|     المعهد العالمي للفكر الإسلامي
العدد: 063 > قراءات ومراجعات

قراءة في كتاب تاريخ الفلسفة في الإسلام تأليف: دي بور

زكي الميلاد

أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 2286   عدد الاصوات: 80 تعليقات: 1 - أضف تعليقك
   
من المؤلفات التي يعرفها الكتّاب والباحثون في حقل الفلسفة الإسلامية وتاريخها، كتاب دي بور، وعنوانه: تاريخ الفلسفة في الإسلام، وهو الكتاب الذي نال اهتماماً واضحاً في المجال العربي بعد ترجمته إلى اللغة العربية، واعْتُمِدَ كتاباً مرجعياً لمعظم الكتابات والمؤلفات التي تناولت الفلسفة الإسلامية وتاريخها، فلا يكاد يوجد كتاب يتناول الفلسفة الإسلامية بالحديث دون أن يرجع إليه، ويأتي على ذكره، وهذا ما كشفته الكتابات والمؤلفات العديدة التي رجعت إليها.
أولاً: أهمية الكتاب وقيمته
اكتسب الكتاب أهمية بالغة في مجال الكتابة والتأليف في الفلسفة الإسلامية وتاريخها، نظراً إلى عاملين متعاضدين، هما:
1. كونه أول كتاب صدر مع مطلع القرن العشرين؛ إذ صدر باللغة الألمانية سنة 1901م، وترجم إلى الإنجليزية وصدر سنة 1903م، الأمر الذي جعله يمثل حدثاً فكرياً يُؤَرَّخُ له في مجال الكتابة الحديثة عن تاريخ الفلسفة الإسلامية. وهذا لا يلغي أهمية الكتابات السابقة عليه، فهي كتابات احتفظت بقيمتها المعرفية، وتسدعي منهجّية البحث، الحاجة إليها، والعودة الدائمة والمستمرة لها.
2. كون هذا الكتاب أول كتاب موسوعيّ في تاريخ الفلسفة الإسلامية؛، إذ تتبع فيه مؤلفه منازع التفكير الفلسفي واتجاهاته عند المسلمين، وتطور هذه المنازع والاتجاهات منذ النشأة حتى عصر ابن خلدون في القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، فضلاً عن أنه كُتب بمنهجيّة منظمة ومركزة، جعلت منه واحداً من أفضل ما كتبه المستشرقون في حقل تاريخ الفلسفة الإسلامية. ولعل هذه الملاحظة أشار إليها العديد من الباحثين العرب المعاصرين الذين اعتنوا وكتبوا في تاريخ الفلسفة الإسلامية، ومن هؤلاء ماجد فخري، الذي يرى أن كتاب دي بور ما زال يمثل أفضل عرض مجمل للفلسفة الإسلامية بالألمانية والإنجليزية. وعدّهُ محمد عابد الجابري من أحسن ما كتبه المستشرقون في الفلسفة الإسلامية، ويمثل في نظره أول كتاب يؤرخ للفلسفة الإسلامية بشمولية، وتمّ على يد مستشرق، وأول كتاب يؤرخ لهذه الفلسفة على الطريقة الحديثة.
وقد اتسعت شهرة هذا الكتاب، حتى أصبح نموذجاً يحتذيه الكتّاب والباحثون العرب المعاصرون في الكتابة والتأليف في الفلسفة الإسلامية وتاريخها. وقد أشار الجابري إلى هذه المسألة، وعدّها العنصر الأهم في كتاب دي بور، وبات في نظره يمثل النموذج والقدوة، وأن الشهرة التي نالها ما زال يحظى بها إلى اليوم. كما أشار إلى هذه المسألة الباحث المصري حامد طاهر، الذي وجد أنّ كتاب دي بور يمثل خلاصة المخطط الغربي للفلسفة الإسلامية كما شاع بين المستشرقين، وانتقل إلى عدد كبير من المثقفين في العالم الإسلامي.
وعلى الرغم من أهمية الكتاب وشهرته بين الباحثين العرب، إلاّ أنني –في حدود اطلاعي-، لم أجد مقالة أو دراسة قصيرة أو طويلة كتبت عنه باللغة العربية. وما وجدته هو إشارات سريعة وعابرة فحسب، تكرّر ورودها في معظم الكتابات والمؤلفات التي عنيت بالفلسفة الإسلامية وتاريخها، بالإضافة إلى نصوص واقتباسات قصيرة ومتكررة من الكتاب نفسه. وللتحقّق من ملاحظتي هذه، وسَبْر صحتها، رجعت إلى بعض المفكرين العرب الذين عنوا بالفلسفة، فالتقيتهم بهم وتحدثت معهم، ومنهم حسن حنفي، وعبد الحميد مدكور، وزينب الخضيري من مصر، وأبو يعرب المرزوقي من تونس. وبعد سؤالهم فيما إذا كانوا قد وقفوا على مقالات أو كتابات منشورة باللغة العربية، تناولت كتاب دي بور، فلم تسعفهم الذاكرة على تذكّر شيء من هذا القبيل.
ثانياً: المترجم والترجمة
قام محمد عبد الهادي أبو ريدة بترجمة كتاب دي بور إلى اللغة العربية، وصدرت هذه الترجمة في القاهرة سنة 1938م.، وأبو ريدة باحث مصري وأستاذ جامعي متخصص في حقل الفلسفة الإسلامية، وهو الحقل الذي ارتبطت به سيرته العلمية والفكرية من المرحلة الجامعية، وبداية التخصص إلى نهاية مشواره.
تخرج أبو ريدة في جامعة القاهرة سنة 1934م، وعمل أستاذاً زائراً بجامعة السوربون الفرنسية سنة 1948م، وشارك في تأسيس الجامعة الليبية، وترأس قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية بكلية الآداب في جامعة بني غازي، في الفترة (1957-1962)، كما عمل أستاذاً بقسم الفلسفة في جامعة عين شمس، بصحبة عبد الرحمن بدوي.
وانتدب ثانية لإنشاء قسم الفلسفة بجامعة الكويت، وترأس هذا القسم فترة من الزمن، وظل أستاذاً فيه، طوال الفترة الممتدة، (1966م-1987م)، وعاد بعدها إلى مصر ليشارك في أعمال الجمعية الفلسفية المصرية.
وشغل أبو ريدة، منصب مستشار ثقافي لمصر في مدريد سنة 1949م بتزكية من طه حسين، وكلف بإنشاء المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، وكان أول مدير له حتى سنة 1952م. وتوفي بمدينة جنيف السويسرية سنة 1991م، أثناء حضوره مناظرة علمية مع المستشرق الفرنسي جاك بيرك.
وتنحصر الأعمال الفكرية لأبي ريدة، في ثلاثة مجالات، هي: التأليف، والتحقيق، والترجمة. ففي مجال التأليف، نشر أبو ريدة ثلاثة مؤلفات فقط، اثنان منها في حياته، والثالث نُشِرَ بعد وفاته من دون معرفة مسبقة منه، وهذه المؤلفات هي:
"إبراهيم بن سيار النظَّام وآراؤه الكلامية والفلسفية"، نشر في القاهرة سنة 1946م، وهو رسالته للماجستير، و"الكندي وفلسفته"، نشر في القاهرة سنة 1950م، وهو -في الأصل- المقدمة التي كتبها عند تحقيقه لرسائل الكندي الفلسفية. و"مضمون القرآن الكريم في قضايا الإيمان والنبوة والأخلاق والكون"، نشر في الكويت سنة 1992م بعد وفاته، وهو في الأصل مقدمة كتبها لمشروع قاموس القرآن الكريم. أما رسالته التي تقدّم بها لنيل الدكتوراه: "الغزالي ونقده للفلسفة اليونانية"، فقد كتبها باللغة الألمانية، ولم تترجم إلى اللغة العربية حتى هذه اللحظة.
ويظهر أن أبا ريدة كان مقلّاً في التأليف، ويفسّر فؤاد زكريا هذا الأمر بقوله: "لم يكن أبو ريدة ممن يحرصون على غزارة الإنتاج، بل كان في عمله العلمي يغلِّب الكيف على الكم، وكان في ذلك متسقاً مع نفسه تمام الاتساق، فقد كان يبحث دائماً عن النوعية في الحياة، ويعرف كيف يتذوقها ويُرضى بها حسّه المرهف. ولعل السبب الأهم في عزوفه عن الإنتاج الغزير، على الرّغم من - قدرته عليه- هو أنه كان من ذلك النوع النادر من الأساتذة، الذين يلمعون ويمارسون أعظم تأثير لهم من خلال اللقاء المباشر بينهم وبين تلاميذهم، لا من خلال اللقاء غير المباشر عبر الكتب والبحوث. كانت لشخصيته تلك الجاذبية الخاصة، والحضور الثري الذي يقيم بينه وبين تلاميذه وأصدقائه ومعارفه جسوراً من المحبة والاحترام، والإحساس بالألفة العميقة. ومن هنا كان ذلك التأثير البالغ الذي تركه في كل من يحيطون به، والذي ما كان له أن يتحقق لو أنه قد ترك من ورائه المئات من المؤلفات." وهذا الرأي يذكِّر بأستاذه الشيخ مصطفى عبد الرازق، ويجعله شديد الشبه به، في الإقلال من التأليف.
وفي مجال التحقيق نشر أبو ريدة خمسة أعمال، ما زالت نصوصها مقروءة ولا غنى عنها حتى الآن، وفقاً لما يقوله حسن حنفي. وهذه الأعمال بحسب ترتيبها في النشر هي:
"التمهيد في الرد على الملحدة والمعطِّلة والرافضة والخوارج والمعتزلة"، لمؤلفه أبي بكر عمر بن الطيب الباقلاني (توفي403ﻫ)، واشترك معه في تحقيق هذا الكتاب زميله محمود الخضيري. وقد، صدر الكتاب محقَّقاً في القاهرة سنة 1947م. و"رسائل الكندي الفلسفية والطبيعية"، ويُعدّ هذا العمل في نظر بعض المفكرين من أهم ما أنجزه أبو ريدة في مجال التحقيق الفلسفي. وصدرت طبعته الأولى في القاهرة سنة 1950م. و"نصوص فلسفية وعربية اختارها وعلق عليها أبو ريدة"، وصدر في القاهرة سنة 1955م. و"ديوان الأصول"، لأبي رشيد سعيد محمد النيسابوري. و"مقالة في ثمرة الحكمة"، للحسن بن الهيثم، ونشر سنة 1991م.
وفي مجال الترجمة نشر أبو ريدة خمسة أعمال. ويرى الدكتور أحمد عبد الحليم عطية، أن الباحث في أعمال أبو ريدة، يلاحظ أنه بدأ الترجمة منذ تخرجه عام 1934م، واستمرت حوالي اثني عشرة سنة بعد ذلك. وفي هذه الحقبة اختار –بعناية-، عدة نصوص مهمة، تُوسِّع من فهمنا للفلسفة الإسلامية من جانب، وتؤكد الناحية العلمية من جانب آخر. ويرى فؤاد زكريا أن أهم الأعمال التي اشتهر بها أبو ريدة، وجعلت اسمه يتردد في كل كتاب أو بحث في الفلسفة الإسلامية، ترجماته الرائعة لبعض أعمال كبار المستشرقين.
وعرف عن أبو ريدة أنه كان يتقن العديد من اللغات الأجنبية، منها الألمانية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والفارسية، وبعض اللغات القديمة كاللاتينية واليونانية. ولا شكّ في أن إتقان هذه اللغات أعطى ترجمات "أبو ريدة" درجة عالية من الإتقان والموثوقية والتميز، وكانت أغلب ترجماته عن اللغة الألمانية، التي كان له ولع كبير بها، حسب رأي عبد الله العمر، الذي أشرف على إصدار الكتاب التذكاري الذي خُصّ به "أبو ريدة". وقد أحسن أبو ريدة اختيار اللغة الألمانية في أعماله المترجمة؛ لأن الترجمات العربية منها ضئيلة جداً، وما زالت إلى اليوم ضئيلة، خلافاً لذيوع الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية.
والمؤلفات التي ترجمها أبو ريدة بحسب ترتيبها الزمني في النشر بعد الترجمة، هي:
- "وجهة الإسلام.. نظرة في الحركات الحديثة في العالم الإسلامي"، وهو كتاب لخمسة من كبار المستشرقين. أشرف عليه المستشرقان الإنجليزي هاملتون جب، والفرنسي لويس ماسينيون. وصدر الكتاب مترجماً في القاهرة سنة 1934م؛ إذ ترجمة أبو ريدة وهو ما يزال طالباً في مرحلة الماجستير في كلية الآداب في الجامعة المصرية، بعد حصوله على موافقة خطية من هاملتون جب مضَّمنة في الكتاب، ومؤرخة في 26 أبريل 1933م.
- "تاريخ الفلسفة في الإسلام"، لدي بور، وقد ترجمه عن الألمانية، ونشر سنة 1938م.
- "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري أو عصر النهضة في الإسلام"، للمستشرق الألماني آدم متز، نشر في جزأين سنة 1940م مترجماً عن اللغة الألمانية، ويعد هذا الكتاب من أهم مؤلفات متز، وصدر بالألمانية سنة 1922م بعد وفاة مؤلفه سنة 1917م، وقد أشرف عليها ﻫ. ريكندورف.
"مذهب الذَّرة عند المسلمين وعلاقته بمذاهب اليونان والهنود"، للمستشرق بينس، ونشر سنة 1946م، وقد ترجمه أبو ريدة أثناء فترة تدريسه ودراسته في باريس وبازل.
- "تاريخ الدولة العربية من ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية"، للمستشرق الألماني يوليوس فلهاوزن، نشر سنة 1958م مترجماً عن الألمانية والإنجليزية، والعنوان الأصلي للكتاب هو "الدولة العربية وسقوطها"، صدر في برلين سنة 1902م.
والذي يعنينا من مؤلفات دي بور المترجمة، كتاب "تاريخ الفلسفة في الإسلام"، وهي الترجمة التي نوّه بها العديد من الباحثين والمشتغلين بالدراسات الفلسفية.، فها هو ماجد فخري يرى أن الواجب يقتضي التنويه "بدقة مترجمه، وأمانته العلمية، وحرصه على أداء هذا المصنف المهم الذي صدر سنة 1901م بالألمانية أداء عربياً حسناً، وإفاضة القول في الأبواب التي تطرق إليها مؤلفه لماماً، استكمالاً للفائدة."
ونوّه بها الجابري بقوله: "لا بدّ من تكرار التنويه بالمجهود الذي بذله مترجم الكتاب، سواء في الترجمة أو التعليق على بعض أحكامه، أو تفصيل بعض القضايا التي يشير إليها."
ومن يطالع الكتاب يشعر أنه لا يشبه الكتب الأخرى المترجمة من لغة إلى لغة ثانية، التي يغلب على الكثير منها قدر من ارتباك الصياغة، وضعف التناسق والإحكام بين العبارات والجمل، الأمر الذي يقتضي ضرورة العودة إلى النسخة الأصلية. ومن يطالع ترجمة (أبو ريدة) يشعر كأن الكتاب كتب بلغة المترجم، لدقة ضبطه وإحكامه، وتواتر العبارات والجمل بسلاسة. وحسب وصف رضوان السيد -الذي يتقن الألمانية- أن هذه الترجمة اتسمت بعربية قشيبة، وفهم دقيق للمصطلح الفلسفي الألماني.
ولولا هذه الترجمة لما عرف دي بور في المجال العربي، ولما نال كتابه هذه الشهرة الواسعة.، وبهذا يكون أبو ريدة قدم خدمة جليلة لدي بور حين عرَّف به وبكتابه على هذا النطاق الواسع، وبشكل يتمناه كل مؤلف لنفسه، فدي بور لم يعرف في العالم العربي إلا بهذا الكتاب فحسب.
ثالثاً: تاريخ الفلسفة الإسلامية
في ثلاثينيات القرن العشرين التفت الباحثون المصريون المهتمون بحقل الدراسات الفلسفية إلى نقص الكتابة في تاريخ الفلسفة الإسلامية، ووجود حاجة فعلية لكتابات في هذا الشأن؛ لسدّ النقص من جهة، ولرفع مستوى العناية بهذا الحقل من جهة أخرى.
وكان في تقدير هؤلاء الباحثين، أن الغربيين لهم كتابات في هذا المجال ينبغي الوصول إليها، والتعرف عليها، بقصد تكوين المعرفة بها، والكشف عن طبيعة مناهج الغربيين وخبرتهم، والإحاطة بأفكارهم ونظرياتهم في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية.
ومن هنا جاءت عناية أبو ريدة بهذا الكتاب. وكشف عن ذلك في مقدمة الطبعة الأولى المترجمة منه؛ إذ شرح رؤيته وغايته، التي يمكن تحديدها في ثلاثة عناصر أساسية هي:
1. إن تاريخ الفلسفة يعدّ من أهم الدراسات التي نهضت نحو الكمال في أوروبا أثناء القرن التاسع عشر، ولكنها ما تزال حديثة العهد في مصر، فتاريخها يرجع إلى إنشاء الجامعة المصرية.
2. إن المستشرقين قد عنوا منذ قرنين بدراسة الثقافة الإسلامية كلها بما فيها الفلسفة، ولكن أبحاثهم في الفلسفة كانت -في الغالب-، تعالج مسائل خاصة ومحدودة، وقلَّ أن توجد في بحوث المستشرقين كتب تحيط بتاريخ الفلسفة الإسلامية في جملتها، يستثنى منها كتاب دي بور، إلى جانب كتابين آخرين هما: كتاب المستشرق الفرنسي "مِنْك" الذي يحمل عنوان: "أمشاج في الفلسفة اليهودية والعربية" الصادر في باريس سنة 1859م، وقد أشار إليه دي بور في بداية مقدمته. وكتاب "مفكرو الإسلام" للمستشرق الفرنسي"بارون كرادفو" الصادر بالفرنسية بعد سنة 1920م.
3. لا يعرف في لغة العرب كتاب ظهر في تاريخ الفلسفة الإسلامية جدير بوصفه كتاباً، فما كتب حتى أواخر ثلاثينيات القرن العشرين إما أن تكون بحوثاً خاصة ومحدودة، أو بحوثاً عامّة مملوءة بالأخطاء.
ويذكر أبو ريدة أن بعض أساتذته في كلية الآداب حفزوه على ترجمة كتاب دي بور، ليكون كتاباً مجملاً في تاريخ الفلسفة الإسلامية، ويعطي قارئه فكرة شاملة عنها منذ نشأتها، ويبين تطورها، ومشهور رجالها، ويهديه إلى مسائلها، فيهيئه لدراستها الدراسة الوافية.
ويتصل بهذه الرؤية والغاية، ما أشار إليه أحمد عبد الحليم عطية، الذي وجد أن الترجمة لدى أبو ريدة، كانت بمثابة إعداد وتمهيد وتوفير للنصوص الفلسفية اللازمة للتأريخ للفلسفة العربية الإسلامية، فهي نقطة انطلاق أولى لهدف أعم وأشمل، وأنها جهد فلسفي في الأساس من حيث توظيف الأدوات البحثية المختلفة، ومراجعة المصادر الفلسفية باللغات المختلفة، والاعتماد على المخطوطات الأصلية والاستعانة بها، وتقديم الترجمة العربية بدراسة وافية، تضع النص المترجم في سياقه في تاريخ الفلسفة الإسلامية ومشكلاتها.
ومن جهته عدّ دي بور أن كتابه يمثل أول محاولة لبيان تاريخ الفلسفة الإسلامية في جملتها، ويعد في نظره فتحاً جديداً لا إتماماً لما سبقه من مؤلفات، مع أنه لا يزعم أنه قد أحاط علماً بكل ما كتب في هذا الميدان من قبل.
وحين توقف الدكتور الجابري أمام توصيف دي بور، وجد أنه بالفعل يمثل فتحاً جديداً في بيان تاريخ الفلسفة الإسلامية، ووجد –كذلك- أن كتاب (مِنْك): "أمشاج في الفلسفة اليهودية والعربية" السابق زمناً على كتاب دي بور "مجموعة من الأبحاث تتناول آراء الفلاسفة اليهود الأندلسيين وبعض الفلاسفة المسلمين. وعلى الرغم من أهمية هذا الكتاب -إذ ما زال من المراجع الأساسية في موضوعه- فإنه لا يقدم تاريخاً مجملاً للفلسفة في الإسلام، بل يبقى مثله، مثل دراسات المستشرقين السابقين على دي بور، مجموعة أبحاث مستقلة، وبما أن كتاب دي بور صدر في أول القرن العشرين قبل أن يبدأ التأليف العربي الحديث في الفلسفة الإسلامية، فإنه بدون منازع أول كتاب يؤرخ لهذه الفلسفة على الطريقة الحديثة." ويعتقد الجابري أن أول كتاب في هذا المجال لمؤلف عربي، هو كتاب الدكتور محمد لطفي جمعة "فلاسفة الإسلام في المشرق والمغرب"، الصادر في القاهرة سنة 1927م.
رابعاً: الكتاب ومحتوياته
يتألف الكتاب من مقدمة وسبعة أبواب، كل باب يتضمن عدة فصول. الأبواب السبعة على النحو الآتي:
الباب الأول، وحمل عنوان (مدخل)، واحتوى على ثلاثة فصول؛ الفصل الأول جاء بعنوان "مسرح الحوادث"؛ إذ تطرق فيه إلى بلاد العرب قبل الإسلام، والعرب بعد الإسلام، معرّجاً على عصر النبي محمد، ثم عصر الخلفاء الراشدين، ثم الأمويين في دمشق، مشيراً إلى مراكز الثقافة العقلية في البصرة والكوفة، وصولاً إلى العباسيين في بغداد وسقوط الخلافة. أمّا الفصل الثاني فهو بعنوان: (الحكمة الشرقية)، وتطرق فيه مؤلفه إلى الحديث عن النظر العقلي عند الساميين، ثم الديانة الفارسية والدهريين، والحكمة الهندية. وجاء الفصل الثالث بعنوان (العلم اليوناني)، وتطرق فيه إلى الحديث عن المدن والمراكز التي وصلت إليها علوم اليونان، وتحدث عن السريان والكنائس النصرانية، وعن مدن حرّان وجنديسابور، وعن المذهب الأفلاطوني الجديد، ومعرفة أرسطو عند العرب.
وعَنْوَن دي بور الباب الثاني من كتابه بـ(الفلسفة والعلوم العربية)، واحتوى على أربعة فصول؛ ناقش في الفصل الأول (علوم اللغة) وفروعها، وعلاقة علوم اللغة بالقرآن وبالمنطق والفلسفة. واستوعب في الفصل الثاني (مذاهب الفقهاء)؛ إذ عرّج على مواقف الفقهاء وآرائهم تجاه السُّنة والحديث والفقه والقياس والرأي. أمّا الفصل الثالث فهو عن (المذاهب الاعتقادية- مذاهب المتكلمين)، وتناول فيه العقائد النصرانية، وعلم الكلام، والمعتزلة، وأشار إلى أربعة من أئمتهم الكبار هم: أبو الهذيل العلاف، وإبراهيم النظام، والجاحظ، وأبو هاشم، كما تحدث فيه عن الأشعري وعن التصوف.
وجاء الفصل الرابع بعنوان (الأدب والتاريخ)، وجاء فيه على ذكر أربعة من أئمة الأدب العربي، هم: أبو العتاهية، والمتنبي، وأبو العلاء المعري، والحريري.، وفي حقل التاريخ تحدث عن المسعودي والمقدسي.
واحتوى الباب الثالث: (الفلسفة الفيثاغورية) على فصلين؛ الفصل الأول منهما عن: (الفلسفة الطبيعية)، وفيه تطرق إلى مصادر هذه الفلسفة، وتحدث عن علوم الرياضيات والعلوم الطبيعية وعلم الطب. وأمّا الفصل الثاني فهو: (إخوان الصفا بالبصرة)، وتطرق فيه إلى القرامطة، ورسائل إخوان الصفا في ميادين العلم والرياضيات والمنطق وفلسفة الدين والأخلاق.
حتى إذا وصلنا الباب الرابع: (الفلاسفة الآخذون بمذهب أرسطو تأثراً بالأفلاطونية الجديدة في المشرق) ألفيناه محتوياً على خمسة فصول، عرض في كل فصل لواحد من فلاسفة المسلمين الأوائل، وهم -حسب الترتيب- الكندي والفارابي وابن مسكويه وابن سينا وابن الهيثم.
وفي الباب الخامس يجد القارئ آفاقاً من الحديث عن (نهاية الفلسفة في المشرق)، وفيه فصلان، أولهما خصّة بالحديث عن الغزالي. وثانيهما تحدث فيه عن أصحاب المختصرات الجامعة.
وحمل الباب السادس عنوان: (الفلسفة في المغرب)، واحتوى على أربعة فصول.، تطرق في الفصل الأول إلى الحديث عن بواكير الفلسفة في عصر بني أمية بالأندلس، أمّا الفصول: الثاني والثالث والرابع، فخصصه للحديث عن: ابن ماجة، وابن طفيل، وابن رشد، على التوالي.
وختم كتابه بالباب السابع والأخير (خاتمة) واشتمل على فصلين؛ تحدث في الفصل الأول عن ابن خلدون؛ عصره وثقافته، وتحدث في الفصل الثاني عن العرب والفلسفة النصرانية في القرون الوسطى. وبهذا التفصيل لمحتويات الكتاب نتبيّن أن حديث دي بور عن تاريخ الفلسفة في الإسلام يمتد إلى عصر ابن خلدون في القرن الثامن الهجري، مع إشارة موجزة في نهاية الكتاب إلى التفاعل الثقافي الذي حدث بين العالمين الإسلامي والمسيحي في العصور الوسطى في أوروبا، ولا سيّما في إيطاليا وإسبانيا، وفضل المسلمين على الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى.
ومما يجدر ذكره هنا أن العناوين الفرعية في فصول الكتاب هي من وضع المترجم "أبو ريدة" الذي استحسن هذا الأمر، وأشار إليه في مقدمة الترجمة العربية، في حين أن صاحب الكتاب اكتفى بذكر أرقام بدلاً من العناوين.
خامساً: الفلسفة في الإسلام.. الرؤية الكلية
قبل نهاية الباب الأول من كتابه، شرح دي بور رؤيته الكلية لفكرة الفلسفة في الإسلام، محدداً في هذه الرؤية لنفسه ولغيره من الأوروبيين الغاية المتوخاة من دراسة الفلسفة في الإسلام، وكاشفاً عن حقيقة دوافعه التي يخاطب بها الأوربيين خاصّة.
وعن هذه الرؤية يقول دي بور: "ظلت الفلسفة الإسلامية على الدوام فلسفة انتخابية، عمادها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق، ومجرى تاريخها أدنى أن يكون فهماً وتشرباً لمعارف السابقين، لا ابتكاراً، ولم تتميز تميزاً يذكر عن الفلسفة التي سبقتها، لا بافتتاح مشكلات جديدة، ولا هي استقلت بجديد فيما حاولته من معالجة المسائل القديمة، فلا نجد لها في عالم الفكر خطوات جديدة تستحق أن نسجلها لها."
أما من الوجهة التاريخية، فيرى دي بور أن شأن الفلسفة الإسلامية هو "أكبر كثيراً من مجرد الوساطة بين الفلسفة القديمة والفلسفة المسيحية في القرون الوسطى، وإنَّ تتبع دخول أفكار اليونان وامتزاجها في مدينة الشرق كثيرة العناصر، هو من الناحية التاريخية جدير أن يشوق الباحثين على نحو خاص به، ولا سيّما إذا تناسينا الفلسفة اليونانية ولم ندقق في مقارنة الفلسفة الإسلامية بها."
ويرى دي بور أن البحث عن تاريخ الفلسفة في الإسلام له شأن عظيم، ويكشف عن الغاية من ذلك؛ إذ يمكن حصرها في ثلاثة أمور، أشار إليها دي بور بلسان حال الذات الجمعي، موجهاً خطابه للأوروبيين المشتغلين بهذا الحقل، وهذه الغايات هي:
1. إتاحة الفرصة لمقارنة المدنية الإسلامية بغيرها من المدنيات، والفلسفة ظاهرة في بلاد اليونان، حتى ليعدّها الإنسان غير خاضعة للظروف العامة التي تنشأ فيها المدنيات، وبحيث لا يمكن تعليل ظهورها بأسباب خارجة عنها.
2. الكشف عن أول محاولة للتغذي بثمرات الفكر اليوناني تغذياً أبعد مدى وأوسع حرية مما كان عليه الأمر في نشأة علوم العقائد عند النصارى الأولين، وإذا أحطنا علماً بالظروف التي أتاحت تلك المحاولة، استطعنا أن نصل بطريق القياس إلى نتائج متعلقة بدخول العلوم اليونانية من طريق العرب إلى النصارى في القرون الوسطى، ولكن يجب أن نكون في هذا القياس على حذر، ويجب ألا نفرّط في أمره الآن على الأقل.
3. التعريف بالظروف التي تفيد العلم، وبالعوامل التي بتأثيرها تنشأ الفلسفة في الجملة.
وحين يتمم دي بور رؤيته الكلية، يختم حديثه بالقول "ونكاد لا نستطيع أن نقول إن هناك فلسفة إسلامية بالمعنى الحقيقي لهذه العبارة، ولكن كان في الإسلام رجال كثيرون لم يستطيعوا أن يمنعوا أنفسهم من التفلسف، وهم وإن اتّشحوا برداء اليونان، فإن رداء اليونان لا يخفي ملامحهم الخاصة، ومن اليسير علينا أن نستهين بهم إذا أطللنا عليهم من ذروة إحدى المدارس الفلسفية الحديثة المزهوة بفلسفتها، ولكن يحسن بنا أن نتعرفهم في بيئتهم التاريخية، ولندع الآن رد كل فكرة من أفكارهم إلى أصلها الذي انحدرت منه، تاركين هذا لمبحث قائم بذاته، وأما غرضنا فيما يلي، فلا يعدو الإشارة إلى الهيكل الذي شاده المسلمون من المواد التي وجدوها مهيأة لهم."
هذا النص القصير الذي عَنْوَنَهُ أبو ريدة بـ"الفلسفة في الإسلام"، -ويعادل في حجمه مساحة صفحة واحدة من الكتاب-، هو من أكثر ما لفت انتباه الكتاب والباحثين المهتمين بحقل الدراسات الفلسفية، فأثار نقدهم وامتعاضهم. وأغلب الكتابات والمؤلفات العربية والإسلامية التي رجعت لكتاب دي بور، إنما رجعت للتوقف أمام هذا النص ومناقشته ونقده والتشكيك فيه، والكشف عن مغالطته وتناقضه. ووصفه أبو ريدة في هامش الكتاب بأنه حكم جائر، معلقاً عليه بقوله: "فلمفكري الإسلام فلسفتهم الخاصة، ورغم أنه لا توجد في تاريخ الفكر فلسفه مستقلة بما فيها اليونانية، فإن لكل فلسفة طابعها ومشكلاتها ومساهمتها في التراث الفكري الإنساني."
ولولا هذا الموقف المتعالي والمتحيز تجاه الفلسفة الإسلامية، لكان الانطباع العام عن الكاتب والكتاب في المجال العربي والإسلامي مختلفاً على ما يبدو.
سادساً: تعليقات المترجم.. مواقف وانطباعات
احتوت الترجمة العربية لكتاب دي بور على تعليقات كثيرة، متفاوته في طولها، أفاض بها أبو ريدة، الذي ظل ينقح ويزيد في هذه التعليقات مع الطبعات المتتالية للكتاب، وهذا ما أشار إليه في مقدمة الطبعة الثانية الصادرة سنة 1948م.
وعند النظر في هذه التعليقات يمكن تقسيمها إلى قسمين:
1. ما يتعلّق بالمصادر والمراجع التي أغفلها صاحب الكتاب، ولم يأت على ذكرها، استناداً إلى خلفية قررها المؤلف بقوله: "ونظراً لأني توخيت الإيجاز في بيان مسائل هذا الكتاب، فقد اقتضى ذلك إغفال ذكر المراجع التي اعتمدت عليها، إلا إذا أوردت شيئاً بنصه، أو رويته على علاتة من غير تمحيص."
وهذا الاقتضاء في إغفال ذكر المراجع فيما يتصوّره دي بور ليس مقنعاً، ولا مسوّغاً من الناحية العلمية، فالإيجاز لا يقتضي -على الإطلاق- إغفال ذكر المراجع التي لا يكتمل العمل من دونها، ويعدّ نقصاً في المنهجية العلمية.
وقد بذل أبو ريدة جهداً واضحاً وكبيراً، وسد نقصاً فادحاً في البنية العلمية للكتاب. وهذا النقص ضاعف -حسب قول أبو ريدة- مشقة الترجمة، واضطره إلى مراجعة كتب في التاريخ والتراجم، وقراءة كل ما وصل إليه من مؤلفات المفكرين الذين أشار إليهم المؤلف، واهتدى في الأغلب إلى الأصول العربية التي رجع إليها المؤلف، فأشار أبو ريده إلى هذه المراجع ووثقها، وذكر بعض النصوص، ووسّع ما بدا له أنه موجز، وأضاف معلومات هيأتها له البحوث والنشرات الجديدة، وذَكَر التواريخ العربية مستنداً إلى المصادر العربية نفسها.
وقد تابع أبو ريدة المؤلِّف في فكرته وتصوّره، لتكون الترجمة أصدق، فلم يعدل عن الترجمة الدقيقة إلا في مواطن قليلة جداً، استدعاها بيان الحقائق كما هي في مصادرها الأولى. ولقي أبو ريدة في الكتاب آراء قليلة لا يوافق المؤلّفَ عليها، ولكنه لم يتعرض لها بنفي أو إثبات، وتركها للباحثين، لأن الذي يتحمل مسؤولية ما جاء في الكتاب هو المؤلف وليس المترجم.
وبعد أن أتم أبو ريدة ترجمته، عرضها على أستاذه الشيخ مصطفى عبد الرازق، وقرأها كلها عليه، فأرشده إلى بعض المراجع والاصطلاحات، وعند انكبّ شهوراً عديدة للإفادة، من مكتبته في تعليقاته على الكتاب.
ولا شكّ في أن أبو ريدة في هذا القسم من التعليقات قدم خدمة جليلة لدي بور، خدمة كان كتابه بأمس الحاجة إليها، وكشف عن خبرة عالية في الترجمة، ظلت مصحوبة بطاقة اجتهادية قلّ نظيرها، ميَّزت أعماله المترجمة، وجعلت منها واحدة من أفضل الترجمات ضبطاً وإتقاناً وإحكاماً.
2. ما يتعلق بالتوضيحات والإضافات والشروح والاعتراضات التي تراوحت بين الإيجاز الذي يتخطى كونه عدة أسطر، والإسهاب الذي يتجاوز كونه صفحات طويلة، وصل بعضها إلى أربع عشرة صفحة متتالية.
ويتصل هذا التعليق برأي دي بور في ما أسماه بتقلّب الظروف التي عاش فيها النبي باختلاف أحواله النفسية، وتسليم الرعيل الأول من المسلمين بالوحي والقرآن دون أن يتساءلوا عنهما وحولهما. وفي نهاية التعليق التفت أبو ريدة إلى أنه مطوَّل، واعتذر من القرّاء، لما فيه من وثبة صوفية فلسفية، ومن تكرار مقصود، وتعبير خاص اقتضته طبيعة المسألة، ولكنه ثمرة تفكير طويل، ورغبة في الإجابة عن أسئلة عقول كثيرة متوثبة. وقليلة جداً هي الصفحات التي خلت من تعليقات المترجم شرحاً وتوضيحاً، أو إحالة وتذييلاً لمصادر ومراجع عربية وأجنبية.
هذه التعليقات لفتت انتباه الذين طالعوا الكتاب، أو الذين رجعوا إليه بصورة من الصور، وتوقفوا عندها، وعدّوها إحدى السمات التي تميزت بها ترجمات "أبو ريدة". وأظهروا استحساناً لافتاً لها، وأثنوا كثيراً على هذا الجهد الذي نهض به أبو ريدة. وفي هذا الشأن يمكن الإشارة إلى ثلاثة مواقف بارزة، هي:
أ. ما أشار إليه علي سامي النشار من أن "محمد عبد الهادي أبو ريدة إنما يصدر عن منهج مصطفى عبد الرازق في أصالة الفلسفة الإسلامية وعبقريتها، وظهر دفاع محمد عبد الهادي أبو ريدة عن أصالة الفلسفة الإسلامية واستقلالها، في تعليقاته الزاخرة على كتاب تاريخ الفلسفة في الإسلام لدي بور، ...في صورة علمية رائعة، تكّون كتاباً منفصلاً عن الكتاب الأصلي."
ب. وصف فؤاد زكريا ترجمات "أبو ريدة" بالرائعة، ورأى أنه "من الصعب تصنيف هذه الأعمال بأنها ترجمات فحسب؛ لأن جهده الذاتي، وهوامشه وتعليقاته العميقة المسهبة كانت تشكل عملاً علمياً قائماً بذاته."
ت. ما أشار إليه أحمد عبد الحليم عطية حين رأى أن جهد "أبو ريدة" في ترجمته لكتاب دي بور، يجعلنا دون أدنى مبالغة، ننسب العمل إلى الاثنين معاً (أبو ريدة ودي بور)، استناداً إلى أن المؤلَّف "قد رغب في الإيجاز، فلم يذكر المراجع التي رجع إليها ولا المصادر، حتى كان يترجم النص العربي، ولا يدل على مكانه، فبحث أبو ريدة حتى اهتدى إلى الأصول العربية، وأضاف كثيراً من التعليقات، فجاءت الترجمة في أكثر من ضعفي حجمها الأصلي، مزودة بالإشارات والتنبيهات والتعليقات، ووسَّع ما هو موجز، وأضاف معلومات هيأتها البحوث الجديدة، حتى جاء الكتاب أوفى وأعمّ نفعاً، وبداية لجهده في تأريخ أوسع للفكر الإسلامي."
والموقف الذي خرج عن هذا النسق التبجيلي، هو ما أشار إليه ماجد فخري، الذي أخذ على المترجم التجّرد للرد على صاحب الكتاب بإسهاب في بعض الأحوال إسهابا كان في غنىً عنه، وما كان أخلق به أن يتولى مهمة تأليف نظير هذا الكتاب، ما دام له في شأنه مثل هذه التحفظات.
وهذا ما توصل إليه لاحقاً أبو ريدة نفسه؛ إذ وجد أن من الأولى بعد طول الكلام في المسائل التي عرض لها كتاب دي بور، أن تكون بحوثاً مستقلة يستوفيها كتاب عن الفلسفة الإسلامية، فقال في هذا الصدد: "وقد وعدت القارئ بمزيد بيان لبعض المسائل يقرؤه في التصدير، ولكن طول الكلام في هذه المسائل جعلها أولى بأن تكون أبحاثاُ مستقلة، لا تتسع لها المقدمات، فلا بد للقارئ أن ينتظرها في كتاب واف عن الفلسفة الإسلامية."
سابعاً: ملاحظات على التعليقات
كنت قد توقفت أمام تعليقات "أبو ريدة"، وبدت لي بعض الملاحظات المتَّصلة بالقسم الثاني من التعليقات ذات الشأن بالشروح والتوضيحات. وتتحدد هذه الملاحظات في النقاط الآتية:
1. من المعروف عند المشتغلين في حقل الترجمة، أن هناك طريقتين متبعتين في إبداء الملاحظات والتعليقات على الأعمال المترجمة:
أ. الطريقة الأولى: وهي التي اتبعها أبو ريدة في هذا الكتاب؛ إذ تتوزع الملاحظات على صفحات الكتاب بحسب الاقتضاء والحاجة، وتمتد من أول الكتاب إلى نهايته، وتقرأ هذه الملاحظات متصلة مع نص الكتاب في الهوامش المخصصة لها.
ب. الطريقة الثانية: أن يجمع المترجم ملاحظاته وتعليقاته في نص واحد يُصدَّر به الكتاب عادة، فتنفصل الملاحظات والتعليقات عن نص الكتاب. وهي الطريقة الأفضل من وجهة نظري؛ لأنها تتيح إمكانية التعرف على مجموع ملاحظات المترجم في نص كلي موحّد ومتواتر، وليس بطريقة تجزيئية ومتفرقة بين صفحات الكتاب، ولأن هذه الطريقة أيضاً، تجعل القارئ لا يتوزّع بين المتن والهامش على امتداد صفحات الكتاب، بشكل يكون على حساب التتابع والتركيز في متابعة المتن وهو النص الأصلي، وهذا ما لا يحبذه القارئ عادة. ولأن هذه الطريقة لا تشتت عناية القارئ واهتمامه بين المتن والهامش، فالقارئ -في مثل هذه الحالة- يميل إلى التركيز على المتن، ويقل اهتمامه بالهامش؛ لأنّ الكتاب بمتنه وليس بهوامشه المضافة.
2. مع كثرة التعليقات والإسهاب في التوضيحات التي قدّمها أبو ريدة، إلا أنه لم يذكر شيئاً عن سيرة المؤلف ولو بمقدار سطر واحد، بل ذكره مختصراً؛ في القسم الأول منه على هذا النحو: (ت.ج. دي بور)، وليس كافياً على الإطلاق، الاكتفاء بعبارة جامعة أمستردام التي وضعها بجانب الاسم في غلاف الكتاب، فالمؤلف دي بور ليس اسما معروفاً في حقل الدراسات الفلسفية، وبين المستشرقين الأوروبيين، ولم أجد في الكتابات العربية –في حدود اطلاعي- من كتب شيئاً عن سيرته، وقد أغفله كلياً عبد الرحمن بدوي، ولم يأت على ذكره في كتابه: (موسوعة المستشرقين)، الذي ترجم فيه لما يزيد على 280 مستشرقاً أوروبياً. ولست أدري لماذا أغفله بدوي، مع أنه تكرّر ذكره في كتابه (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية).
وما يؤكد صحة هذه الملاحظة، الالتباس الذي وقعت فيه الكتابات العربية بشأن تحديد بلد دي بور، فمحمد عابد الجابري في كتابه (التراث والحداثة.. دراسات ومناقشات) عدّه ألمانياً ومستشرقاً ألمانياً. وعدّه عرفان عبد الحميد في كتابه (الفلسفة الإسلامية.. دراسة ونقد) هولندياً. ومن المهتمين من سكت عن ذلك ولم يشر إلى موطنه، وهذا هو حال أغلب الكتابات العربية والفلسفية منها أيضاً، ومن هؤلاء ماجد فخري في كتابيه (دراسات في الفكر العربي)، و(تاريخ الفلسفة الإسلامية). ولعل ما يرفع هذا الالتباس، ما أشار إليه رضوان السيد في دراسته عن الاستشراق الألماني، وفيه كتب سطراً واحداً عن دي بور؛ إذ قال عنه: "هو مستشرق هولندي مغمور كان يكتب بالألمانية لدراسته على المستشرقين الألمان."
وبهذا يكون أبو ريدة هو الذي عرّف العالم العربي بدي بور، وبكتابه.
3. من الملاحظات التي تلفت الانتباه في تعليقات "أبو ريدة"، تلك المفارقة الكمية والنوعية بين تعليقاته عن الغزالي وتعليقاته عن ابن رشد؛ ففي تعليقاته عن الغزالي قدّم شرحاً وتوضيحاً ودفاعاً مطولاً غطى جميع الصفحات التي خصصها المؤلّف للحديث عن الغزالي، بخلاف الحال في تعليقاته عن ابن رشد، التي اكتفى فيها بالإشارة إلى المصادر والمراجع، ولم يظهر دفاعاً واضحاً عنه، حتى في المواقف التي كانت تستدعي الدفاع والشرح والتوضيح.
فقد أشار دي بور إلى مواقف خطيرة، اتهم فيها ابن رشد في قوله: "وبالجملة ففي مذهب ابن رشد ثلاثة آراء إلحادية كبيرة، تجعله مخالفاً لما أثبتته علوم العقائد في الديانات الثلاث الكبرى في عصره، وأولها قوله بِقِدَم العالم المادي والعقول المحركة له، وثانيها قوله بارتباط حوادث الكون جميعها ارتباط عِلة بمعلول، على وجه ضروري لا يترك مجالاً للعناية الإلهية، أو للخوارق أو نحوها، وثالثها قوله بفناء جميع الجزئيات، وهو قول جعل الخلود الفرد غير ممكن."
وهذا الكلام ما كان ينبغي لـ"أبو ريده" أن يمرّ عليه من دون التوقف عنده، ونقضه، والتشكيك فيه.
وعندما علق دي بور على كلام ابن رشد حول العلاقة بين الدين والفلسفة بالعودة إلى كتابه الشهير (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال)، قال ما نصّه: "ولكن هذا الرأي يبدو فيه إنكار للدين، فالدين السماوي الحق لن يرضى بأن يقر للفلسفة بالمكان الأول في ميدان الحقائق." ومع ذلك لم يعلّق عليه أبو ريدة، الأمر الذي يظهر أن "أبو ريدة" كان أقرب وأميل إلى الغزالي الذي أنصفه ودافع عنه، منه إلى ابن رشد الذي لم يدافع عنه، ولم ينصفه بشيء.
ثامناً: اتجاهات النقد
لم أجد في حدود متابعاتي في الكتابات العربية مراجعات نقدية شاملة وتفصيلية لكتاب دي بور، وما وجدته هو عبارة عن ملاحظات نقدية عامة وكُلّية تلامس الموقف الفلسفي العام لصاحب الكتاب، ولا تقترب من مناقشة المواقف والأفكار التفصيلية الواردة في الكتاب. وهذا يعني أن كتاب دي بور مع شهرته الواسعة في العالم العربي، وبعد ما يزيد على قرن من تاريخ صدوره، وما يزيد على سبعين عاماً من تاريخ ترجمته، لم تعرض له الكتابات العربية المعاصرة، بأنماطها الفكرية والفلسفية والتاريخية بالتحليل النقدي، وهذه مفارقة تلفت الانتباه. ومن الذين كانت لهم ملاحظات نقدية عامة على كتاب دي بور، إبراهيم مدكور، ومحمد عابد الجابري.
ومحاولة إبراهيم مدكور أشار إليها في الجزء الأول من كتابه (في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيقه)، وجاءت في نهاية الكتاب عند حديثه عن المراجع التي تحدثت عن الفلسفة الإسلامية ومنهج بحثها، فمع تقديره لجهود دي بور وأثره في تاريخ الفلسفة الإسلامية، إلا أنه سجل عليه ملاحظتين هما:
- أنه لم تتهيأ لدي بور في أخريات القرن التاسع عشر كل المصادر التي تمكنه من الحكم على دقائق الفلسفة الإسلامية. ولعل مدكور استند في هذه الملاحظة على ما ذكره دي بور في مقدمة كتابه عند قوله: "ولست أزعم أني قد أحطت علماً بكل ما كتب في هذا الميدان من قبل، ولم يكن كل ما عرفت من الأبحاث في متناول يدي، ولم أستطع الانتفاع بالمخطوطات إلا نادراً."
- يبدو لدى مدكور أن دي بور قد غير رأيه شيئاً فشيئاً؛ ففي فصل له في دائرة معارف الدين والأخلاق، يبين ما في الفلسفة الإسلامية من عناصر أجنبية أفلاطونية وأرسطية وفيثاغورثية، ويشير إلى مدى تأثيرها في الشرق والغرب.
وهذه الملاحظة تحتاج إلى بعض التوضيحات؛ إذ ليس ثمة وضوح فيما يقصده مدكور من التغيّر الحاصل عند دي بور، وهل هو تغير إيجابي أو تغير سلبي؟ فكلام إبراهيم مدكور يحتمل الوصف السلبي في القسم الذي يبين ما في الفلسفة الإسلامية من عناصر أجنبية، والوصف الإيجابي في القسم الذي يبين مدى تأثيرها في الشرق والغرب.
أما محاولة محمد عابد الجابري، فقد جاءت في سياق تحليل الرؤية الاستشراقية للفكر الفلسفي في الإسلام، فبعد أن تتبع محتويات كتاب دي بور في أبوابه وفصوله، وفحص مضمونه، وتوقف عند طبيعة رؤيته لتاريخ الفلسفة في الإسلام، أشار إلى بعض الملاحظات النقدية التي يمكن حصرها في أمرين أساسيين، هما:
- تبني دي بور نظرية رينان بكل ما تحمله من مضامين عنصرية، وبالتالي الحكم على الفلسفة العربية الإسلامية حكماً مسبقاً، فما دامت هذه الفلسفة الإسلامية تنتمي إلى شعب من الجنس السامي فلا يمكن أن تكون أصلية، أو تشتمل على عناصر جديدة، من منطلق أن الأصالة والجدة في الفكر والفلسفة مقصورتان على الجنس الآري وحده. وأشار دي بور إلى هذا الموقف عند قوله: "لم تكن للعقل السامي قبل اتصاله بالفلسفة اليونانية ثمرات في الفلسفة وراء الأحاجي والأمثال الحكيمة، وكان هذا التفكير السامي يقوم على نظرات في شؤون الطبيعة؛ [وهي نظرات] متفرقة لا رباط بينها، ويقوم بوجه خاص على النظر في حياة الإنسان وفي مصيره، وإذا عرض للعقل السامي ما يعجز عن إدراكه، لم يشق عليه أن يرده إلى إرادة الله التي لا يعجزها شيء، والتي لا ندرك مداها ولا أسرارها."
وحكم دي بور المسبق على الفلسفة الإسلامية، يأتي صريحاً واضحاً في نظر الجابري عند قوله: "ظلت الفلسفة الإسلامية على الدوام فلسفة انتخابية، عمادها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق، ومجرى تاريخها أدنى من أن يكون فهماً وتشرباً لمعارف السابقين لا ابتكاراً، ولم تتميز تميزاً يذكر عن الفلسفة التي سبقتها، لا بافتتاح مشكلات جديدة، ولا هي استقلت بجديد فيما حاولته من معالجة المسائل القديمة، فلا نجد لها في عالم الفكر خطوات جديدة تستحق أن نسجلها لها."
ويعقب الجابري على هذا الكلام، متسائلاً: "إذا كان كذلك، فلماذا الاهتمام بها، ولماذا كل هذا العناء الذي يتكبده المستشرق في سبيل الاطلاع عليها، ثم الكتابة فيها بلغته وداخل ثقافته؟"
- إن الهدف عند دي بور كما عند غيره من المستشرقين ليس فهم الفلسفة الإسلامية لذاتها، بل استكمال فهمهم للفلسفة اليونانية وللفكر الأوروبي عامة.
لكن هناك من رأى أن هذا النقد يرتد على الجابري نفسه.، فهذا إبراهيم العاتي عند عودته إلى كتاب الجابري (نحن والتراث)، وطريقة تحليله للعلاقة بين الفلسفة الإسلامية والفلسفة اليونانية، رأى أن الجابري يجاري ما أسماه المنظور اليوناني للفلسفة عند المستشرقين الأوروبيين، مبرهناً على ذلك بموقفه من كتاب دي بور نفسه، حين قال عنه الجابري إنه من أحسن ما كتبه المستشرقون. وفي شرحه لهذا الموقف، يقول الدكتور العاتي: "لا بدّ أن نشير إلى أن من الباحثين العرب من جارى المستشرقين في قراءته للفلسفة الإسلامية من منظور يوناني، وأبرز من يمثلهم محمد عابد الجابري، الذي يرى أن الفلسفة الإسلامية ليست قراءة متصلة لتاريخها المعرفي والميتافيزيقي الخاص، كالفلسفة اليونانية والفلسفة الأوروبية، وإنما هي قراءات لفلسفة أخرى هي الفلسفة اليونانية، وقد يبدو ذلك مفهوماً من اعتباره كتاب دي بور "تاريخ الفلسفة في الإسلام" أحسن ما كتبه المستشرقون."
وجاء هذا الكلام في سياق حديث العاتي عن مناهج الباحثين الغربيين، والمستشرقين منهم خاصّة، في دراسة الفلسفة الإسلامية؛ إذ عدَّ كتاب دي بور منطلقاً من المنظور اليوناني للفلسفة، وواصفاً موقفه من الفلسفة الإسلامية بالتطرف تارة، عندما يصف الفلسفة الإسلامية أنها فلسفة انتخابية، عمادها الاقتباس مما ترجم من كتب الإغريق، وبالتناقض تارة أخرى حين يعترف للفلاسفة المسلمين بوجود نوع من التميز عمّن سبقهم على الأقل.
تاسعاً: ملاحظات ونقد
بعد ما ورد من استطلاع ومناقشة ونقد للمؤلِّف والكتاب والمترجم، بقيت الإشارة إلى بعض الملاحظات النقدية، وتتمثل هذه الملاحظات فيما يأتي:
1. سعى المؤلف بشكل دائم في تأكيد التأثيرات الأجنبية اليونانية والرومانية والنصرانية في الثقافة الإسلامية وعلومها ومعارفها، ومنها الفلسفة الإسلامية.
وتمثل هذه الملاحظة مكوناً أساسياً في بنية كتاب دي بور وفي أطروحته، وقد تجلّت بوضوح كبير في كل أبواب الكتاب وفصوله، ومواطن الإشارة إليها كثيرة وعديدة، وتكاد تتصل بكافة فروع الثقافة الإسلامية وأقسامها. وللدلالة عليها يمكن الإشارة إلى بعض الأمثلة الكاشفة على ذلك:
أ. حين يتحدث دي بور عن مراكز الثقافة العقلية الإسلامية، يرى أن المقرّ الأكبر لهذه الثقافة تَمثّل تاريخياً في البصرة والكوفة، وأن بواكير العلم العقلي الدنيوي الذي ازدهر فيهما إنما نشأ من مؤثرات أجنبية، فـ"المقر الأكبر للثقافة العقلية كان في البصرة والكوفة، حيث التقى عرب وفرس، ونصارى ومسلمون ويهود ومجوس، هنا حيث ازدهرت التجارة والصناعة، يجب أن نلتمس بواكير العلم العقلي الدنيوي، تلك البواكير التي نشأت من مؤثرات نصرانية مصطبغة بالفلسفة اليونانية في دورها الشرقي، ومن مؤثرات فارسية."
وقد عقب أبو ريدة على هذا الكلام في هامش الكتاب، معترضاً عليه ومشككاً فيه، بقوله: "هذا الكلام يحتاج إلى تقييد كبير، أثار القرآن مشكلات كان لا بدّ أن تدعو إلى النظر العقلي، ونشأت الفرق والأبحاث الكلامية، فتأثرت بعوامل دينية نظرية، وكل المذاهب المعروفة عند غير العرب هيأت مادة لذلك، فيجب التمييز بين العامل الباعث والفكرة السائدة، وبين المادة التي انتفع بها العرب."
ب. حين تحدث دي بور عن أنواع العلوم، رأى أن العلوم المسماة علوم العرب، ويقصد بها علوم اللغة والفقه والكلام والتاريخ والأدب، ليست من مبتكرات العرب الخالصة، فقد نشأت أو تكامل نموها في نواحٍ من الإمبراطورية الإسلامية التي اختلط العرب فيها بغيرهم، ويختم كلامه -وهذا محل الشاهد- بقوله: "وكان للفلسفة اليونانية من هذا التأثير حظ لم يزل شأنه في ازدياد."
ت. عند حديثه عن المباحث الأخلاقية في الإسلام، يقول دي بور: "كان للنظريات الفلسفية اليونانية أثر مزدوج في المباحث الأخلاقية في الإسلام، فنجد عند كثير من أهل الفرق وعند الصوفية، وعند أهل السنة وعند المتزندقة مذهباً خلقياً ينـزع إلى الزهد، ويصطبغ بآراء فيثاغورس وأفلاطون."
ث. عند حديثه عن المباحث الكلامية، يشير دي بور إلى أثر العقائد النصرانية بقوله: "أكد الإسلام من أول الأمر وجوب الوحدانية لله تأكيداً جازماً، غير أن هذا لم يمنع البعض من أن يضيفوا لله من الأسماء الحسنى ما يضيفون للإنسان، وأن يصفوه بصفات كثيرة، ولا شك أنه بتأثير علم العقائد النصراني عَظُمَ شأن بعض الصفات، حتى صار لها المكان الأول، وهي: العلم والقدرة والحياة والإرادة والكلام والسمع والبصر."
وفي تعقيبه على هذا الكلام، يقول أبو ريدة في هامش الكتاب: "لا أرى هنا شأناً لعلم العقائد النصراني، ما دامت كل هذه الصفات واردة في القرآن."
ج. وعن الأثر الأجنبي في الأدب والتاريخ، يقول دي بور: "تكوّن شعر العرب وطريقتهم في كتابة التاريخ، مستقلين عن القواعد الثابتة المتداولة بين العلماء، ولكن بمرور الأيام لم يسلم الشعر، كما لم يسلم التاريخ من تأثير العوامل الأجنبية."
هذه بعض الشواهد والأمثلة، وهناك العديد منها في ثنايا الكتاب.
من المعروف أن الملاحظة الأخيرة تعدّ من أسس الموقف الاستشراقي، فطالما تعمد المستشرقون المبالغة وتعمّد الإشارة إليها، والتأكيد عليها لمقاصد وغايات تخدم أيديولوجيا الموقف الاستشراقي. ويمكن تفسير هذه الملاحظة، بطريقة تختلف كلياً عن منطق الاستشراقيين، ويتحدد هذا التفسير في النقاط الآتية:
- حينما ظهر الإسلام أحدث ثورة هائلة في علاقة المسلمين بالعلم، حين جعل من كلمة (اقرأ) أول كلمة نـزلت من القرآن الكريم، وهي تفيد نفي الجهل، وحين جعل الإسلام طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وجعل من التفكر عبادة، ومن العقل حجة، ومن البرهان سبيلاً، ومن الحكمة ضالة، وحين رفع الذين أتوا العلم درجة، ولم يعد يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
وبفضل هذه الثورة في علاقة المسلمين بالعلم، اندفع المسلمون نحو اكتساب العلوم والمعارف، وظلوا يسافرون ويهاجرون، ويقطعون المسافات الطويلة براً وبحراً في طلبها والظفر بها، وبهذا السعي والشوق وصلوا وظفروا بعلوم الأمم الأخرى، ومنها علوم اليونان والفرس والهند وغيرها، وأخذوا منها.
- أسهم المسلمون في إحياء العلوم والمعارف التي ظفروا بها وأعادوا الروح إليها، وأكسبوها حيوية وتجدداً، وبفضلهم دخلت هذه العلوم والمعارف إلى التاريخ من جديد، وتواصلت مع الفكر الإنساني، حتى وصلت إلينا، وتعرفنا عليها، كما يشهد بذلك المؤرخون. ولولا هذا الدور الحضاري الرائد والكبير الذي نهض به المسلمون، ما كنّا نعلم إلى أين ينتهي مصير هذه العلوم والمعارف، التي عرفت بعلوم الأوائل أو علوم الأقدمين في إشارة إلى قدمها وتاريخها الموغل في القدم. ولو لم يتعرف المسلمون على هذه العلوم، فهل كان لها هذا النصيب من الحيوية والدينامية والتجدد؟ وهل كان بالإمكان أن تصل إلينا كما وصلت إلينا بالفعل؟ وبالطريقة التي تعرّف عليها الفكر الإنساني والفكر الأوروبي بشكل خاص!
- هذا التأثر الذي تحدث عنه دي بور وباقي المستشرقين الآخرين، إنما جاء تالياً وعَرَضاً ولم يأت خَلْقاً وتكويناً. وهذا ما أشار إليه وأوضحه بشكل جلي مصطفى عبد الرازق في كتابه: (تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية) بقوله: "والعوامل الأجنبية المؤثرة في الفكر الإسلامي وتطوره، مهما يكن من شأنها فهي أحداث طارئة عليه، صادفته شيئاً قائماً بنفسه، فاتصلت به، لم تخلقه من عدم، وكان بينهما تمازج أو تدافع، لكنها على كل حال لم تمح جوهره محواً."
2. حاول دي بور الإعلاء من شأن العقل اليوناني وعلوم اليونان، وإعطاءهم صفة التفوق على باقي الأمم والثقافات الأخرى. وهذه الملاحظة تَرِدُ في صلب الدراسات الاستشراقية؛ لأنها تخدم فكرة المركزية الأوربية التي جاهد المستشرقون في تثبيتها، والدفاع عنها، والتباهي بها.
وقد تركزت هذه الملاحظة في كتاب دي بور مرات عديدة، وتواترت في مختلف أبواب الكتاب وفصوله. ومن الإشارات الدالة عليها؛ حديثه عن تفوق العقل اليوناني على الحكمة الهندية عند قوله: "ولكي يتجه الفكر إلى معرفة حقائق الأشياء الخارجية لم يكن يحتاج إلى خيال الهند، بل كان لا بدّ له من عقل اليونان. ونجد في الرياضيات العربية أكبر برهان على هذا. ورأى أحسن العلماء، الذين يعتد بهم في هذا الشأن، أن الحساب هو وحده العنصر الهندي في هذه الرياضيات، أما الجبر والهندسة فهما يونانيا النـزعة في جل أمرهما، إن لم تكن هذه الصبغة اليونانية هي الوحيدة فيهما."
وفي هذا النص تعمَّد دي بور أن ينسب الخيال إلى الهند، وينسب العقل إلى اليونان. ويراد من الخيال إدراك الجزئيات وعدم القدرة على الربط بينها، بخلاف العقل الذي ينهض بمثل هذه المهمة التركيبية والمنطقية.
وعند حديثه عن مدى معرفة العرب بالتراث اليوناني، يرى دي بور أن من العسير على الشرقيين فهم التراث اليوناني في أعلى درجاته؛ إذ "لم يكن في استطاعة الشرقيين قط، أن يصلوا إلى أثمن ما خلّفه لنا العقل اليوناني في الفن والشعر وكتابة التاريخ، بل ربما كان عسيراً عليهم أن يفهموه، لما كان يعوزهم في الإلمام بحياة اليونان، ولأنهم لم يكونوا متهيئين لتذوق هذه الحياة."
3. نفي صفة الابتكار عن الفلاسفة المسلمين، وقد تكررت هذه الملاحظة مراراً في كتاب دي بور، ومن الإشارات الدالة عليها، ما تحدث به عن ابن باجة، الذي قال عنه: "يكاد ابن باجة يتبع الفارابي، رجل المشرق الهادئ المحب للعزلة، اتّباعاً تاماً، وقلَّ ما اشتغل بوضع مذهب، شأنه في ذلك شأن الفارابي، ورسائله المبتكرة قليلة، ومعظمها شروح قصيرة لكتب أرسطو وغيرها من مصنفات الفلاسفة. وملاحظاته شتات في سوانح لا رباط بينها، فهو يبدأ في الكلام عن شيء، ثم يستطرد إلى كلام جديد، وكان لا يزال يحاول الاقتراب إلى أفكار اليونان، والنفوذ إلى علوم القدماء من نواحيها المختلفة، فلا هو يريد أن يترك الفلسفة، ولا هو يستطيع أن ينتهي منها بأن يتقنها."
ووصف ابن طفيل بقوله: "وقد زعم أنه يستطيع إصلاح مذهب بطليموس، ولكن ينبغي ألا نقبل هذا الزعم على إطلاقه، فقد ادعى مثل هذا كثير من العرب ولكنهم لم يفعلوه". ونفى صفة الابتكار عن ابن ارشد، فهو يقول: "وأيا ما كان فابن رشد مفكر جريء، منطقي لا اضطراب في تفكيره، وإن لم يكن مفكراً مبتكراً، فقد قنع بالفلسفة النظرية."
4. إعطاء التفكير الإسلامي صفة إدراك الجزئيات دون القدرة على ربطها بطريقة منطقية مركبة، وهذه واحدة من الملاحظات التي أحدثها المستشرقون، واخترعوها لأنفسهم، وظلوا يتحدثون عنها في كتاباتهم، حتى عدت من السِّمات البارزة لخطابهم الاستشراقي.
وتكررت إشارة دي بور إلى هذه المسألة مرات عدة، فمرةً عند حديثه عن العرب والتراث التاريخي؛ إذ يقول: "يمتاز مؤرخو العرب الأقدمون كما يمتاز شعراؤهم بالقدرة على إدراك الجزئيات إدراكاً دقيقاً، ولكنهم لم يقدروا على ربط الحوادث برباط جامع لها." ومرة أخرى عند حديثه عن أبي العلاء المعري، الذي قال عنه:" يكاد أبو العلاء يكون خلواً من الموهبة التي تجعل صاحبها قادراً على ربط الأشياء بعضها ببعض، لقد كانت له مقدرة على التحليل، أما التركيب فليست له عليه مقدرة." ومرة ثالثاً عند زعمه أن العرب متى تمكنوا من الوصل بين الأشياء، فإنهم في هذه القدرة يكونون متأثرين باليونان، يقول: "إذا وجدنا العرب يصلون بين الأشياء المتعددة برباط منطقي، أو قائم على الاعتبار لخصائص الأشياء، لا حين يحصونها إحصاء أو يجمعون بينها على غير نظام، فالراجح أنهم في كل ذلك متأثرون باليونان."
وفي هذا إظهارٌ للتفكير الإسلامي بمظهر الضعف والتشتت والضآلة في العقلانية والمنطقية.
وكنت قد تحدثت عن هذه النـزعة التجزيئية شرحاً ونقداً في كتابي (الإسلام والتجديد) في معرض حديثي عن المستشرق الإنجليزي هاملتون جب وكتابه (الاتجاهات الحديثة في الإسلام)، لكونه تحدث عن هذه النـزعة بقسط وافر من الإفراط والمبالغة.
5. تحدث دي بور عن ابن خلدون، وتطرق إلى العديد من الجوانب والأبعاد المتعلقة به، مركزاً على رؤيته في علم التاريخ، وشارحاً خصائص مذهبه، لكن المفارقة أنه لم يتطرق إلى موقفه من الفلسفة، وكان من الأولى به أن يلتفت إلى هذه المسألة الوثيقة الصلة بموضوع الكتاب.
وقد التفت إلى هذه الملاحظة أبو ريدة، وأشار إليها في هامش الكتاب، وقدّم تفنيداً لها يمكن العودة إليه.
6. التأكيد على أن المسلمين أخذوا الفلسفة اليونانية عن طريق المذهب الأفلاطوني الجديد، حتى إنّ دي بور قد تحدث عن الفلاسفة المسلمين في إطار ما أسماه الفلاسفة الآخذون بمذهب أرسطو متأثراً بالأفلاطونية الجديدة في الشرق، ويقصد بهؤلاء الفلاسفة الكندي والفارابي وابن مسكويه وابن سينا وابن الهيثم.
ويراد من هذه الملاحظة أن المسلمين فهموا الفلسفة اليونانية بطريقة ناقصة ومشوهة؛ لأنهم مزجوا بينها وبين المذاهب الشرقية، كما تجلت فيما يسمى بالأفلاطونية المحدثة التي ظهرت في الشرق، وهو الأمر الذي يرفضه المفكرون والمؤرخون من العرب والمسلمين المعاصرين، ولهم جولات في نقضه.
هذه بعض الملاحظات النقدية، التي تجعلنا نعتقد أن كتاب دي بور جاء في سياق الدراسات الاستشراقية، وفي صلب الخطاب الاستشراقي الأوروبي.
   
أضف الى المفضلة أطبع أرسل الى صديق عدد القراءات: 2286   عدد الاصوات: 80 تعليقات: 1 - أضف تعليقك
 
أضف تعليقك
الإسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
التعليق: