين الشعوب والأفراد وهي انعكاس لمحبة الله.
3- البعد الاجتماعي المتمثل في العدالة الاجتماعية.
ولا يمكن أن يتحقق هذا النداء إلا بإرادة هذه الملايين بأن تكون المبادرة إلى وضع حجر في بناء مستقبل ذي وجه إنساني متعلق بالله..
تعليق
لا شك أن النداء الذي يوجهه روجيه جارودي في هذا الكتاب وغيره (وعود الإسلام مثلاً) يبين إلى أي مدى استطاع الكاتب أن يلمس جوهر العقيدة التوحيدية وأثرها في نفس المؤمن، من خلال معاناة فكرية وجدانية عميقة دفعته إلى البحث في جذور الحضارات ليكتشف أسباب الأزمة التي تعيشها الإنسانية. ذلك أن التقدم التقني الذي وصل إليه الغرب وشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان فشلت في تحقيق الاطمئنان الروحي وإعطاء معنى للوجود الإنساني.
فالأزمة الحضارية التي يعيشها الغرب وانعكاساتها على بقية العالم لا يمكن تجاوزها إلا بإيجاد فلسفة يكون منطلقها إعادة التوحيد والعنصر الروحي في النظرة إلى الكون والإنسان. هذه الفلسفة وحدها قادرة على توعية الإنسان العالمي المتكامل الذي لا يمكن أن تنشئه إلا عقيدة التوحيد. العنصر الذي يعدّه الكاتب موحداً بين مختلف الديانات هو منطلق الحوار من أجل إيجاد هذا الإنسان المستقبلي لتجاوز أزمة اللامعنى التي يعيشها الغرب ونحن نوافق مالرو Malraux كما يوافقه الكاتب عندما يقول: "القرن الواحد والعشرون سيكون روحانياً أو لا يكون" (ص140).
ولكن الإشكال: كيف نوحد بين الأديان المختلفة؟ وإلى أي مدى يمكن أن نعتبر الإسلام واليهودية والمسيحية في مستوى واحد.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 1340   عدد الاصوات: 120 تعليقات: 1 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: